الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

“الضرا” أو إفطار الشوارع.. تقليد رمضاني عريق في السودان

إفطار الشوارع هو أبرز ما يميز شهر رمضان في السودان.. وفيه دلالات على الترابط والتلاحم وقوة الأواصر الاجتماعية لدى أهل الحضر والبادية على حد سواء

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

لربما سيكون الأمر مثيراً للدهشة لغير السودانيين الذين يشهدون شهر رمضان لأول مرة في السودان، فمشهد تناول الإفطار في الشوارع والأزقة يبدو للغريب الزائر مثل لوحة بانورامية، تُرفع لها حواجب الدهشة؛ لكنها تبدو تقليداً شديد العادية بالنسبة إلى السوداني، فلا معنى عنده لشهر رمضان ولا للصوم نفسه ما لم يخرج حاملاً مائدته إلى الشارع.  

ويُعد الإفطار الجماعي أبرز العادات الاجتماعية التي تُميِّز شهر الصوم في السودان؛ إذ يخرج الجيران إلى الشوارع كلٌّ بطعامه وشرابه يتشاركونه ويدعون العابرين إليه، فقد ظل هذا التقليد مرتبطاً بنيوياً وروحياً بشهر الصوم؛ بل يُمثِّل عادة راسخة في الوجدان السوداني، لا تحيد عنها إلا قلة قليلة لا تكاد تُذكر من سكان الأحياء الراقية في المدن الكبيرة؛ خصوصاً العاصمة الخرطوم.

نزاعات الإفطار

مشهد من إفطار الشارع- وكالات

تقول الباحثة الاجتماعية ثُريا إبراهيم لـ”كيوبوست”: من الطرافة أن الأمر وصل في هذا الصدد إلى أن الشرطة السودانية سجلت في رمضان من عام 2017، أغرب قضية في تاريخها؛ حيث اضطرت إلى التدخل لفض نزاع نشب بين سكان قريتَين مطلتَين على الطريق البري بين العاصمة الخرطوم ومدن وسط السودان؛ بسبب ضيوف عابرين بسياراتهم؛ كل أهل قرية يريدون الاستحواذ على أكبر عدد من هؤلاء الضيوف، فتدخلت الشرطة وفضت النزاع الذي كاد يتطور إلى مشاجرة، ربما كان ضحيتها الضيوف الصائمين أنفسهم؛ وقد وفقت الشرطة الأمر بأن ينظم سكان القريتين مائدة واحدة مشتركة في منتصف المسافة بينهما، ويكرمون الضيوف والشرطة نفسها بهدوء يتناسب مع روح الشهر المعظم.

شاهد: ليال رمضانية.. رمضان تجلى ليلي

ثُريّا إبراهيم

الإفطار في (الضرا)

تستطرد إبراهيم: يُسمَّى مكان الإفطار الجماعي (خارج المنازل) سواء في الشوارع أو الساحات العامة بـ(الضرا). وتبدأ مراسم إعداد الشارع أو الساحة وتجهيزهما لاستقبال (صواني) الإفطار، قبل موعده بنحو ساعة أو اثنتين؛ حيث ينهمك الصبية في تجهيز المكان وتنظيفه وفرش الأرض بالسجاد البلاستيكي أو الحُصر (البروش)، ثم تتوالى الأُسر في إحضار (صواني) الإفطار؛ ليتشاركوها مع الآخرين.

ربط العمائم لقطع الطريق

حلو مر.. سيِّد الأشربة الرمضانية في السودان

من جهتها، قالت فائقة ياسين، صحفية متخصصة في القضايا الاجتماعية، لـ”كيوبوست”: إن إفطار الشوارع هو أبرز ما يميز شهر رمضان في السودان، وفيه دلالات على الترابط والتلاحم، وقوة الأواصر الاجتماعية لدى أهل الحضر والبادية على حد سواء؛ فسكان المدن يخرجون بموائدهم إلى الشوارع ولا يسمحون لعابر أن يذهب إلى شأنه ما لم يتناول معهم الإفطار. أما سكان القرى التي تطل على طرق المرور السريع الرابطة بين المدن والقرى، فيعمدون إلى تنظيم إفطارات رمضانية كبرى؛ طلباً للأجر والثواب.

فائقة ياسين

عند اقتراب موعد الإفطار يتجه المواطنون إلى الطريق العام، طالبين من السائقين التوقف؛ عبر التلويح بالأيدي أو قطع الطريق أمام المسافرين إذا ما استدعى الأمر، ولهم في ذلك أسلوب طريف؛ حيث يربطون عمائمهم بعضها مع بعض ويشدونها مثل حبل طويل على جانبَي الطريق؛ فيشكلون بها حاجزاً مرورياً لإيقاف السيارات العابرة عند موعد الإفطار.

اقرأ أيضًا: شهرٌ من الجنَّة … مع مصطفى سعيد

ملاذ لعابري السبيل

تواصل ياسين إفادتها حول هذا التقليد؛ قائلةً: الإفطار في الشوارع أو “الضرا”، كما يطلق عليه عند البعض، تقليد سوداني بامتياز ربما لا يتوفر في أي بلد آخر؛ حيث درج السودانيون على مشاركة الإفطار في الشارع طوال شهر رمضان، كل حسب قدرته وإمكاناته، كنوع من التعاضد والتواد والترابط بين الجيران وسكان الحي الواحد، وأيضاً كملاذ لعابري السبيل والمساكين والمسافرين، وقد ظل هذا التقليد صامداً مقاوماً للكثير من المتغيرات الاجتماعية والتطور وظروف الحياة؛ ما يعكس نوعاً من الكرم والجود أيضاً.

طبق العصيدة السودانية أساس مائدة رمضان- وكالات

ولأهل السودان -تضيف ياسين- طقوس رمضانية خاصة تتمثل في الاستعداد المبكر لمَقدمه، وترسيخ مبادئ التكافل في أيامه والاحتفال بوداعه.. كل ذلك يتم من خلال عمل جماعي رسمي وشعبي وأهلي تحتشد فيه منظمات المجتمع المدني والمنظمات العربية والإسلامية الموجودة في البلاد؛ لتقديم الدعم والعون اللازمَين للفقراء والمحتاجين والأسر المتعففة وطلاب الجامعات وعابري السبيل وطلاب العلم الوافدين إلى السودان من دول أخرى.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة