شؤون خليجية

العبودية في العصر الحديث: ما بين الدوحة وتل أبيب

تتشارك قطر مع إسرائيل في الرغبة باستجلاب العبودية من جديد

خاص كيو بوست –

أثار الفيديو الصادم الذي عرضته شبكة “سي إن إن” الإخبارية عن سوق العبيد في ليبيا، جدلاً عالميًا، نبّه العالم لآفة غريبة بدأت تنتشر بدرجات متفاوتة في المنطقة. وبدأت قصة العبودية الحديثة من سبايا داعش، وعرض الأسيرات الأيزيديات في سوق “الإماء”، وبيع المهاجرين الأفارقة في ليبيا بمبلغ 400 دولار للإنسان الواحد.

وما بين سوق الرقيق الذي أقامته الميلشيات في ليبيا، وسوق “الإماء” الداعشي، هنالك استغلال للبشر من نوع  آخر تنبهت إليه وسائل إعلام ومؤسسات حقوق الإنسان، وهو استغلال العمالة الوافدة وطالبي اللجوء.

 

انتهاكات الدوحة للعمالة الوافدة

أُدينت دولة قطر أكثر من مرّة بسبب انتهاكات ضد العمالة الوافدة، خصوصًا النيباليين منهم، إذ يواجه العمال استغلالًا وإساءات ترتقي إلى مرتبة العبودية في العصر الحديث. كما أن ظروف العمل السيئة، وقلة الأجور، والعمل تحت درجة حرارة مرتفعة خلال فصل الصيف، وعدم توفير وسائل الأمان، جعلت مئات العمال الوافدين من دول شرق آسيا، يعودون إلى بلدانهم في توابيت. فمثلًا، أعلنت الحكومة النيبالية عن وفاة 356 من مواطنيها بين عامين 2013-2014.

وقد كانت معظم تلك الوفيّات نتيجة العمل في المنشآت الرياضية، إذ من المقرر أن تستضيف قطر، مباريات كأس العالم على أراضيها في العام 2022، الأمر الذي دفعها إلى استيراد مئات الآلاف العمال من جنوب شرق آسيا، حتى أصبحت العمالة الوافدة إلى قطر تشكل ما نسبته 95% من السكان، بأعداد وصلت إلى 2 مليون عامل.

في وقت سابق، قالت مديرة قسم الشرق الأوسط في منظمة هيومان رايتس ووتش سارة ليا ويتسن: “سعت قطر إلى الأضواء من خلال ترشحها لتنظيم نهائيات كأس العالم 2022، وجلبت مئات آلاف العمال المهاجرين لبناء الطرق، الملاعب، والفنادق، ثم وضعت على الرف توصيات من مستشارين وظفتهم للتحقيق في وفيات العمال المهاجرين. على الفيفا والاتحادات الوطنية لكرة القدم أن توضح أنها تتوقع تغييرات في القوانين والممارسات التي تسعى للحفاظ على الحياة، والتي يمكن لها أن تكون قادرة على حماية حياة عمال البناء، الآن وفي المستقبل”.

وبحسب بيان أصدرته هيومان رايتس ووتش، في سبتمبر هذا العام، فإن قطر تتجاهل وجود الشفافية القانونية للإفصاح عن أسباب الوفاة، في الوقت الذي تسجَل فيه الحكومة أسباب معظم الوفيات “بالسكتة القلبية” وهو تعريف غامض لأسباب الموت.

الغريب في الأمر، أن تلك التقصيرات من الحكومية القطرية تجاه العمّال، لم تكن نتيجة لضعف الاقتصاد القطري وقلّة إمكانيات الدولة؛ فقد صرّح وزير المالية القطري علي العمادي، أن قطر تنفق أسبوعيًا على منشآت كأس العالم، ما يقارب الـ500 مليون دولار إسبوعيًا، مع توقعات أن تصل تكلفة تلك المشاريع إلى 200 مليار دولار.

ومع ازدياد الضغوطات على قطر، اضطرت الدوحة لتوقيع عشرات الاتفاقيات الدولية، التي تحفظ الحقوق الأساسية للعمال، وإلغاء نظام الوكالة المثير للجدل، وإقرارها قانون جديد للعمل، إلّا أن منظمة العفو الدولية طالبت في بيان لها، الأمم المتحدة، بمواصلة الضغط على الحكومة القطرية، نظرًا لقصور قانون العمل الجديد.

 

تل أبيب تخشى الألوان المتعددة

سعت إسرائيل منذ نشوئها، إلى تعريف نفسها كدولة ديمقراطية وحيدة في المنطقة، وعمل الإعلام الغربي الموالي لإسرائيل إلى الترويج لتلك المقولة، على الرغم من كم العنصرية والاستغلال الموجود داخل دولة الاحتلال، سواء الممارس ضد الفلسطينيين والأقليات العربية، أو الممارس ضد اليهود الشرقيين مِن قبل الغربيين.

قوّة الآلة الإعلامية لإسرائيل، ساعدتها على نقل صورتها الديمقراطية إلى كافة أنحاء العالم، فأخذ المواطنون من دول أفريقيا يهاجرون إلى إسرائيل عبر طرق التهريب، تسلل من خلالها عشرات الآلاف من الأفارقة عبر صحراء سيناء، في ظروف خطرة، سعيًا إلى رفع مستوى حياتهم.

إلّا أنهم صدموا من الاستغلال الذي لاقوه أثناء إقامتهم في إسرائيل، حيث تم حصرهم في مخيمات للاجئين، وذلك بما يتنافى مع الصورة الإعلامية التي روّجت لها إسرائيل عن نفسها، وظلّ النظر إليهم على أنهم مهاجرين غير شرعيين. وعلى الرغم من من مضي عشرات السنوات على إقامتهم، ظلّت النظرة السائدة إليهم مبنية على أساس اللون والعرق، وانتشرت ضدهم أعمال العنف العنصرية التي واجههم بها المجتمع الإسرائيلي.

ولم توافق الحكومة في إسرائيل على طلب اللجوء سوى لنسبة قليلة منهم، بما يتناسب مع حاجتها إليهم، أما البقية فقد تعرّضوا لعمليات استغلال تعرضوا لها في الأجور، إضافة إلى عدم منحهم أية حقوق في العمل، بحسب ما ذكرت تقارير مختلفة، مضيفةً أنه جرى ترحيل 20 ألفًا منهم في الأعوام السابقة، وينتظر ترحيل 40 ألفًا آخرين إلى دولة ثالثة.

قبل فترة وجيزة، زار رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أحياء جنوب تل أبيب، ووعد السكان هناك: “أن حكومته ستعمل على إعادة الأحياء الجنوبية في مدينة تل أبيب لمواطني الدولة”. وقال أيضًا إن المرحلة التالية من الترحيل المكثف، صارت متاحة بفضل اتفاق دولي، الأمر الذي يعني ترحيل الـ40 ألفًا المتبقين، دون موافقتهم.

وأشارت وسائل إعلام عبرية إلى أن الهدف الأول للترحيل سيكون “مخيم حولوت” للاجئين الأفارقة في صحراء النقب في غضون أشهر قليلة.

ومن جانبها، أعربت وكالة الأمم المتحدة للاجئين عن “القلق العميق” حيال خطط إسرائيل وسلامة المرحلين، وذكرت أن طالبي اللجوء واللاجئين المنحدرين من أريتريا والسودان مضطرون للاختيار بين الموافقة على الترحيل إلى دول أفريقية أو دخول السجن في إسرائيل.

 

تشابه بين الدوحة وتل أبيب

من خلال العرض السابق، يتضّح أن قطر وإسرائيل تتشاركان مبدأ استيراد العبودية من العصور القديمة إلى العصر الحديث. ورغم محاولاتهما الدائمة للتهرّب من ذلك عبر وسائل الإعلام، إلا أن الحقائق على الأرض تثبت أنهما يسعيان بشكل متعمّد إلى استجلاب العبودية من جديد، رغبة منهما في استغلال العاملين واستنزاف طاقاتهم لصالح مشاريعهما السياسية، بدون تكلفة مادية.

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة