الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

العثمانيون بتونس.. إرث باهت لا حاضر له

انتهى الوجود العثماني من تونس ولم يخلف إرثاً ثقافياً أو علمياً أو حضارياً مميزاً يمكن استحضاره اليوم بانبهار

تونس – فاطمة بدري

أصبحت تونس تابعة للسلطة العثمانية سنة 1574، وسنة 1705 تأسَّس فيها حكم وراثي على يد حسين بن علي التركي، ودام حتى 1957، تاريخ الإعلان عن الجمهورية، وإلغاء النظام الملكي. وعلى مدار أكثر من ثلاثة قرون من حكم العثمانيين، حاولوا تطويع البلاد لتتواءم مع مزاج الأتراك؛ خصوصاً على مستوى المساجد التي قاموا بتغييرها لتستجيب لمذهبهم على حساب المذهب المحلي، لكن دون أن يتجهوا إلى بناء حضاري وثقافي حقيقي يشهد على مرورهم من هذا البلد. وكان الهاجس العسكري والمصلحة هما المحرك للعلاقة؛ ولهذا بحثت تونس مبكراً عن هامش من الاستقلالية عن إسطنبول عسى أن تدرك بعض التقدم الذي أبعدها عنه العثمانيون.

خلاف مذهبي

كان العثمانيون يتبعون المذهب الحنفي على خلاف التونسيين الذين يعتمدون المذهب المالكي؛ لذلك أقدم الحكام الأتراك لدى قدومهم تارة على تغيير مذهب بعض الجوامع، وتارة أخرى على بناء جوامع خاصة بمذهبهم. ونتيجة لذلك يوجد اليوم في مدينة تونس سبعة مساجد حنفية؛ وهي: جامع محمد باي (جامع سيدي محرز)، وجامع القصر، وجامع يوسف داي، وجامع القصبة، وجامع حمودة باشا، وجامع يوسف صاحب الطابع، والجامع الجديد، فضلاً عن عددٍ آخر من المساجد الحنفية في مدن تونسية أخرى.

وكانت جوامع تونس تُعرف بمآذنها المربعة؛ ولكي تميز مساجدها عنها عمل العثمانيون على وضع مآذن أسطوانية تماهياً مع ما هو سائد في تركيا. ولكن بالعودة إلى المساجد الحنفية في تونس نجد أن كثيراً منها يتميز بمآذنه الثماني؛ وهو شكل قال عنه بعض المختصين والمؤرخين إنه وليد دمج النموذج الأصلي المحلي المربع والعثماني الأسطواني. ويظهر هذا النموذج خصوصاً في جامعي حمودة باشا ويوسف داي.

جامع حمودة باشا بالمدينة العتيقة تونس- (خاص بكيوبوست)

من بين الأشياء الأخرى التي قام العثمانيون بتغييرها في المساجد المالكية بتونس، هي استبدالهم بالمنبر الخشبي المالكي منبراً مبنياً مزيناً بالرخام أو الخزف، في استنساخ للنموذج التركي في إيالة تونس حينها، وكان مسجد القصبة أحد المساجد التونسية الذي عمل العثمانيون على تحويره ليعتمدوه لدى حلولهم بتونس. كما أضافوا ما يُسمى بالمحفل والختمة اللذين لا يوجدان في المساجد المالكية التونسية.

والمساجد هي أبرز المعالم التي ما زالت تحمل توقيع العثمانيين في تونس، إلى جانب بعض القصور التي تحولت لاحقاً إلى متاحف على غرار المتحف العسكري. في المقابل، لم ينجح العثمانيون في ترك بصماتٍ ثقافية وعلمية تُذكر في البلاد. ورغم بنائهم بعض المدارس، كالمدرسة السليمانية، وغيرها؛ فإنهم لم يعتمدوا سياسة تعليمية واضحة تهدف إلى نشر العلم والمعرفة لدى أبناء الإيالة.

مسجد القصبة رغم شكله التونسي فإن العثمانيين قاموا بتعديله من الداخل- (خاص بكيوبوست)

تراجع التعليم

وحسب المؤرخين، فقد ظهرت فكرة المدرسة في العهد الحفصي (الحقبة السابقة للعثمانيين)، ولعبت دوراً مهماً في تكوين الطلبة، وتلقينهم العلوم الشرعية، وتوفير المسكن للتلاميذ القادمين من مدن أخرى؛ ولكن فقدت المدارس دورها وأهميتها في العهد العثماني، لأن النظام المدرسي إبان هذه الحقبة لم يكن الغرض منه تعميم التعليم ونشر المعرفة بقدر ما كان الغرض منه تخريج مدرسي وموظفي وقضاة الدولة العثمانية حصراً حتى يتسنى لهم التنقل بسهولة خدمةً للسلطنة.

وحسب المؤرخ التونسي الهادي جلاب، فإن “هذا ما يفسر بقاء تونس، شأنها شأن بقية الدول العربية التي خضعت لسلطة الدولة العثمانية، بعيدة عن ركب التقدم العلمي والحضاري والفكري الذي كان يشهده العالم طيلة فترة خضوعها للاحتلال العثماني. لقد أبعد العثمانيون بإهمالهم المعرفة والتعليم التونسيين عن التطورات الحاصلة على الضفة الأخرى من المتوسط بحجة الخوف من القوى الاستعمارية؛ ولكن الحقيقة أنهم لم يكونوا يرون هذه الإيالة إلا كمورد للضرائب ونهب الخيرات”.

