الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الطريقة الصحيحة لإبعاد روسيا عن الصين

يجب على واشنطن مساعدة موسكو على إنهاء هذا الزواج السيئ

تلخيص: كيوبوست

تشارلز كوبشان

في سعي واشنطن لإيجاد استراتيجية فعالة للتعامل مع صعود الصين، يعتمد الرئيس الأمريكي جو بايدن، بشكل قوي، على إحدى أهم مزايا الولايات المتحدة؛ وهي شبكة تحالفاتها الدولية لتحقيق هذه الغاية. وفي سعي بايدن لبناء تحالفات لترويض بكين، عليه في الوقت ذاته أن يعمل على إضعاف شراكات الصين الدولية، فهو لا يستطيع منع الصين من الصعود؛ ولكنه يستطيع أن يحد من تنامي نفوذها عن طريق جذب روسيا حليف الصين الرئيسي.

تزيد الشراكة الروسية- الصينية من تداعيات صعود الصين على الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يزيد التعاون بين بكين وموسكو من طموح الصين ويساعدها في بسط نفوذها في مناطق مختلفة من العالم، في معركتها للسيطرة على المؤسسات العالمية، والصراع العالمي بين القوى الديمقراطية والقوى الاستبدادية. إن استغلال روسيا قوةَ الصين المتنامية يمكنها من إرساء نفوذها على الساحة العالمية، ويقوي حملتها لتقويض الديمقراطية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

اقرأ أيضاً: روسيا تسعى للتحالف مع الصين للتغلب على العقوبات الأمريكية

قد تبدو العلاقة بين روسيا والصين قوية؛ ولكنها في الحقيقة خلاف ذلك، فهي علاقة غير متكافئة تجمع بين الصين الصاعدة الواثقة ذات السيادة، وروسيا التي تعاني الركود وغياب الأمن. إن انعدام التكافؤ بين البلدين يعطي بايدن الفرصة لإحداث شرخ بين البلدين عن طريق استغلال إدارته مخاوف روسيا من كونها الحليف الأصغر للصين. وللوقوف إلى جانب روسيا ومساعدتها في تصحيح مكامن الضعف في علاقتها مع الصين كان على بايدن محاولة سحبها بعيداً عن بكين. إن إبعاد روسيا عن الصين يضع طموح البلدين تحت الاختبار، ويسهل دفاع الولايات المتحدة وشركائها عن قيم الليبرالية ومؤسساتها، ويمكنهم من إرساء نظام عالمي سلمي يؤدي إلى عالم متعدد الأقطاب ومتنوع الأيديولوجيات.

وسائل الإعلام الصينية تحذر: الولايات المتحدة ستواجه كابوساً حقيقياً في أي حرب تخوضها مع الصين أو روسيا- “سبوتنيك نيوز”

علاقة غير متكافئة

قد يكون الزواج بين الصين وروسيا زواج مصلحة، ولكنه فعال للغاية. على الرغم من أن الصين ترغب في أن تكون اللاعب الوحيد على الساحة الدولية، وتفضل العلاقات قصيرة المدى مع الدول الأخرى؛ فإن علاقتها مع روسيا هي استثناء. أقامت بكين وموسكو اليوم علاقة “تحالف” لتستثمر فترة ولاية الرئيس فلاديمير بوتين. يشمل هذا التحالف تعميق أواصر التعاون الاقتصادي بين البلدَين لتعزيز الجهود المبذولة لتقويض هيمنة الدولار الأمريكي على الاقتصاد العالمي، ويشمل أيضاً الاستخدام المشترك للتكنولوجيا الرقمية للسيطرة على المواطنين الروس والصينيين، ومراقبتهم، وزرع قوى المعارضة داخل ديمقراطيات العالم، بالإضافة إلى التعاون في مجال الدفاع من خلال التدريبات العسكرية المشتركة، ونقل الأسلحة المتطورة والتكنولوجيا العسكرية من روسيا إلى الصين.

ترافق تقارب روسيا من الصين مع مقاطعتها للغرب التي رسخها توسيع حلف شمال الأطلسي لجبهته الشرقية نحو حدود روسيا الغربية. وقد اشتد التقارب الروسي- الصيني بسبب العقوبات التي فرضتها أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية على روسيا بعد ضمها جزيرة القرم عام 2014، وتدخلها العسكري في شرق أوكرانيا. وبالمقابل، كان تقارب بكين من روسيا ليمكِّن الصين من بسط نفوذها وسط تصاعد التنافس الاقتصادي والاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية، ويتجلى ذلك التقارب بأنه منذ تولي شي جين بينغ منصبه رئيساً للصين عام 2013 التقى بوتين أو تواصلا هاتفياً نحو أربعين مرة.

ترتكز العلاقة الصينية- الروسية على فهم واقعي للعالم، وتحقق لكلا البلدين فوائد مشتركة أو فردية؛ فالتعاون الدبلوماسي بينهما يعزز هدفهما المشترك في مقاومة ما يعتبره كلا البلدين طموح الغرب الجيوسياسي والأيديولوجي المتنامي. تسمح هذه الشراكة لروسيا بالتركيز على جبهتها الغربية، وفي المقابل تسمح للصين بالاهتمام بجناحها البحري. تحصل روسيا على إيرادات عالية من مبيعات الطاقة والأسلحة للصين، بينما تغذي الصين توسعها الاقتصادي، وتعزز قدراتها العسكرية بمساعدة الأسلحة الروسية.

اقرأ أيضاً: الولايات المتحدة الأمريكية.. دروس أمس من الحرب الباردة مع روسيا ذخيرة لمعركة اليوم مع الصين

إن العلاقة بين الصين وروسيا بدأت تأخذ منحى يشبه الاقتران الوثيق بين الصين والاتحاد السوفييتي في خمسينيات القرن الماضي. إلا أن روسيا والصين ليستا شريكتَين طبيعيتَين؛ إذ إن التنافس بينهما تاريخي وأسباب هذا التنافس الطويل الأمد ما زالت قائمة. إن للكرملين حساسية مفرطة تجاه واقع القوة، وهو يدرك تماماً أن روسيا التي تعاني الركود الاقتصادي وتعداداً سكانياً لا يزيد على 150 مليون نسمة، لا يمكن أن تضاهي الصين باقتصادها السريع وتعداد سكانها الذي يقارب مليارًا ونصف مليار.

إن اقتصاد الصين أكبر من الاقتصاد الروسي بعشرة أضعاف تقريباً، وإذا ما تحدثنا عن عالم الابتكار والتكنولوجيا نجد أن الصين تسبق روسيا بأشواط. وقد حققت مبادرة الحزام والطريق الصينية نجاحات عميقة الأثر في آسيا الوسطى، منطقة النفوذ التقليدية الروسية، كما يشعر الكرملين بقلق مبرر من أن للصين مآرب ومخططات في منطقة القطب الشمالي.

محطة أبحاث صينية في القطب الشمالي- وكالة “شينخوا”

إن تقارب روسيا من الصين على الرغم من هذا التباين يدل بقوة على استياء روسيا من الغرب، ومع مرور الوقت سينمو هذا الخلل والتباين، وسيكون مصدر إزعاج للكرملين؛ لذا كان على الولايات المتحدة الأمريكية أن تستثمر في هذا الانزعاج، وتقنع روسيا أنها ستكون أفضل حالاً من الناحيتَين الجيوسياسية والاقتصادية، في ما لو أدارت ظهرها للصين، وتقاربت مع الغرب.

ليس من السهل القيام بمثل هذه المناورة؛ فقد أحكم بوتين قبضته على الداخل الروسي لوقتٍ طويل من خلال اللعب على وتر القومية الروسية، والوقوف في وجه الغرب، وقد يثبت هو وأتباعه تمسكهم بسياستهم وأفكارهم وعدم استعدادهم للانفتاح على أية سياسة خارجية لا تتماشى مع هذه الأفكار. من هنا كان على إدارة بايدن الاقتراب من موسكو بحذرٍ شديد؛ إذ إن محاولة جذب روسيا إلى المعسكر الغربي لا تعني الإذعان لسلوك الكرملين العدائي، ولا السماح لبوتين باستغلال رغبة الولايات المتحدة الأمريكية الشديدة لجذب روسيا.

إن التحدي الذي يواجه بايدن أكثر تعقيداً وصعوبة من التحدي الذي واجه الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون، في سبعينيات القرن الماضي، عندما تواصل مع الصين ونجح في تعكير صفو العلاقات الصينية- السوفييتية، وإضعاف المعسكر الشيوعي. ففي عام 1972 عند زيارة نيكسون للصين، كانت بكين قد انفصلت عن روسيا؛ الأمر الذي سهل مهمة نيكسون، إذ كان عليه البناء على الصدع وليس خلقه. بالعودة إلى بايدن، فهو يواجه عقبة كبيرة بالتطفل على علاقة شراكة قوية لا يمكن خرقها إلا بتأجيج التوترات الكامنة في العلاقة الروسية- الصينية.

اقرأ أيضاً: ما الذي تفعله الصين في حديقة موسكو وأنقرة الخلفية؟ بكين في البحر الأسود والبلقان

الثنائي الشاذ

لطالما تنافست روسيا والصين على الأراضي والنفوذ؛ فالشريط الحدودي بين البلدين يمتد لأكثر من 2600 ميل، ونزاعهما على الأرض وبسط النفوذ على المناطق الحدودية والتجارة عمره مئات السنين؛ ففي القرنين السابع عشر والثامن عشر كانت الهيمنة واليد العليا للصين، تبدَّلت الحال في القرنَين التاسع عشر والعشرين؛ حيث انقلبت الطاولة عندما لجأت روسيا والقوى الأوروبية إلى مزج القوة العسكرية بالدبلوماسية القسرية، واستطاعت انتزاع السيطرة على بعض الأراضي من الصين، وفرض شروط تجارية مجحفة عليها.

مهَّد وصول الحزب الصيني الشيوعي إلى السلطة في عام 1949 الطريق للتوصل إلى فترة غير مسبوقة في التاريخ من التعاون الاستراتيجي بين الصين والاتحاد السوفييتي. انطلاقاً من التزامهما المشترك بالشيوعية، توصل البلدان إلى تحالف رسمي عام 1950. انتقل آلاف العلماء والمهندسون السوفييت إلى الصين؛ ليتشاركوا مع الصينين بالتكنولوجيا الصناعية والعسكرية، وليقدموا العون للصين لتطور برنامج السلاح النووي. وخلال الحرب الكورية، قدم السوفييت للصين المعدات والخبرة العسكرية والغطاء الجوي. تنامت التجارة الثنائية بين البلدَين حتى بلغت مع نهاية العقد 50% من تجارة الصين الخارجية. أكد الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، أن الصين وروسيا تجمعهما علاقة “أخوة وطيدة”. ووصف رئيس الوزراء السوفييتي نيكيتا خروتشوف، ثورة الصين الشيوعية بأنها “أعظم حدث في تاريخ العالم”.

توقيع معاهدة الصداقة والتحالف السوفييتية الصينية- أرشيف

سرعان ما انهار الحلف بين الدولتَين بالسرعة التي نشأ بها؛ ففي عام 1958 بدأ الانفصال بين ماو وخروتشوف. نشأ الخلاف بينهما كنتيجة للاختلاف الأيديولوجي. فبينما سعى ماو إلى تعبئة الفلاحين مما أجج شرارة الثورة والاضطرابات في داخل البلاد وخارجها، نجد أن خروتشوف دعم الاعتدال الأيديولوجي والاشتراكية الصناعية والاستقرار السياسي في داخل البلاد وخارجها. بدأ التنافس بين البلدين لقيادة الكتلة الشيوعية، وقد صرَّح ماو بأن خروتشوف “يخشى الأحزاب الشيوعية”.

وقد تضخمت هذه الاختلافات؛ بسبب انزعاج الصين من التفاوت في القوة، والذي كان لصالح الاتحاد السوفييتي بلا ريب. ففي خطابه عام 1957، اتهم ماو الاتحاد السوفييتي “بشوفينية القوة العظمى”. وفي العام التالي، قال بتململ لسفير الاتحاد السوفييتي في بكين “هل تظنون أنكم بموقع يسمح لكم بالسيطرة علينا؟”. كان ماو يرى أن الروس كانوا يعتبرون الصين “بلداً متخلفاً”. أما خروتشوف فهو بدوره كان يلقي اللوم على ماو بالانفصال.

اقرأ أيضاً: القصص التي ترويها الصين

وفي عام 1959 بعد تبادل إطلاق النار بين القوات الهندية والصينية، على حدودهما المتنازع عليها، صرح خروتشوف بأن “بكين كانت تسعى للحرب كما يسعى الديك للقتال”. وفي اجتماع لقيادات الأحزاب من الكتلة الشيوعية، سخر خروتشوف من ماو واصفاً إياه بـ”اليساري والدوغمائي المتطرف”.

أدت هذه القطيعة بين الزعيمَين إلى تفكك التحالف الصيني- السوفييتي. ففي عام 1960، سحب السوفييت خبراءهم العسكريين من الصين، وأنهوا التعاون الاستراتيجي. وفي غضون سنتين تراجعت التجارة الثنائية بنحو 40%، تم تسليح الحدود من جديد، وكاد القتال الذي اندلع عام 1969 يؤدي إلى حربٍ واسعة النطاق. وفي بداية السبعينيات، استغل نيكسون هذا الخلاف وزاد منه عندما تواصل مع الصين، وبلغت هذه العملية ذروتها في تطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة والصين عام 1979. أما العلاقات بين بكين وموسكو فلن تعود إلى سابق عهدها إلا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

نيكيتا خروتشوف وماو تسي تونغ- أرشيف

تلطيف الأجواء

بعد نهاية الحرب الباردة، بدأت الصين وروسيا في إصلاح الأمور بينهما. ففي التسعينيات أنهتِ الدولتان عدداً من النزاعات الحدودية العالقة. وفي عام 2001 وقعتا معاهدة حسن الجوار والتعاون الودي. وتدريجياً ازداد التعاون العسكري والعلاقات التجارية بينهما مع اكتمال أول خط لأنابيب النفط من روسيا إلى الصين عام 2010. كما بدأت بكين وموسكو بمواءمة مواقفهما في الأمم المتحدة، وتعاونتا في مبادرات للوقوف في وجه نفوذ الغرب، فجاء تأسيس منظمة شنغهاي للتعاون في عام 2001، وتجمع البريكس للتعاون الاقتصادي (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب إفريقيا) في عام 2009.

 هذه الخطوات التدريجية نحو التعاون الثنائي تسارعت وترسخت في عهد شي وبوتين، وأججها الخلاف بين روسيا والغرب بعد غزو روسيا لأوكرانيا، والتنافس المتنامي بين الولايات المتحدة والصين. في السنوات الأخيرة، بدأت العلاقة بين الصين وروسيا تشبه إلى حد كبير الاقتران الصيني- السوفييتي الوثيق في خمسينيات القرن. استكمالاً للتعاون العسكري الذي بدأ في التسعينيات، ساعدت روسيا الصين في تحديد أولوياتها الدفاعية من خلال تزويدها بالمقاتلات النفاثة وبأحدث نظم الدفاع الجوي وأكثرها تطوراً، وبالصواريخ المضادة للسفن والغواصات، وبلغت نسبة تسلح الصين من روسيا 70% في السنوات الأخيرة. كما أن بيع الغاز والنفط للصين يدعم الاقتصاد الروسي، ويقلل من اعتماد الصين على طرق الإمداد البحري عالية المخاطر.

اليوم أصبحت روسيا تنافس السعودية كأكبر مورد للنفط إلى الصين، وحلَّت الصين محل ألمانيا كأكبر شريك تجاري لروسيا. في عهد شي وبوتين، تعاون البلدان لمواجهة المعايير الليبرالية في الهيئات الدولية، ونشر نوع من الحكم القائم على الاستبداد وسيطرة الدولة على شبكات المعلومات. وفي أجزاء مختلفة من العالم، تتحد حملات التضليل الروسية وعملياتها الاستخباراتية مع النفوذ القسري الذي تؤمنه الاستثمارات الصينية التي تدعم أنظمة الحكم الاستبدادية.

اقرأ أيضاً: روسيا في عهد بوتين.. العودة إلى القيصرية

بالنظر إلى هذا التعاون من أبعاد مختلفة، نجد أنه كان مثيراً للإعجاب، وأعطى ثماراً كثيرة؛ ولكنه يستند إلى قاعدة هشة، وليس مبنياً على الثقة المتبادلة كما كانت الحال بالنسبة إلى الشراكة الصينية- السوفييتية في بداية الحرب الباردة. ففي الخمسينيات، كانت الروابط الوثيقة بين الصين والاتحاد السوفييتي شخصية للغاية؛ مما جعلها مرتبطة إلى حد كبير بتقلبات العلاقة الشخصية بين ماو وخروتشوف. واليوم أيضاً يعتمد التعاون الصيني- الروسي بشكل كبير على العلاقة بين شخصَين، شي وبوتين.

في العقد الأول من الحرب الباردة، سعَت موسكو لتحقيق الاستقرار داخل روسيا وخارجها، في حين فضلت الصين استمرار الثورة، واليوم تعتمد بكين على الاستقرار في الداخل والخارج لتسريع عجلة نهضتها، بينما تستعرض موسكو قوتها خارج حدودها لتعزيز الفوضى. في الخمسينيات، أثارت هيمنة روسيا على الشراكة حفيظة بكين، بينما اليوم الصين هي الشريك الأقوى الذي يثير حنق روسيا.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن احتواء “روسيا بوتين”؟

هذا التباين في القوة هو من أكثر الأمور التي يصعب على الكرملين تقبلها. وظهور بوتين بمظهر الشريك الأضعف للرئيس الصيني لا يخدم مصلحته السياسية في روسيا؛ إذ تعتمد شعبيته السياسية على سعيه لإعادة مكانة روسيا كقوة عظمى. توسع الاختلاف والتباين بين البلدَين، وأصبح صارخاً، فبينما تبلغ تجارة روسيا مع الصين 15% من إجمالي تجارتها الخارجية نجد أن تجارة الصين مع روسيا لا تتجاوز نسبتها الـ1% من إجمالي تجارة الصين الخارجية، ويزيد من هذا التباين تقدم قطاع التكنولوجيا المتقدمة في الصين. وفي الشرق الأقصى لروسيا لا يزيد عدد السكان على ستة ملايين شخص، يقابلهم 110 ملايين صيني في مقاطعات منشوريا الثلاث، وأصبحت منطقة شرق روسيا تعتمد بشكل متزايد على البضائع والخدمات واليد العاملة الصينية. وقد ذهب المحلل الروسي البارز، ديمتري ترينين إلى حد التكهن “باستيلاء الصين” على المنطقة.

إن مساعدة روسيا في التحديث العسكري الصيني، وإسراع عجلة تقدمه كانت على حسابها. على الرغم من أنه قد مضى زمن طويل على الخلاف العلني بين الدولتَين على مناطق النفوذ وبسط السيادة على المناطق الحدودية؛ فإن النزعة القومية والعرقية المتأصلة في ثقافة كلا البلدين السياسية قد تعيد إشعال نزاعات إقليمية طويلة الأمد. نشرت صحيفة “ساوث تشاينا بوست” تعليقاً مفاده أن “تودد شي لروسيا يبدو غير منطقي؛ لأنه يتجاهل العداوة التي كانت السمة الرئيسية للعلاقات الصينية- الروسية منذ القرن السابع عشر”. وقد أذكت قضية أصول “كوفيد-19” الصينية، مشاعر العداء، ونشرتها في روسيا كما حدث في بلدان أخرى، إلا أن هذه المشاعر كانت موجودة قبل الجائحة بفترة طويلة؛ حيث أسهمت العنصرية التي اشتكى منها ماو منذ ستة عقود، في استمراريتها بشكل أو بآخر.

اعتماد روسيا المتزايد في اقتصادها على الصين يجعلها أكثر عرضة لنفوذ الصين القسري، ويزيد من اعتماد روسيا على تصدير الوقود الأحفوري الذي تشكل عائداته أكثر من ثلثي دخل الصادرات الروسية وثلث الميزانية الفيدرالية. إن هذا التوجه لا يمثل رهاناً جيداً بالنسبة إلى المستقبل؛ حيث يسعى العالم لتأمين مصادر الطاقة المتجددة. تقوم مبادرة الحزام والطريق الصينية باستثمارات كبيرة، وتنشئ بنى تحتية في أوراسيا؛ ولكنها تلتف في الغالب على روسيا، ولا تعود عليها إلا بالقليل. ففي السنوات الأخيرة لم يتم فتح إلا القليل من المعابر الحدودية الجديدة، ولا تزال الاستثمارات الصينية في روسيا متواضعة.

مبادرة الحزام والطريق تلتف على روسيا ولا تعود عليها إلا بالقليل- “فورين أفيرز”

يعتقد الروس أن بإمكانهم ربط الاتحاد الاقتصادي الأوراسي الخاص بهم بمبادرة الحزام والطريق الصينية، متجاهلين حقيقة أن نقاط الاختلاف بين النظامَين أكثر بكثير من نقاط التلاقي. ففي عام 2017، قدم الاتحاد الاقتصادي الأوراسي للصين 40 مشروعاً في قطاع النقل؛ لكن بكين رفضتها جميعاً. وفي العام السابق لم يحضر وزير الخارجية الروسي اجتماعاً رفيع المستوى حول مبادرة الحزام والطريق؛ مما يدل، حسب تحليل أنكور شاه، الخبير بالعلاقات الصينية- الروسية، على أن روسيا “لم تعد مضطرة للانحناء أمام مبادرة بكين المعروفة بمبادرة بالحزام والطريق”.

حلت الصين بقوة محل روسيا كقوة اقتصادية مسيطرة في آسيا الوسطى، ويشكل اهتمام بكين في الاستفادة من التطور الاقتصادي وممرات الشحن الجديدة في أقصى الشمال والتي تطلق عليها الصين تسمية “طريق الحرير في القطب الشمالي” تحدياً واضحاً للاستراتيجية الروسية في المنطقة. تتلاقى الخطط الصينية في القطب الشمالي ظاهرياً مع الخطط الروسية، ولكن هذه الرؤى المتنافسة تثير قلق موسكو كما هي الحال بالنسبة إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومبادرة الحزام والطريق.

اقرأ أيضاً: هل تستطيع أمريكا والصين التغلب على خلافاتهما وبناء نظام دولي مستقر؟

في الوقت الحاضر، فقدت علاقة الدفاع المشترك بين روسيا والصين بعض زخمها السابق. وقد استفاد الجيش الصيني من عمليات نقل التكنولوجيا العسكرية الروسية والسلاح الروسي إليه، ورحبت روسيا بالأرباح الناتجة عن التعاون العسكري مع الصين؛ ولكن التقدم الذي أحرزته الصين في مجال الصناعة العسكرية، والذي ربما تحقق بعد قيام الشركات الصينية بسرقة تكنولوجيا الأسلحة الروسية، قلل من اعتماد الصين على الواردات الروسية. إن امتلاك الصين الصواريخ متوسطة المدى (التي تهدف ظاهرياً إلى مواجهة الوجود الأمامي للولايات المتحدة الأمريكية) يمثل تهديداً افتراضياً للأراضي الروسية. ولا شك أن موسكو تراقب عن كثب توسيعَ الصين ترسانتها الصاروخية العابرة للقارات، وإنشاءَها قواعد إطلاق صاروخية جديدة في غرب الصين. من هنا يمكن القول إن مساعدة روسيا في التحديث العسكري الصيني، وإسراع عجلة تقدمه كانت على حسابها.

مساعدة روسيا كي تساعد نفسها

إذا ما اتجهت روسيا نحو الغرب، فإن هذا لن يكون نتاج مبادرات واشنطن أو غيرتها على مصالح روسيا، وإنما بسبب إعادة الكرملين تقييم حساباته لإيجاد أفضل الطرق لتحقيق مصالحه على المدى الطويل، فمبادرة واشنطن لتخفيف التوتر بين روسيا والغرب لن تنجح وحدها؛ لأن بوتين يعتمد على وجود هذا التوتر لإضفاء الشرعية على سياسية القبضة الحديدية التي يتبعها. إن التحدي الذي تواجهه واشطن هو في دفع الكرملين نحو إجراء تغيير واسع النطاق لحساباته الاستراتيجية بإظهار أن زيادة التعاون مع الغرب يمكن أن تساعد روسيا في التغلب على نقاط الضعف المتزايدة في شراكتها الوثيقة مع الصين.

قد تكون خطوة واشنطن الأولى هي التخلي عن شعار “الديمقراطية في مواجهة الاستبداد” الذي يشكل جوهر الاستراتيجية الأمريكية، والاستعاضة عنه بتفوق الولايات المتحدة وحلفائها في ما يقدمونه لمواطنيهم بالمقارنة مع الدول الاستبدادية. إلا أن طرح هذه المبادرة بطريقةٍ أيديولوجية فجة لن يسهم إلا في دفع روسيا أكثر باتجاه الصين.

بدلاً من ذلك، يجب على إدارة بايدن إجراء حوار نزيه مع موسكو تبين فيه مكامن التلاقي بين المصالح الوطنية طويلة الأمد لكل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية؛ بما في ذلك عندما يتعلق الأمر بالصين. من المؤكد أن روسيا والولايات المتحدة الأمريكية لا تزالان على خلافٍ حول قضايا كثيرة. ولكن بدلاً من الاستمرار في هذه القطيعة يجب على واشنطن إيجاد أرضية مشتركة مع موسكو حول الكثير من القضايا؛ كالاستقرار الاستراتيجي، والأمن الإلكتروني، والتغير المناخي. مثل هذا الحوار رغم تقدمه البطيء سوف يظهر لموسكو أنها تمتلك خيارات أخرى غير تحالفها مع الصين.

روسيا والصين تبعثان برسالة إلى بايدن: “لا تحكم علينا ولا تحاول أن تغيرنا.. هذه الأيام قد ولت”- “ذا كونفرزيشن”

كما يجب على إدارة بايدن ممارسة الضغط على حلفائها الديمقراطيين للبدء بحوارٍ مماثل مع روسيا، وسيكون بإمكانهم أيضاً الإضاءة على القضايا ذات الاهتمام المشترك وإبراز حقيقة أن قوة الصين المتنامية ستكون على حساب النفوذ والأمن الروسي. ونظراً لعلاقات الهند طويلة الأمد مع روسيا، وشكوكها في نيَّات الصين، فقد تنجح نيودلهي في إقناع موسكو بمزايا الحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي وبالمخاطر المحتملة للتقارب مع بكين. ولتشجيع الهند على لعب هذا الدور، كان لا بد لواشنطن من رفع عقوباتها التي فرضتها على الهند لشرائها منظومة صواريخ الدفاع الجوي “إس 400” من روسيا.

كما ينبغي للولايات المتحدة وحلفائها مساعدة روسيا في تقليص اعتمادها الاقتصادي على الصين. ومع أن الصين الآن هي أكبر شريك تجاري منفرد لروسيا، فلا يزال حجم التجارة الروسية مع دول الاتحاد الأوروبي أكبر بكثير من حجم تجارتها مع الصين؛ وهو يشكل ما نسبته 40% من إجمالي حجم التجارة الخارجية الروسية. قرار بايدن بإعطاء الضوء الأخضر لخط أنابيب الغاز “نورد ستريم 2” المثير للجدل الذي سينقل الغاز الروسي إلى ألمانيا، كان استثماراً حكيماً لتشجيع علاقات تجارية أعمق بين روسيا وأوروبا.

وعلى الرغم من أن العقوبات الأوروبية على روسيا كانت خطوة ضرورية رداً على السلوك العدواني لموسكو؛ فقد تسببت في دفع روسيا نحو احتضان الاقتصاد الصيني بشكل أكبر. لذلك ينبغي للولايات المتحدة وحلفائها التفكير ملياً قبل فرض عقوبات جديدة، ويجب أن يضعوا مجموعة واضحة من الخطوات التي يمكن لموسكو اتخاذها لتشجيع واشنطن على التخفيف من عقوباتها القائمة، على أن تشمل هذه الخطوات التوصل إلى تسويةٍ دبلوماسية للنزاع في شرق أوكرانيا، وكبح الهجمات الإلكترونية التي تنطلق من روسيا على الشبكات الأمريكية.

اقرأ أيضاً: الصين والولايات المتحدة في الشرق الأوسط بين التبعية والتنافس  (1)

كما يجب على الولايات المتحدة، وحلفائها، أن يظهروا استعدادهم لمساعدة روسيا في مواجهة التغيرات المناخية، وتحويل اقتصادها بعيداً عن الاعتماد على الوقود الأحفوري. على المدى القريب تستلزم هذه المهمة تبادل أفضل الطرق للتقليل من انبعاثات الميثان والمساعدة في تطوير بدائل صديقة للبيئة للنفط والغاز، واتخاذ خطواتٍ أخرى للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من المنشآت الروسية.

وعلى المدى الأبعد، يجب على الولايات المتحدة أن تساعد روسيا في الانتقال إلى اقتصاد المعرفة، وهي الخطوة التي لم يقُم بها بوتين على الإطلاق. الصين نادراً ما تشارك التكنولوجيا الخاصة بها، وهي دولة متلقية وليست مانحة. ويجب على الولايات المتحدة أن تغتنم فرصة مشاركة خبراتها التكنولوجية مع روسيا؛ لتسهيل انتقالها إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وأكثر ملاءمة للبيئة.

يجب على الولايات المتحدة أن تبني على الحوار حول الاستقرار الاستراتيجي الذي أطلقه كل من بايدن وبوتين في لقائهما في جنيف في يونيو الماضي. دفعت انتهاكات روسيا معاهدة الحد من الأسلحة النووية متوسطة المدى، الولايات المتحدة للانسحاب منها عام 2019، وينبغي للبلدين التوصل إلى حل لمسألة سباق الصواريخ الذي بات يلوح في الأفق، وكذلك إلى دفع الصين إلى قبول اتفاقية متابعة تضع حداً لترسانة الصين الكبيرة والمتنوعة من الصواريخ متوسطة المدى.

وحتى إذا ثبت تعذر الوصول إلى اتفاقية ثلاثية الأطراف، فإن مجرد التفاوض حولها يمكن أن يلقي الضوء على الانقسامات بين موسكو وبكين بالنظر إلى إحجام الصين التقليدي عن الدخول في مفوضات الحد من التسلح. كما أن لروسيا مصلحة كبيرة في جذب الصين إلى محادثات أوسع مع الولايات المتحدة حول الحد من انتشار الأسلحة، يشمل إيران وكوريا الشمالية؛ حيث تلتقي المصالح الروسية والأمريكية.

الصين أطلقت أكثر من 100 صاروخ تجريبي في عام 2019.. أكثر بكثير مما فعلت الولايات المتحدة- وكالة “كيودو” اليابانية

يشكِّل القطب الشمالي منطقةً أخرى تستطيع واشنطن الاستفادة منها للفت نظر موسكو إلى السلبيات الاستراتيجية لطموحات الصين المتزايدة. فالتغيرات المناخية تزيد بشكل كبير من إمكانية الوصول إلى المناطق الشمالية النائية؛ ما يعني زيادة الاهتمام الروسي بالأهمية الاقتصادية والاستراتيجية لهذه المناطق، وزيادة الامتعاض الروسي من تصريحات الصين بأنها “قوة قريبة من القطب الشمالي”. وعلى الرغم من غياب الاتفاق بين موسكو وواشنطن حول المنطقة؛ فإنه يجب عليهما العمل من خلال مجلس القطب الشمالي والمحادثات الثنائية على التوصل إلى مجموعة من القواعد الثابتة تحكم الطريق إلى النشاطات الاقتصادية والعسكرية فيها وتعالج مخاوفهما المشتركة من المخططات الصينية بشأنها.

وأخيراً، ينبغي لواشنطن أن تشجع موسكو على كبح نفوذ الصين في المناطق النامية؛ بما فيها آسيا الوسطى، والشرق الأوسط الكبير وإفريقيا. وفي معظم هذه المناطق تتعارض السياسات الروسية مع المصالح الأمريكية، ولا تزال موسكو ترى في واشنطن منافستها الرئيسية. ومع ذلك، وبالنظر إلى استمرار بكين في التوسيع الاقتصادي والاستراتيجي، فإن موسكو ستصل إلى قناعة مفادها أن الصين، وليس الولايات المتحدة، هي مَن يقوض النفوذ الروسي في العديد من هذه المناطق. يجب على واشنطن إثبات هذه القضية والعمل على تحقيق توافق أكبر، وخلق فرص لتنسيق الاستراتيجيات الإقليمية للبلدين.

اقرأ أيضاً: تأملات في التحدي الصيني والحرب الباردة الثقافية

بالنظر إلى العدوانية وانعدام الثقة التي تحكم العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة، فإن تغيير حسابات موسكو الاستراتيجية سيتطلب وقتاً طويلاً وجهوداً دبلوماسية مركزة، وربما ستتمسك روسيا بمسارها الحالي إلى أن يغادر بوتين منصبه. ولكن في ضوء الوتيرة المتسارعة والنطاق الواسع لصعود الصين الجيوسياسي، فقد حان الوقت للبدء بزرع بذور الخلاف بين موسكو وبكين؛ خصوصاً بين الكوادر الأصغر سناً من المسؤولين والمفكرين الروس الذين سيتولون زمام الأمور بعد أن يغادر بوتين المشهد.

سيكون من مصلحة الولايات المتحدة أن تواجه الصين ضغوطاً استراتيجية غير تلك التي تواجهها من جانبها البحري، وأن لا تعود قادرة على الاعتماد على الدعم الروسي العسكري والدبلوماسي الثابت. حالياً الصين قادرة على التركيز على التوسع في غرب المحيط الهادي وما وراءه؛ لأنها تشعر بارتياح من ناحية حدودها البرية، وتتمتع بدعم موسكو. وسيكون من الحكمة أن تستثمر الولايات المتحدة في استراتيجية طويلة الأجل؛ لتغيير تلك المعادلة من خلال زعزعة العلاقة بين الصين وروسيا. وهذا الأمر سيكون خطوة مهمة نحو بناء نظام متعدد الأقطاب، وعرقلة جهود بكين لبناء نظام دولي جديد تكون هي قطبه الوحيد.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة