الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةرفوف المكتبة

العادات الذرية

كيوبوست

عبدالرحمن النقبي♦

المرة الأولى التي رأيت فيها هذا الكتاب كانت في حساب أحد أصدقائي على صفحته عبر “تويتر”، وبعدها لمحته أيضاً لدى جناح دار التنوير للنشر في معرض أبوظبي الدولي للكتاب؛ حيث اقتنيته ووضعته على أحد رفوف مكتبتي المنزلية وبقي هناك فترة من الزمن حتى قررت أن أقرأه مؤخراً، وكم تمنَّيت لو أنني قرأته فور شرائي له لشدة ما أبهرني محتواه الذي راقني بشدة، واستفدت منه استفادة عظيمة كان لها أثر جميل في حياتي.

هناك بعض المعلومات أو الأساليب التي ربما سبقه إليها بعض المختصين في هذا المجال، والتي قد نجدها على سبيل المثال في كتاب قوة العادات، أو كتاب صنع العادات، كسر العادات، أو الكتب الأخرى. بإمكاني أن أزعم بأن هذا الكتاب نسخة مُنقَّحة أو مطوَّرة من الكتب التي سبقته، وميزته الكبرى ربما تكون في سلاسة طرحه، الذي يدعمه العلم الحديث، والذي يكمن في سهولة تطبيق النصائح العملية والطرق المنهجية التي ذُكرت بين دفتَيه.

اقرأ أيضًا:  كتاب “المؤمن الصادق” للكاتب الأمريكي إيريك هوفر

يُحسب للكاتب قيامه بتلخيص كل فصل في نهايته؛ الأمر الذي يوفِّر عليك الكثير من الجهد عند محاولة استذكار ما قرأته في كل فصل. نصائح جيمس كلير جمعت بين سهولة الفهم وسهولة التنفيذ؛ وهي أمر يصعب توفره في معظم الكتب، وهو الأمر الذي يفسِّر النجاح منقطع النظير للكتاب، وبيع ملايين النسخ منه في فترة وجيزة.

في بداية الكتاب، يستعيد الكاتب ذكرياته حين كان شاباً في مقتبل عمره، وتحديداً عند التحاقه بالجامعة. فأثناء إقامته في سكنه الجامعي، رسَّخ عادة بسيطة في برنامجه اليومي وهي الذهاب إلى سريره في وقت مبكِّر خلاف زملائه الذين كانوا يسهرون لوقت متأخر؛ حيث يلعبون ألعاب الفيديو. كما التزم أيضاً بعادة ترتيب سريره وغرفته بشكل يومي. هذه العادات اليومية الصغيرة أو الذريَّة في بداية حياته، منحته كما يقول على لسانه “السيطرة على حياتي”، وانعكست على نتائجه على المستويين الدراسي والرياضي؛ حيث أصبح متفوقاً في الدراسة والرياضة بشكل كبير، خصوصاً أنه تعرَّض إلى إصابة بليغة في المدرسة، قبل التحاقه بالجامعة، وأعادت هذه النتائج الإيجابية ثقته في نفسه مجدداً.

تعد التمارين العقلية وعادات النوم من العوامل التي تساعد في تعزيز الذاكرة- “فري ويل مايند”

هذه التجربة، كما يؤكد الكاتب، أعطته درساً مهماً في الحياة؛ وهو أن التغييرات التي قد تبدو بسيطة وغير مهمة في البداية، ستتراكم وتتحول إلى نتائج مذهلة وغير متوقعة إذا ما استمر الإنسان في ممارستها والالتزام بها. وما هذا الكتاب إلا نتاج ممارسة جيمس كلير عادة كتابة المقالات بشكل منتظم ونشرها على موقعه الرسمي لأكثر من ثلاث سنوات دون انقطاع.

كما هو مستوحى من عنوان الكتاب، يكشف لنا الكاتب عن فكرة العادات الذرية، والتي يُعرِّفها على أنها سلوك نقوم بتكراره مرات عديدة، ومن ثمَّ يتحوَّل إلى أمر تلقائي. هذا التغيير الطفيف أو الذري كما يُطلق عليه الكاتب، بإمكانه أن يقوم بعملية تحسين كبيرة على المدى البعيد. فقيامنا بتحسين عادة ما بنسبة 1% بشكل يومي، كفيل بأن يُحسِّن من الروتين الذي نُمارسه ويُضاعفه 37 مرة في نهاية السنة، ويذكر هنا مثال تغيير خط سير رحلة طائرة بدرجة أو درجتَين قد ينتهي بالطائرة إلى وجهة غير الوجهة المقصودة؛ الأمر ذاته ينطبق أيضاً على تكرار عادة سلبية لمدة طويلة.

هناك تقدير مبالغ فيه لدى الناس بشأن النجاحات العظيمة التي يُحقِّقها بعض المتميزين؛ لاعتقادهم أن هذا النجاح هو نتيجة جهد خارق في لحظة معينة أدَّت إلى هذا الإنجاز، وفي هذا الكتاب، يقوم كلير بدحض هذا الاعتقاد الخاطئ ويؤكد أن النجاحات الكبيرة هي نتيجة حتمية لأعمال صغيرة يقوم بها الإنسان بشكل مستمر لسنوات طويلة، إلى أن يأتي الوقت المناسب لتتويج هذه التراكمات التي يُشبهها الكاتب بالفائدة المركبة على الأموال.

اقرأ أيضًا:   الحب والتقدير غاية بشرية

تراكم نتائج العادات اليومية وعدم ظهورها بشكل سريع هو أحد الأسباب الرئيسية التي تُصيب الناس بالإحباط؛ ظناً منهم أن الجهد الذي يبذلونه لا يأتي بالنتائج المرجوة، في حين أن النتائج تحتاج إلى بعض الوقت لكي تجتاز عتبة النجاح وتظهر على السطح. هذه المرحلة من الانتظار يُسميها الكاتب “مرحلة القدرات الكامنة”.

أحد الأمور المهمة التي أوردها الكاتب في سياق حديثه؛ هو أن الأهداف غالباً ما تكون معنية ومرتبطة بالاتجاه وبالنتائج التي يريد الإنسان تحقيقها والوصول إليها، وقد يُؤدي الفشل في تحقيقها إلى الإصابة بالإحباط والشعور بالهزيمة، أما الأنظمة فهي معنية بالعمليات أو الممارسات التي تؤدي إلى تحقيق النتائج المنتظرة. لذا ينبغي التركيز على الأنظمة بدلاً من الأهداف من أجل الحصول على نتائج أفضل، وتدوم لفترة أطول، فـ”أنت لا ترتقي إلى مستوى أهدافك، وإنما تهبط إلى مستوى أنظمتك”، كما لخَّصها كلير.

قد يُؤدي الفشل في تحقيق الأهداف إلى الإصابة بالإحباط والشعور بالهزيمة

يعزو الكاتب سبب فشل غالبية الناس في تغيير عاداتهم السيئة إلى محاولتهم القيام بتغيير النتائج، أو المستوى الأول؛ مثل فقدان وزن معين، أو نشر كتاب، أو تحقيق بطولة. أما المستوى الثاني، وهو أفضل من سابقه، فهو يعني بتغيير العادات والأنظمة؛ مثل اتباع برنامج تدريب رياضي أو ممارسة التأمل بشكل يومي. أما المستوى الثالث، وهو ما يميل إليه الكاتب ويتبناه، فهو أكثر عمقاً من المستويين السابقين؛ حيث يهدف إلى تغيير الهوية. هذا المستوى معني بشكل كبير بتغيير معتقداتك ونظرتك إلى مَن حولك والعالم، وصورتك الذاتية. ومن أجل أن تُصبح أفضل نسخة من نفسك، ينبغي عليك أولاً تحديد الشخص الذي تريد أن تكونه، وبعدها ينبغي أن تُثبت لنفسك ذلك عبر القيام بعادات بسيطة تُساعدك في الوصول إلى هويتك أو شخصيتك الجديدة، ومن ثم القيام بتنقيحها وتحديثها بشكل مستمر.

العناصر الأربعة لتشكيل العادات التي وضعها جيمس كلير هي: الإشارة، التوق، الاستجابة، المكافأة، وجميع العادات تمر في هذه المراحل الأربع بالترتيب.

أتفق مع الكاتب بأن العادات هي حجر الزاوية في حياة الإنسان، وهي من يُحدِّد خط سير حياته بشكل كبير؛ فإذا ما أراد الإنسان، بشكل واعٍ، أن يُغيِّر حياته نحو تلك الحياة التي يطمح إليها، فإن السر يكمن في بناء عادات جديدة في حياته تضعه على المسار الصحيح لتحقيق ما يرجوه ويصبو إليه.

اقرأ أيضًا:  ماذا تعرف عن الاكتئاب… وما هي أسرع الطرق لعلاجه؟

في البداية، على الإنسان أن يُحدِّد الشخص الذي يُريد أن يكونه، ومن ثمَّ يقوم بممارسة وزرع العادات التي تتماشى وتتوافق مع هويته، وتعزيزها بشكل مستمر حتى تُصبح جزءاً من شخصيته.

من أجل القيام بتغيير حقيقي لخلق عادات جديدة حسنة، والتخلص من عادات سيئة، والوصول إلى الهوية المراد تحقيقها، يضع جيمس كلير أربع قواعد أو كما سمَّاها “القوانين الأربعة لتغيير السلوك”؛ وهي كالتالي:

*اجعلها واضحة

في حال رغبت في بناء عادة جديدة، ينبغي أن تكون المحفزات التي تُذكِّرك بالقيام بها واضحة ويُمكن ملاحظتها بسهولة لتذكيرك بالقيام بها. فعلى سبيل المثال، إذا ما كنت ترغب في بناء عادة القراءة، فبإمكانك على سبيل المثال وضع كتاب بجانب السرير بحيث تلاحظه بكل سهولة ويكون في متناول اليد.

أما في حال رغب الإنسان في التخلُّص من عادة سيئة؛ فينبغي عليه أن يجعل المحفزات غير واضحة أو مخفية. فإذا كنت على سبيل المثال تشعر بصعوبة في التوقف عن تناول بعض الأطعمة غير الصحية، فينبغي عليك أن تُخفيها، أو تجعل الوصول إليها أمراً تكتنفه بعض الصعوبة.

على الإنسان أن يُحدِّد الشخص الذي يُريد أن يكونه

*اجعلها جذابة

هذا القانون يعنى بجعل العادة الإيجابية الجديدة التي أنت في طور بنائها أكثر جاذبيةً وتشجيعاً للقيام بها. الكاتب أعطى مثالاً في كتابه عن شخص كان يرغب في بناء عادة استخدام الدراجة الهوائية الثابتة، فما كان منه إلا أن قام بربط الدراجة بجهاز التلفاز؛ بحيث لا يستطيع مشاهدة الأفلام إلا في حال استخدامه الدراجة.

الكاتب لم يُغفل الدور المهم للحلقة المقربة من الشخص في التأثير على سلوكياته، ولذلك يُنصح في هذه المرحلة بالانضمام إلى شخص أو مجموعة تقوم بممارسة نفس العادة التي أنت في طور بنائها من أجل تشجيعك على الاستمرار في ممارستها. أمر آخر مهم؛ هو أن دمج العادة مع روتين تمارسه بشكل يومي يُساعدك على تذكُّر قيامك بها والاستمرار عليها.

أما للتخلص من عادة سيئة، فما عليك سوى أن تقوم بعكس القانون؛ أي أن تجعلها غير جذابة، بحيث تُحيطها بأمور تجعلها منفِّرة لا ترغب في القيام بها.

اقرأ أيضًا: نصٌّ مكتوب للنساء.. وقد ينفع الجميع!

*اجعلها سهلة

ربما يكون هذا القانون هو الأهم بين القوانين الأربعة؛ لأنه معني بممارسة العادة والقيام بها فعلياً؛ فكل عمليات التفكير والتخطيط للبدء بها ليست ذات جدوى إذا لم توضع قيد التنفيذ. في حال البدء بممارسة العادة الجيدة، ينبغي أن تجعلها سهلة لدرجة التفاهة؛ بحيث يكون المجهود البدني أو الذهني المبذول سهل جداً ولا يُسبب أي جهد أو تعب، لأن الهدف هنا ليس كمية الجهد المبذول بل بناء العادة وتثبيتها في جدولنا اليومي. يقترح الكاتب هنا استخدام قانون الدقيقتَين؛ بحيث لا تزيد مدة ممارستك العادة الجديدة على دقيقتَين كل مرة.

من أجل التوقف عن ممارسة عادة سيئة، ما عليك سوى أن تجعلها صعبة؛ فحين تجعل عملية القيام بها صعبة وغير مريحة، ستقل فرصة ممارستها. من أجل ضمان نجاح الشخص في هذا الأمر، ينبغي أن يجعل عملية البدء بها في غاية الصعوبة، وأن يقوم، إن استطاع، بإلزام نفسه مع أشخاص آخرين يُشاركونه نفس الهدف.

*اجعلها مُشبعة

القانون الرابع والأخير في بناء العادات هو أن تجعل القيام بها يمنحك الشعور بالنجاح أو الحصول على مكافأة؛ لأن هذا الشعور الإيجابي يزيد من فرصة تكرارك العادة والاستمرار عليها. كما ينصح الكاتب بتتبع العادات وتحسينها باستمرار.

الكاتب أعطى مثالاً على ذلك؛ إضافة النكهات إلى معجون الأسنان بحيث تُعطي الرائحة انطباعاً للشخص بنظافة فمه وأسنانه.

الانضمام إلى شخص أو مجموعة تقوم بممارسة نفس العادة التي أنت في طور بنائها يساعد على الاستمرار في ممارستها- أرشيف

للمساعدة في التوقف عن القيام بعادة سلبية، ما على الشخص سوى أن يجعلها غير مُشبعة. بمعنى آخر، أن يجعل ممارستها ترتبط بالشعور بالألم والأسف. يُقترح من أجل ذلك أن يُبرم الشخص عقداً مع شريكه بحيث يتعرَّض إلى العقوبة في حال قيامه بالعادة السيئة.

لشدة انغماسي واستمتاعي بالكتاب وتفاصيله، ألهمني لإلقاء نظرة على عاداتي اليومية، والنظر إليها من زوايا مختلفة، ومن ثمَّ بدأت بتنفيذ بعض استراتيجياته قبل الانتهاء من قراءته، والتي كان لها مفعول السحر.

على الإنسان أن يتبنَّى العادات التي تُناسب شخصيته، ففرصته للفوز والنجاح تتعاظم عند اختياره مجال المنافسة المناسب.

عاداتك تُشكِّل هويتك، وهويتك تُشكِّل عاداتك، والتميُّز ليس عملاً، بل عادة.

المؤلف:  جيمس كلير

الناشر:    دار التنوير

المترجم: محمد فتحي خضر

♦كاتب وباحث مهتم بالشأن الاجتماعي والسياسي، حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبدالرحمن النقبي

كاتب وباحث مهتم بالشأن الاجتماعي والسياسي، حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال

مقالات ذات صلة