المدرسة السليمانية- (صورة من صفحة خاصة بالتاريخ التونسي)

ويضيف متحدثاً إلى “كيوبوست”: “نتيجة لهذه السياسة وهذا التعاطي، عندما انتهى الوجود العثماني من تونس لم يخلف إرثاً ثقافياً أو علمياً أو حضارياً مميزاً يمكن استحضاره اليوم بانبهار، للإشارة إلى أنه خلاصة عصر امتد لعدة قرونٍ من الزمن”.

ويؤكد المؤرخون نزوع التونسيين للاستقلالية عن الباب العالي في إسطنبول، في ظل الانتهاكات الكبيرة التي حدثت معهم؛ لترهيبهم ودفعهم إلى القبول القسري للقرارات، ويقينهم بأن تركيا لا تراهم إلا كمصدر لضخ الأموال والموارد البشرية عند الحروب. وقد اتضحت ملامح هذه النزعة؛ خصوصاً في فترة حكم العائلة الحسينية التي استعملت منذ 1710، وبشكلٍ تدريجي، عناصر تونسية محلية بالمدن وقبائل مخزنية بالأرياف لممارسة السلطة وبسط نفوذها على المستوى المركزي والمحلي؛ وهو تثبته الوثائق الرسمية المحفوظة بالأرشيف الوطني التونسي.

اقرأ أيضًا: المساعدات الطبية.. محاولة أردوغانية لاستغلال تونس في أزمة ليبيا

وفي هذا السياق، يقول المؤرخ الهادي جلاب: “كان هناك جنوح تونسي إلى الاستقلالية عن الدولة العثمانية، ترجمته العديد من المؤشرات والوقائع؛ حيث تم توقيع اتفاقيات مع دول أجنبية دون الرجوع إلى الباب العالي، إلى جانب استعمال اللغة العربية، والإحجام عن اللغة العثمانية، وهو أمر بالغ الأهمية حينها؛ إذ أظهرت الوثائق التي تم جمعها وحفظها عند إنشاء خزنة حفظ مكاتيب الدولة سنة 1874 من قبل الوزير الأكبر خير الدين والتي تضم مجمل ما أنتجته الإدارة حتى ذلك التاريخ، أنها قد كُتبت في أغلبيتها الساحقة باللغة العربية. كما قام المؤرخ روبارت منتران، بجرد الوثائق التركية بأرشيف دار الباي، المتعلق بفترة ما قبل 1881، فوجد أن عددها لا يتجاوز 1500 وثيقة و100 دفتر على مجموع 400 ألف وثيقة و15 ألف دفتر. وحتى في التراسل مع الباب العالي أصبح أحمد باي منذ سنة 1838 يستعمل اللغة العربية”.

الهادي جلاب

حضور باهت

كان لهذا النهج المستقل نسبياً عن إسطنبول والذي اتبعه خصوصاً بايات العائلة الحسينية؛ ولا سيما أحمد باي، بعض النتائج الإيجابية؛ خصوصاً على مستوى الإصلاحات.

اقرأ أيضًا: بعد زيارة أردوغان غير المعلنة إلى تونس.. هل يُغيِّر سعيّد موقف تونس الحيادي من الملف الليبي؟

ويشرح المؤرخ التونسي بقوله “مع أحمد باي ضعفت العلاقة مع الدولة العثمانية، وأصبحت تونس تتعامل مع الخارج كدولة مستقلة تماماً إلى درجة أن أحمد باي رفض العمل بالإصلاحات التي أقرتها إسطنبول سنة 1839، بل وأرسل أحمد بن أبي الضياف، إلى الباب العالي؛ لإبلاغ هذا الرفض وشرحه. كما عرفت تونس إصلاحات عديدة شملت مختلف الميادين، فتم تأسيس الوزارة الكبرى، ووزارة الحرب والبحر، ومجلس لتدقيق الحسابات ووزارة للعمالة (الداخلية) ومجلس أكبر (نوع من البرلمان)، وأنشأت مطبعة رسمية، ومجلة رسمية تُسمى “الرائد التونسي” بالعربية. كما ألغت تونس العبودية نهائياً في يناير 1846، لتلحق بها السلطة العثمانية العبودية في أبريل 1847، وأصدرت تونس دستوراً عصرياً في 1861 في حين أصدرت السلطة العثمانية دستوراً عصرياً سنة 1876″.

خلاصة القول؛ إن مرور العثمانيين على تونس كان عابراً وبلا أثر يُذكر، لأنه كان محكوماً بالمنفعة والتسلط، وقد عبر عنه المؤرخ أحمد بن أبي ضياف، بقوله: “إن آل عثمان تفننوا في فرض الضرائب لبناء القصور، وقتلوا الأبرياء ذبحاً بالسيف، ومثلوا بجثثهم، وانتهكوا حرمة شهر رمضان، وهاجموا المصلين في المساجد”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة