الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

الطبلاوي.. آخر سلالة الحناجر الذهبية

إيهاب الملاح

برحيل القارئ الشيخ محمد محمود الطبلاوي؛ صاحب الصوت الرنان والنفَس الباذخ والاستحضار المهيب لآيات الله البينات؛ تساقطت آخر ورقة نضرة في شجرة مدرسة التلاوة المصرية المباركة؛ المدرسة التي شرَّقت أصواتها العذبة، وغربت، بأجمل تلاوات وأعذب قراءات للقرآن الكريم في المائة والعشرين سنة الماضية.

كان الشيخ الطبلاوي أحد أقطاب مدرسة التلاوة التي تميزت (فضلا على الجودة والإتقان والإحكام) بجمال النغم وفخامة الأداء وإبداع التلاوة والتجويد؛ مدرسة تلألأت في سمائها أصوات النجوم العاليات؛ الشيخ محمد رفعت، والشيخ محمود خليل الحصري، والشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ محمود علي البنا، والشيخ عبد الباسط عبد الصمد، والشيخ محمد صديق المنشاوي.. رحمهم الله أجمعين.

عنه يقول الناقد المصري محمود عبد الشكور:

“فقدنا أحد أساطين تلاوة القران الكبار.. القارئ الفذ الشيخ محمد محمود الطبلاوي.

من أجمل الشخصيات التى التقيتها خلال عملي الصحفي في حوار طويل منذ 30 عامًا، ابن بلد بسيط ومتواضع، وعاشق لكرة القدم، وأستاذ في الأداء والمقامات، سعدت أكثر عندما اكتشفت منذ سنوات أنه يسكن بجوار منزلي بشارعين، وكنت أتعمد أن أمر أمام عمارته لأراه جالسا أمامها، وكان وقتها ما زال بصحته”.

كان رحمه الله صاحب حنجرة ذهبية وصوت قوي عذب رنان، قرر وهو المولود عام 1934 أن يكون قارئا متميزا بالإذاعة المصرية في زمن كان دخول الإذاعة أصعب من الحصول على كأس العالم في كرة القدم! لكنه وقبل التقدم للإذاعة خاض مرحلة اكتشاف الصوت وذيوع الصيت والبحث عن الانتشار والنجاح، وقد عهد به والده وهو في سن الرابعة من عمره إلى كتّاب القرية ليكون من حفظة كتاب الله، وقد أتم حفظه وتجويده في العاشرة من عمره، وعندما بلغ الثانية عشرة دخل عالم المقرئين متسلحا بحنجرة قوية، وصوت عذب.

اقرأ أيضًا: صراعات و”شللية” تهدِّد وقار القراء في مصر

ذاع صيت الطبلاوي أول ما ظهر في منطقة «ميت عقبة» الشهيرة بمحافظة الجيزة، حيث كان يقرأ القرآن في مناسبات بسيطة أولا ثم حاز شهرة عارمة في المنطقة لتتجاوزها إلى الأنحاء المحيطة، بميت عقبة وضواحيها، وخلال ما يقرب من ثلاث سنوات، وكان عمره أربعة عشر عاما، أصبح اسم الشيخ الطبلاوي وكما يقول المصريون “يرن كالطبل” في الأنحاء، ويصل منها صوته إلى العالم كله حاملا كلمات القرآن، يقول رحمه الله:

“بدأت حياتي قارئا صغيرا غير معروف في بعض المناسبات، وذلك قبل بلوغي سن الخامسة عشرة، وبعدها بدأ يذيع صيتي في محافظات مصر كلها، ودعيت لإحياء ليالي شهر رمضان والمناسبات التي كان يقيمها كبار الموظفين في الدولة والشخصيات البارزة والعائلات المعروفة، وذلك بجوار مشاهير القراء الإذاعيين، وقد ساعدني على ذلك حرصي الشديد على صوتي وصحتي مع المواظبة على مجالسة مشاهير القراء والاستماع إليهم مباشرة وعن طريق الإذاعة المصرية، أمثال الشيخ محمد رفعت، والشيخ علي محمود، والشيخ مصطفى إسماعيل، وغيرهم من الرعيل الأول في الإذاعة المصرية”.

ولأنه كان مؤمنا وواثقا من قدراته الأدائية واستقراره على ملامح تميزه كصاحب مدرسة وطريقة مخصوصة في التلاوة استطاع الشيخ الطبلاوي مواجهة التحدي وتقدم للإذاعة وخاض الاختبارات الصعبة (بل ربما في نظر البعض المستحيلة) ونجح في اعتماده قارئا متميزا بالإذاعة المصرية لينضم إلى قائمة أساطين التلاوة والتجويد في تاريخنا المعاصر. عن هذه المرحلة يقول الشيخ الطبلاوي:

«لم يكن يدخل الإذاعة في ذلك الوقت إلا من كان صاحب مدرسة؛ بمعنى أنه لا يقلد أحدًا، لأنه إذا عرف القارئ بالتقليد يرفض لأن الأصل موجود، فلكل قارئ مدرسة. فبمجرد أن يتهيأ القارئ لقراءة القرآن، ويبدأ بالبسملة يعرف من هو، وبالتالي كان لا بد أن يكون القارئ مميزا في أسلوبه”.

يقول الناقد محمود عبد الشكور “سمعت الطبلاوي منذ الصبا في السبعينيات، فقد كان أبي مفتونا بصوته، وكنا ما زلنا في زمن الأساطين: عبد الباسط عبد الصمد، ومصطفى إسماعيل، وأبو العينين شعيشع، ومحمود علي البنا، والحصري العظيم، كل هؤلاء كانوا على قيد الحياة، وفي ذروة تألقهم، ومع ذلك شق الطبلاوي لنفسه طريقا وسطهم، فأصبح فعلا آخر الكبار”.

اقرأ أيضًا: التلاوة مع التركيز على المقام النجدي في المساجد الطينية

كان الشيخ الطبلاوي رحمه الله من الذين يستجيبون استجابات أدائية إلى جمهوره وإلى حضور حفلاته من مستمعيه؛ ولأنه كان ممن المجيدين للمقامات والمتقنين لها فكان يبرع في التنقل بين المقامات المختلفة والقراءات المختلفة بالسهولة والسلاسة ذاتها التي يؤدي بها في كل وقت وكل مكان دون أدنى صعوبة أو تعثر أو استثقال؛ وكان يتميز رحمه الله فضلا على القوة والسطوع والوضوح بحلاوة رنانة لا يملك المستمع إزاءها إلا أن يصيح مستعذبا ومستزيدا “الله الله.. كمان يا شيخ الله يفتح عليك”.

وعبر ما يزيد على نصف القرن، رتل الشيخ الطبلاوي القرآن الكريم وجوده في معظم أرجاء العالم، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، وأصبح ضمن قائمة الخمسة الكبار في مملكة التلاوة والترتيل والتجويد والقراءات المختلفة للنص الشريف.

نعم. لقد توفي الشيخ الطبلاوي عن 86 عاما، رحل بجسده. لكنه ترك تلاوات فاتنات فيها نداوة القرآن، وطلاوته ستظل وتبقى إلى يوم الدين.

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات