الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الصين والولايات المتحدة في الشرق الأوسط بين التبعية والتنافس (1)

كيوبوست – ترجمات

مايكل سينغ لين سويج

منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين فصاعداً، أصبحتِ الولايات المتحدة تنظر تدريجياً إلى الصين على أنها أكبر منافس لها. وقد شارك صانعو السياسات من كلا الحزبَين السياسيَّين الرئيسَين في تعزيز هذا الرأي. وكانت هيلاري كلينتون؛ السناتور الأمريكي عن نيويورك، آنذاك، هي التي كتبت عام 2011 عن حاجة الولايات المتحدة إلى “محور” تجاه آسيا، وقرن المحيط الهادئ.

ثم تم تغيير اسم هذا “المحور” لاحقاً إلى “إعادة التوازن”؛ لتجنب الانطباع بأن الولايات المتحدة كانت تبتعد عن مناطق أخرى من العالم بسبب سعيها إلى زيادة تركيزها على آسيا، ولكن الوضع استمر بخلاف ذلك على قدم وساق خلال الولاية الثانية لرئاسة باراك أوباما.

اقرأ أيضاً: كيف تنزلق الولايات المتحدة والصين نحو “دوامة أيديولوجية” و”حرب باردة”؟

وعلى الرغم من جهوده المضنية للنأي بنفسه عن مبادرات سلفه، تبنى الرئيس ترامب هذا التركيز ووسع نطاقه، وجاءت ذروة ذلك في استراتيجية الدفاع الوطني الصادرة عام 2018. وقد جاء في مقدمة تلك الوثيقة، التي صاغها وزير الدفاع جيمس ماتيس بصراحة، أن “المنافسة الاستراتيجية بين الدول، وليس الإرهاب، هي الآن الشغل الشاغل للأمن القومي للولايات المتحدة”.

ويعد فهم الأهداف الوطنية الأمريكية والصينية بدقة، أكثر الأمور حيوية لتحديد كيفية ظهور منافسة القوى العظمى في الشرق الأوسط ومناطق أخرى خارج المحيط المباشر لعرض القوتَين، وإلى أي مدى سيشارك كل منهما في شؤون المنطقة؟ وما إذا كانت العلاقة بين الاثنتَين ستكون علاقة تعاون؟ أم تبعية؟ أم تنافس؟

المحاور الثلاثة للسياسة الصينية في الشرق الأوسط

لا يتطلب فهمُ السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط مجرد الإلمام بمصالح الولايات المتحدة هناك، وفهم أي تغييرات قليلة من إدارة رئاسية إلى أخرى؛ ولكن أيضاً للديناميكيات المحلية والجيوسياسية الأوسع التي تشكل الصياغة الشاملة لسياسة الأمن القومي. وينطبق الشيء نفسه على الصين والقوى الأخرى.

وزير الخارجية بومبيو يستمع إلى مدير مكتب الشؤون الخارجية بالحزب الشيوعي الصيني يانغ جيتشي خلال مؤتمر صحفي عقب الاجتماع الدبلوماسي والأمني المشترك في وزارة الخارجية الأمريكية- واشنطن.. نوفمبر 2018- “رويترز”

ولفهم السياسة الصينية في الشرق الأوسط، هناك 3 محاور مهمة؛ وهي: أولاً مصالح الصين في الشرق الأوسط، وثانياً جهود الصين لإبراز قوتها غرباً عبر الشرق الأوسط نحو أوروبا وإفريقيا تحت عنوان “مبادرات الحزام والطريق”، وثالثاً علاقة الصين المعقدة بالولايات المتحدة التي لا تزال القوة الخارجية المهيمنة في الشرق الأوسط.

فعلى صعيد القضايا الإقليمية نجد أنه على الرغم من شراكة الصين مع إيران، فإن استعدادها لمساعدة طهران في مقاومة العقوبات الأمريكية كان محدوداً بشكل عام. ويرجع هذا في جزء كبير منه إلى الأولوية الأكبر نسبياً التي توليها بكين للحفاظ على العلاقات التجارية الجيدة مع الولايات المتحدة، ولهذا السبب فإن التنبؤات بأن العقوبات الأمريكية ستفشل بسبب التحدي الصيني غالباً ما كانت خاطئة؛ لأنها تسيء فهم أولويات بكين.

اقرأ أيضاً: استراتيجية الصين الكبرى: الاتجاهات والمسارات والتنافس طويل المدى

وقد ظهرت التوترات نفسها في الرأي العام عندما دعتِ الولايات المتحدة الصين إلى المشاركة في مؤتمر المنامة في يونيو 2019. بينما قاطع الفلسطينيون المؤتمر، الذي روَّجت له إدارة ترامب على أنه اجتماع لتعزيز الاستثمار والتنمية الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية، بدافع الاستياء من اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل.

الرئيس الإيراني حسن روحاني والصيني شي جين بينغ يستعرضان القوات خلال حفل استقبال في طهران- إيران.. -2016 “فرانس برس”

وأعلنت الصين إلى جانب روسيا في البداية أنها سترفض أيضاً الحضور؛ بما يتفق مع جهود بكين لاتخاذ نهج متوازن تجاه الإسرائيليين والفلسطينيين. ومع ذلك، عكست الصين مسارها بسرعة وأرسلت في نهاية المطاف مراقباً إلى المؤتمر -ربما- ليرفض الدخول في معركة مع واشنطن حول قضية هامشية، وكذلك تفويت فرص الاستثمار التي قد تنشأ.

المصالح الصينية في الشرق الأوسط

1- الطاقة

تغيَّرت الأدوار التي تشغلها الولايات المتحدة والصين في مشهد الطاقة العالمي بشكل كبير في السنوات الأخيرة. وتجلى التغيير في الدور الأمريكي بوضوح من خلال مشاركة الرئيس ترامب في أبريل 2020 في صفقة أبرمت بين “أوبك” وروسيا؛ لخفض إنتاج النفط، في محاولة لرفع الأسعار.

اقرأ أيضاً: السعودية توسع برنامجها النووي بمساعدة الصين

وكان هذا يمثل تغييراً جذرياً من الموقف الذي بدَت فيه الولايات المتحدة على شفا ثورة من النفط الصخري، عن غير قصد، والذي وجدت نفسها فيه قبل ما يزيد قليلاً على عقد من الزمن، عندما ناشد وزير الخزانة الأمريكي، آنذاك، هانك بولسون منتجي النفط؛ لزيادة الإنتاج وفتح قطاعات النفط لديهم أمام استثمار أكبر.

د.سلطان الجابر وزير الدولة والرئيس التنفيذي لمجموعة “أدنوك” الإماراتية.. وليو ييجيانغ رئيس مجلس إدارة شركة “تشن هوا أويل” الصينية.. خلال إعلان الاستحواذ على حصة 4% من امتياز “أدنوك البري”.. 2018- موقع “أويل آند غاز”

وقد مرّ دور الصين في أسواق الطاقة العالمية بتشكيل تحوُّل ربما أقل وضوحاً؛ لكنه لا يزال مهماً للغاية؛ حيث نمَت الصين لتصبح واحدة من أكبر مستهلكي النفط في العالم، في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن الصين أصبحت مستورداً للنفط فقط في منتصف التسعينيات -مما وفر حافزاً كبيراً لتوسيع علاقاتها مع دول في الشرق الأوسط- فقد ارتفعت هذه الواردات مدفوعة بزيادة الطلب وتراجع الإنتاج المحلي. وأصبحت الصين أكبر مستورد للنفط في العالم عام 2017، متجاوزة الولايات المتحدة، التي أصبحت في أواخر عام 2019 مصدراً صافياً للنفط.

اقرأ أيضاً: هذا هو الخاسر الأكبر في حرب تجارية مفترضة بين الصين والولايات المتحدة

ووفقاً لتوقعات الطاقة لشركة “بريتيش بتروليوم” (بي بي)، من المرجح أن تؤدي هذه الاتجاهات مع الآثار المترتبة على جائحة كورونا وتزايد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، من بين عوامل أخرى، إلى انخفاض الطلب على النفط والتجارة فيه. وسيتجاوز طلب الصين على النفط طلب الولايات المتحدة، التي ستصبح مورداً رئيساً بشكل متزايد، بينما تواصل الصين قيادة النمو العالمي في واردات النفط حتى تتفوق عليها الهند في هذا الصدد. كما تعد الصين أيضاً ثاني أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في العالم، وقادت العالم في نمو واردات الغاز الطبيعي المسال عام 2018.

2- التجارة والاستثمار في غير الطاقة

وفي حين أن الطاقة قد تكون في صميم المصالح الاقتصادية للصين في الشرق الأوسط، إلا أنها بعيدة كل البعد عن القصة بأكملها. فبالنسبة إلى الصين، يعد الشرق الأوسط مصدراً ووجهة للاستثمار والتجارة. ووفقاً لمعهد أمريكان إنتربرايز، بلغت الاستثمارات الصينية في دول الشرق الأوسط العربية وإيران وتركيا وإسرائيل مجتمعة 140.5 مليار دولار من 2005- 2019.

مقر شركة “تيدا” التي تمثل المنطقة الحرة للتعاون المصري- الصيني في خليج السويس- مصر.. 2018- وكالة “شينخوا”

وبشكل عام، لا يعد هذا المبلغ مثيراً للإعجاب بشكل خاص؛ فهو أقل من المبلغ الذي استثمرته الصين في جنوب الصحراء الكبرى، وهو تقريباً على قدم المساواة مع استثماراتها في أمريكا الجنوبية؛ لكن الأمر الأكثر لفتاً للانتباه هو اتجاه الاستثمارات الصينية نفسها. ففي عام 2018 على سبيل المثال، استثمرت الصين 28.11 مليار دولار في الشرق الأوسط، أكثر من أية منطقة أخرى باستثناء أوروبا.

وفي سياقٍ مماثل، جاء ما يقرب من 20 مليار دولار من إجمالي 25 مليار دولار من الاستثمار الصيني والبناء في مصر منذ عام 2005، بداية من عام 2013 وحده، وكذلك ما يقرب من 22 مليار دولار من 30 مليار دولار استثمرتها في الإمارات خلال تلك الفترة الزمنية.

اقرأ أيضاً: البنتاجون يحذر: قبل أن تتحول إسرائيل إلى مستعمرة صينية

وكان الشرق الأوسط أيضاً وجهة متنامية للصادرات الصينية، التي زادت بنسبة 67% بالقيمة الإسمية من 2010- 2019، متجاوزة بكثير المعدل الإجمالي للنمو في الصادرات الصينية عالمياً خلال تلك الفترة الزمنية، وتتجاوز بكثير نسبة 22% المتزايدة في الصادرات الأمريكية إلى المنطقة.

وتسير التبعية الاقتصادية بين الصين والشرق الأوسط في كلا الاتجاهين؛ ففي عام 2019، أرسل الشرق الأوسط 132 مليار دولار من الصادرات إلى الصين، أكثر من أية وجهة أخرى، متجاوزاً بكثير الولايات المتحدة (41 مليار دولار أمريكي)، وتقريباً بقدر الاتحاد الأوروبي بأكمله (160 مليار دولار). ومع ذلك، وبينما يبدو الاستثمار الصيني في المنطقة في كل مكان، فإن الواردات الصينية تفضل الدول النفطية بشدة.

نائب الرئيس الصيني وانغ كيشان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال الاجتماع الرابع للجنة الصينية الإسرائيلية المشتركة للتعاون في مجال الابتكارات- القدس.. أكتوبر 2018- “شينخوا”

وبينما يناقش المحللون والمسؤولون في الولايات المتحدة ما إذا كانت الاتجاهات العامة للتجارة الصينية والاستثمار في الشرق الأوسط، والعكس بالعكس، يجب أن تكون مصدر قلق، فإن مجالين من النشاط الاقتصادي الصيني في المنطقة يستحقان اهتماماً خاصاً؛ هما: الأسلحة والتكنولوجيا، فمبيعات الأسلحة الصينية في الشرق الأوسط باهتة مقارنة بمبيعات الولايات المتحدة وروسيا، لكنها نمت بسرعة في العقد الماضي، حيث زادت بنسبة 82% خلال الفترة  من بين 2014- 2019 مقارنة بالسنوات الخمس السابقة.

اقرأ أيضاً: ترجمات: لماذا يحوم التنين الآسيوي حول الشرق الأوسط؟

وركز الاستثمار الصيني في التكنولوجيا العالية على إسرائيل، التي تُعتبر رائدة عالمياً في الشركات الناشئة عالية التقنية. ووفقاً لتقرير حديث صادر عن مؤسسة “راند”، زاد استثمار رأس المال الصيني في إسرائيل من 500 مليون دولار عام 2014 إلى مليار دولار عام 2016، وتلقت الشركات التكنولوجية الإسرائيلية الناشئة 325 مليون دولار من الاستثمارات الصينية في الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2018 وحده، بزيادة قدرها أكثر من الثلث عن العام السابق.

3- حرية الملاحة

يضفي اعتماد الصين الاقتصادي على الشرق الأوسط؛ لا سيما انخراط المنطقة في أمن الطاقة الصيني، على بكين اهتماماً شديداً بحرية الملاحة في بحار المنطقة. فنحو 21% من سوائل البترول المستهلكة عالمياً وربع تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية تمر عبر مضيق هرمز. وفي عام 2018، كان 76% من النفط الخام والمكثفات التي تمر عبر المضيق متجهة إلى الأسواق الآسيوية.

ناقلات النفط العملاقة تفرغ ملايين البراميل من النفط الإيراني في صهاريج تخزين الموانئ الصينية- “بلومبرج”

كما تعد قناة السويس ومضيق باب المندب من الأهمية بمكان للطاقة الصينية والأمن الاقتصادي؛ فهذه الممرات المائية ليست حيوية بالنسبة إلى بكين من منظور أمن الطاقة؛ لكنها لا تزال مهمة. ووفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يمر 9% من النفط المنقول بحراً عبر الأخير؛ بما في ذلك 2.6 مليون برميل يومياً مخصصة للأسواق الآسيوية، وفقاً لبيانات عام 2018.

4- مكافحة الإرهاب

وفي اجتماعٍ لرؤساء محاكم دول منظمة شنغهاي للتعاون عام 2006، حثّ شياو يانغ؛ رئيس محكمة الشعب العليا الصينية، أقرانه على مكافحة ما سمَّاه قوى الشر الثلاث “الإرهاب، والتطرف، والانفصال العرقي”. وتنظر بكين إلى الشرق الأوسط على أنه مصدر الثلاث.

اقرأ أيضاً: مضيق هرمز في محور المواجهة!

وبالتالي يتشابه مفهوم الصين للإرهاب، كما يختلف في الوقت نفسه عن تصور الولايات المتحدة، لأسبابٍ تقترحها كيفية صياغة الشرور الثلاثة. ومثل الولايات المتحدة، كانت الصين ضحية لهجمات إرهابية محلية تخشى أن تكون لها صلات بالمنظمات الإرهابية الدولية؛ حيث شملت هجمات بالقنابل في أورومتشي، عاصمة منطقة شينجيانغ المضطربة في الصين، في أبريل ومايو 2014، وهجمات بالسكاكين في كونمينغ وغوانغ زو في مارس ومايو 2014، على التوالي.

مبادرة الحزام والطريق

والمحور الثاني الذي ينبغي من خلاله النظر إلى السياسة الصينية في الشرق الأوسط هو مبادرة الحزام والطريق؛ وهي استراتيجية السياسة الخارجية المميزة لشي جين بينغ. وفي الصيغة الصينية، تهدف مبادرة الحزام والطريق إلى تعزيز الاتصال من أجل تحقيق ما سمَّاه شي “مجتمعاً صغيراً مشتركاً”؛ أي ربط المناطق النائية في العالم بالصين بشكلٍ أوثق.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال استقباله للرئيس الصيني شي جين بينغ في مطار الملك خالد الدولي بالرياض.. 2016- وكالة الأنباء السعودية

وفي حين أن مبادرة الحزام والطريق ترتبط بشكل متكرر في الرأي الغربي بالاستثمار في البنية التحتية، وصف شي 5 أشكال من الاتصال تهدف المبادرات إلى النهوض بها؛ وهي: السياسية، والنقل، والتجارة والاستثمار، والتكامل المالي؛ بما في ذلك زيادة استخدام العملة الصينية (الرنمينبي).

اقرأ أيضاً: مبادرة “الحزام والطريق” الصينية.. فرص كبيرة وتهديدات حقيقية تواجهها دول الخليج

ولعل مبادرة الحزام والطريق طموحة للغاية؛ لدرجة أنه من الأنسب أن نسأل عن المناطق والبلدان التي لا تضمها الصين بدلاً من تلك التي تضمها، وهي تشمل كل أوراسيا؛ بما في ذلك روسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وكل جنوب آسيا، باستثناء الهند والكثير من أوروبا الشرقية وأجزاء من إفريقيا؛ لا سيما شرق إفريقيا الساحلية وحتى دول أمريكا الجنوبية. كما تتحدث المبادرة عن اتساع الأنشطة الاقتصادية والسياسية والأمنية الصينية، فضلاً عن عمق طموحاتها.

♦زميل أول ومدير عام معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى

لقراءة الحلقة الثانية: اضغط هنا

المصدر: معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة