الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

العتيبي من وهاد التطرف إلى آفاق التحرر

كيوبوست

الفكر لا يواجه إلا بالفكر؛ ومقتل التطرف الحقيقي في كشف العوار الإنساني والعقلي والتناقضات التي يقوم عليها هذا الفكر من انغلاق وجمود واعتساف التفسير الديني الذي يبرر ويشرعن ارتكاب الجرائم بمظلة دينية، ويكون القتل باسم الله ويكون ذبح البشر وإحراقهم والتنكيل بهم على أصوات التهليل والتكبير والتسبيح بحمد الله!

الناجون بأرواحهم وعقولهم، والعائدون إلى مظلة إنسانيتهم واكتشاف الحقيقة الكونية الكبرى يدركون أن الدين؛ أي دين لا يتوسل أبدًا بالعنف والإرهاب، وليس هناك دين يمسك سكينًا ويضرب به الناس لكي يحملهم على اعتناقه، والإسلام في مقدمة هذه الأديان، يقول تعالى: «لا إكراه في الدين»، و«مَن شاء فليؤمن ومَن شاء فليكفر». لا ليس هذا بالإسلام.

اقرأ أيضًا: سيبقى التفكير الديني مناعةً من الخرافة ومادية العلم

في هذا السياق، تأتي تلك الحلقة المهمة من برنامج (من الخاطر) الذي يُذاع على فضائية “أبوظبي”، واستضاف فيها مقدِّمُ البرنامج موسى الزبيدي، الباحثَ السعودي المتخصص في شؤون التيارات الدينية المتطرفة، والكاتب المعروف عبدالله بن بجاد العتيبي، صاحب تجربة انخراط في هذه التيارات لمدة عشر سنوات إلى أن تحرر من أسرها، وأصبح من أبرز وأهم الذين يحاججون الإخوان والمتطرفين (بل سيصبح شوكة في حلوقهم) ومن أقدر مَن يفندون دعاواهم، ويقوضون الأسس الفكرية التي تقوم عليها مقولاتهم التي يستخدمونها في تجنيد الشباب واكتساب المؤيدين.

صدر للعتيبي كتاب «ضد الربيع العربي (استقرار الفوضى وطغيان الديمقراطية)»، ويعد من أهم مَن قدموا مراجعات وتحليلات وافية لتجربة الانخراط ضمن تيارات الفكر المتطرف، استغرقت عشرة أعوام كاملة، ربما لولاها لما استطاع ابن بجاد إدراك شبكة المسكوت عنه والتناقضات التي يقوم عليها هذا الفكر المتطرف برمته؛ تجربة العتيبي تثبت أن التحرر من أسر الأفكار الفاشية يحتاج إلى جهد عقلي يفوق بكثير ما يستلزمه التحرر من قيود السجون المادية، والحكم الفارق فيها هو “الوعي”.

ومجمل تجربة العتيبي تثبت يقينًا أنك إذا أردت مقاومة الإرهاب والانحراف الفكري، وإذا أردت أن تدعو إلى إنسانية شاملة ومحبة شاملة، فانشر الفكر الإسلامي الصحيح في مكانه الصحيح، ما بين التعليم والإعلام والوسائط الثقافية المختلفة؛ فساحة المعركة الحقيقية هي “الوعي” ولا شيء آخر؛ هناك مَن يبذل كل شيء لأسر هذا الوعي وقولبته وتسييره وَفق ما يريد لتحقيق أهدافه، وهناك مَن يسعى لتحرير هذا الوعي وحمايته من الانزلاق إلى فخاخ الأسر المتطرف والانغلاق الفكري.

غلاف كتاب “ضد الربيع العربي”

من القرية إلى المدينة.. الوعي بالتحول

يبدأ محاور العتيبي الحلقة بالعودة إلى الجذور، ويسأل ما إذا كانت بذور التمرد الفكرية للعتيبي كانت موجودة منذ الطفولة أم لا، ويركز الضوء على النشأة في قرية مصدة في نجد غرب الرياض. ومن النشأة إلى النزوح إلى الرياض والوقوع في حبائل الفكر المتطرف، سيقدم العتيبي واحدة من أهم الشهادات التي تتضمن تحليلًا تاريخيًّا واجتماعيًّا وافيًا لسياق تلك الفترة؛ زمنيًّا ومكانيًّا. شهادة حية وأصيلة؛ لأن تجربة الانخراط في نشاط من أنشطة تيارات الإسلام السياسي تمثل تكأة أساسية في مساءلة هذه الأفكار التي وقع في حبائلها حال تنشيط خلايا المراجعة والسؤال والنقد، وهو ما تحرص كل تيارات العنف والإرهاب والتطرف على مواجهته بكل قسوة، ووضع الحواجز والعراقيل والحدود التي تمنع وتحول من الانطلاق إلى آفاق السؤال والاكتشاف والمراجعة وكسر البنية النمطية لتأطير العالم أو نمذجته أو “كتلجته” (من كتالوج).

اقرأ أيضًا: فرص مكافحة التطرف وتحدياته

إن التحليل السوسيوتاريخي الذي يقدمه العتيبي لبروز وتأثير المد الديني المتطرف في المملكة العربية السعودية، في الفترة من منتصف سبعينيات القرن الماضي وحتى نهاية الثمانينيات، يبدو شديد الأهمية والقيمة، ويمثل ذخيرة معرفية ممتازة لمراكز الأبحاث المتخصصة في دراسة ظواهر التطرف؛ إذ ظلت هذه المنطقة قلب نجد، بمنأى عن البحث والتحليل لعقود طالت، ولم يكن هناك كثير من المواد التاريخية والاجتماعية التي يمكن الاعتماد عليها في قراءة وتحليل تلك الفترة من حيث ظهور وتنامي نفوذ تيارات التطرف ونجاحها في استقطاب العديد من الشباب الذين كانوا ينتمون إلى هذا الجيل.

اقرأ أيضًا: ستيفن هوكنج: حينما ينشغل الناس بالتكفير، ويتجاهلون التفكير!

يوضح العتيبي أن فترة الفكر القلق والاتجاه إلى التطرف كان في المدينة، ولم يكن في القرية؛ ويرد ذلك إلى طبيعة المرحلة التاريخية ككل في العالم العربي وليس قسرًا على المملكة العربية السعودية، يوضح أن فترة الخمسينيات والستينيات شهدت انبعاث تيارات القومية العربية والبعث والناصرية ونشاط ملحوظ للتيارات اليسارية؛ لكنها ومع السبعينيات ستتوارى ويحل محلها ما سيصطلح على تسميته بالصحوة الإسلامية، وأن الفترة التي سادت فيها استقطابات التيارات الدينية المتطرفة، والتي كانت تتذرع زورًا وبهتانًا بما كانوا يطلقون عليه “الصحوة”؛ وهي لم تكن قط كذلك، استمرت من منتصف السبعينيات تقريبًا إلى أواخر الثمانينيات ومطالع التسعينيات.

تبدو شهادة العتيبي على الفترة وقيمة تحليله لها في إبراز “المواجهة” التي تأخرت سنوات وسنوات بين أبناء النخبة الفكرية السعودية، والتيارات الظلامية التي نجحت في بسط هيمنتها ونفوذها في المدن والقرى وفي الأرجاء كافة.

اقرأ أيضًا: كيف تُسهم العزلةُ الطائفية في التطرف

عبدالله بن بجاد العتيبي

التفاصيل التي يوردها العتيبي في هذا المقام تبرز الآليات التي كان يتم بها السيطرة على الوعي وتقييد العقل، برد كل تفصيلة في الحياة إلى مبرر ديني لا يقود إلا إلى مسار من اثنين؛ إما الجنة وإما النار، ومن هنا صارت تفصيلة مثل إطالة الثوب أو تقصيره.. إرسال اللحية أو تقصيرها أو إزالتها تمامًا.. إلخ، صارت تلك الأمور مسألة حياة أو موت! تحولت أمور من قبيل المتغيرات والشكليات اليومية إلى مسائل تعبدية وعقدية، هنا الدخول إلى سجن الأيديولوجيا الذي لا يرحم؛ فإما إيمان وإما كفر..

وتشتمل شهادة العتيبي النابضة العفوية الواعية في الوقت ذاته على نماذج دالة في هذا الإطار.

اقرأ أيضًا: في صعوبات تعريف التطرف

لكن يبقى من بين الأفكار المهمة بل في غاية الأهمية التي لفت العتيبي النظر إليها في الحلقة هي طبيعة وتكوين الخطابات المتطرفة من حيث اشتمالها على أيديولوجيات (تكافئ العقيدة) تراكمت عبر وقت طويل، وهنا يبرز العتيبي أن مواجهة هذه الخطابات والقضاء عليها لن يكون بالسهولة التي يتخيلها البعض أو أن يكون ذلك في مدى زمني ميسور، أبدًا. يقول العتيبي إن الخطابات والأيديولوجيات التي بُنيت عبر عقود لا تنتهي في أيام؛ تتلون وتتحور، تنحسر قليلًا وتتخفَّى تحت الأرض لحين معاودة الظهور، لكنها لا تختفي نهائيًّا إلا بشروط هذا الاختفاء. ويحذر العتيبي من أن هذه الجماعات والتنظيمات المتطرفة ستصير في المدى القريب (السنوات المقبلة) أكثر توحشًا ودموية؛ لأنها باتت تدرك اتجاه العالم كله إلى محاصرتها والقضاء عليها نهائيًّا، وستكون هذه الانبعاثات الدموية المتقلصة وموجات العنف الوحشية هي ما يمكن أن نطلق عليه النزع قبل الأخير.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة