الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الصين والولايات المتحدة في الشرق الأوسط بين التبعية والتنافس (2)

كيوبوست – ترجمات

مايكل سينغ لين سويج♦

في سعيها لتحقيق مصالحها وأهدافها في الشرق الأوسط، تواجه الصين، مثل كل القوى الخارجية قبلها، عقباتٍ عديدة. ومع ذلك، فإن بكين، على عكس الولايات المتحدة وأوروبا، ترى أيضاً فرصاً في المنطقة.

وفي الربع الأول من عام 2020، واجه الشرق الأوسط ما يمكن اعتباره أزمة اقتصادية ثلاثية؛ هي: التأثير البيئي للتدابير الوطنية لاحتواء انتشار تفشي المرض؛ مثل إغلاق شركات البيع بالتجزئة والمصانع، والتأثير الإضافي لانخفاض المصادر الخارجية للدخل والدعم؛ بما في ذلك السياحة والتحويلات وتدفقات المساعدات، حيث تصارع بقية العالم مع تفشي المرض، وانهيار أسعار النفط الناجم عن حرب الأسعار السعودية- الروسية وانهيار الطلب الناتج عن الجائحة.

اقرأ أيضاً: الصين قد تتحالف مع إيران في حربها ضد الولايات المتحدة

وبدأ شبح الأزمة في مدى السرعة التي يمكن أن تتغير بها الثروات الاقتصادية؛ فقبل الجائحة كان الشرق الأوسط يشهد نمواً متواضعاً، وكان يُنظر إلى بعض البلدان، مثل مصر، على أنها زبدة محصول الأسواق الناشئة من منظور المستثمرين الأجانب. وبالنسبة إلى الصين التي تركز على الطاقة ومشروعات البنية التحتية (الممولة بالديون غالباً)، مثَّل عدم الاستقرار هذا أيضاً أزمة متعددة الأوجه.

وعادة ما يتم الترحيب بأسعار النفط المنخفضة بحماس في بكين؛ ولكن، مثلها مثل مستهلكي النفط الرئيسيين الآخرين، لم تكن الصين في وضع يمكنها من الاستفادة من انخفاض الأسعار؛ حيث كان انخفاض الأسعار مدفوعاً بقدرٍ كبير من نزع الطلب مثل وفرة العرض.

تحديات وفرص

وفي حين أن الاقتصاد قد يأتي في المرتبة الأولى في علاقات الصين مع الشرق الأوسط، فإن عدم الاستقرار السياسي في الشرق الأوسط يمثل تحدياً أكبر من الاضطرابات الاقتصادية؛ لأن الصين لديها أدوات أقل بكثير للتعامل مع الأول، خصوصاً بالمقارنة مع المنافسين؛ مثل الولايات المتحدة وروسيا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ يتصافحان خلال حفل توقيع في الكرملين- موسكو.. يوليو 2017- “فرانس برس”

وفي خضم الربيع العربي في عام 2011، سعت بكين إلى الحفاظ على علاقات ودية مع كلا الجانبين في كل نزاع إقليمي تقريباً؛ حيث أقامت علاقات ودية مع كل من معمر القذافي والمتمردين الليبيين، على سبيل المثال (على الرغم من إعطائها الأولوية للسيادة وعدم التدخل)، مثلما كانت الصين من بين الحكومات الأولى التي اعترفت بحكم “حماس” في غزة في العقد السابق.

ومع ذلك، فقد تعرضت بكين إلى الإحباط، ومع ذلك كان عليها أن تتدافع لشن أول عملية بحرية استكشافية على الإطلاق عام 2011؛ لإجلاء 30 ألف مواطن صيني من ليبيا. وكان عليها في ما بعد أن تشن عملية أصغر من هذا القبيل في اليمن. وفي حين تم الاحتفال بكلتا العمليتَين في نهاية المطاف في الصين؛ إلا أنهما أظهرتا بوضوح عدم التطابق بين الموقف الإقليمي لبكين ونقاط الضعف التي تعانيها هناك، والتي سعَت الصين منذ ذلك الحين للتغلب عليها، وذلك جزئياً من خلال افتتاح أول قاعدة بحرية خارجية لها في جيبوتي.

اقرأ أيضاً: تسييس “كورونا”.. يشعل فتيل حرب باردة جديدة بين أمريكا والصين

وأخيراً، أثبتتِ المقاربة التي تفضلها الصين في معالجة واحدة من أكثر المشكلات إلحاحاً في المنطقة، أن التطرف قد فشل. وكما ذُكر أعلاه، تؤكد بكين أن التنمية الاقتصادية والحد من الفقر والتبادلات الثقافية كافية لمنع التطرف والاستياء. ومع ذلك، فإن الأبحاث المكثفة منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر تظهر بشكل قاطع أن الأمر ليس كذلك.

استراتيجية الصين في الشرق الأوسط

يجب الاستدلال على استراتيجية صينية في الشرق الأوسط؛ حيث تميل الصين، مثل الولايات المتحدة، إلى إصدار وثائق طموحة بدلاً من طرح استراتيجياتها الإقليمية. وقد تكون تصريحات مثل “المبادئ الخمسة للتعايش السلمي”، و”ورقة السياسة العربية بإطارها 1+ 2+ 3″، وما إلى ذلك، مفيدة لفهم نهج الصين تجاه المنطقة؛ لكنها لا تشكل معاً أي شيء يقترب من الأهداف الأساسية لاستراتيجية الصين الضمنية.

شنت الصين أول عملية بحرية استكشافية على الإطلاق عام 2011 لإجلاء 30 ألف مواطن صيني من ليبيا.. وفي الصورة مواطنون صينيون تم إجلاؤهم يصطفون في ميناء هيراكليو بجزيرة كريت.. فبراير 2011- وكالات

ويعود ذلك إلى حقيقتَين؛ أولاهما أن السياسة الخارجية للدولة، كما اعترف السفير الصيني لدى الولايات المتحدة كوي تيانكاي، عام 2015، تتبع حتماً استثماراتها؛ بمعنى آخر، حيث يذهب التجار يتبعهم الدبلوماسيون والجنود. ثانياً، في حين أن الصين قوة تهتم بإعادة تشكيل الشؤون العالمية لتعزيز دورها وتقليل دور الولايات المتحدة، فإن الشرق الأوسط ليس الساحة المفضلة لبكين لخوض هذا الصراع؛ فهي لا تبحث عن قتال مع واشنطن هناك، ومن المرجح أن العكس صحيح أيضاً، على الأقل في الوقت الحالي.

شاهد: فيديوغراف.. قوى العالم الجديد تعيد صياغة قوانين اللعبة السياسية

والنتيجة هي استراتيجية تسعى إلى البناء على ما تعتبره بكين قد عملت لصالحه حتى الآن في الشرق الأوسط -مثل ممارسة عدم التدخل، والبقاء أصدقاء للجميع، وتجنب الانحياز إلى أي طرف في النزاعات الإقليمية، والتطلع إلى جني الفوائد الاقتصادية والسياسية حيثما كانت متاحة- مع توسيع دورها الإقليمي بشكلٍ تدريجي وتحدي الولايات المتحدة. ويمكن تحديد العديد من العناصر المميزة لهذه الاستراتيجية من سياسات الصين الأخيرة.

  • الريادة بفوائد اقتصادية

تظل العلاقات الاقتصادية للصين في المنطقة مدفوعة بشكل أساسي بالاحتياجات المتبادلة، فتحتاج الصين إلى الطاقة واستخدامات الطاقة الفائضة ورأس المال، وتحتاج دول الشرق الأوسط إلى الاستثمار والبنية التحتية والسلع منخفضة التكلفة التي لا يوفرها القطاع الخاص المتطور في المنطقة. وتوفر هذه العلاقات لمعظم دول المنطقة حصة عزيزة في الشراكة مع بكين، وتعني، أكثر من أي دافع جيوسياسي، أن الدول الإقليمية ستقاوم الاضطرار إلى الاختيار بين الولايات المتحدة والصين إذا تعلق الأمر بذلك.

منتجات السكك الحديدية الصينية عالية السرعة في المعرض الدولي العربي الصيني لعام 2015.. الصين- وكالة “شينخوا”

ويحمل تركيز الصين الاقتصادي في المنطقة فوائد محتملة أخرى. وجادل كليمان وجريس، على سبيل المثال، بأن الاستثمارات الصينية ستمنح بكين نفوذاً في الحالات التي يتم فيها تمويل المشروعات بالديون، وستعيد تشكيل ساحة اللعب التجارية لصالح الشركات الصينية وضد الشركات الغربية، كما تعزز النفوذ الصيني على التجارة الدولية.

  • صديق الجميع وليس حليفاً لأحد

في السنوات الأولى بعد قيام جمهورية الصين الشعبية، تعاطفت بكين مع الحركات المناهضة للاستعمار أو “التحرير” من خلال تنمية العلاقات مع مصر عبدالناصر عام 1956، على سبيل المثال، ودعم منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات. وفي السنوات التالية، ومع ذلك، تحول نهج الصين في الشرق الأوسط من نهج أيديولوجي إلى حذر خارجي وتقليدي. ففي عام 2017، على سبيل المثال، اقترحتِ الصين خطةً من 4 نقاط للسلام الإسرائيلي- الفلسطيني، كالتالي:

1) دفع حل الدولتين على أساس حدود عام 1967 مع القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية جديدة.
2) التمسك بمفهوم الأمن التعاوني الشامل والمستدام، والإنهاء الفوري لبناء المستوطنات، واتخاذ إجراءات فورية لمنع العنف ضد المدنيين، والدعوة إلى استئناف مبكر لمحادثات سلام.
3) تنسيق الجهود الدولية لطرح تدابير تعزيز السلام التي تنطوي على مشاركة مشتركة في وقت مبكر.
4) تعزيز السلام من خلال التنمية والتعاون بين الفلسطينيين وإسرائيل.

المندوب الصيني الدائم لدى الأمم المتحدة ما تشاو تشو يصوت لصالح مشروع قرار مجلس الأمن بشأن حماية الفلسطينيين في مقر الأمم المتحدة في نيويورك.. يونيو 2018- “شينخوا”

وفي إطار هذه الخطة، بدا أنها مصممة لتجنب الإساءة أكثر من اتخاذ مواقف جريئة، وأكثر من أي شيء آخر لبث تطلعات الصين إلى مكانة أكثر بروزاً في المنطقة. وبذلك، اتبعت نمطاً راسخاً لسعي بكين إلى التمتع بفوائد الصداقة مع الجميع، دون أعباء التحالف على أيٍّ من لاعبي المنطقة.

  • البحث بهدوء عن المكاسب الاستراتيجية

يمكن لسياسة الصين المعلنة بعدم التدخل في الشرق الأوسط أن تدفع المراقب العادي إلى رؤية بكين على أنها تفتقر إلى أي شيء يتجاوز المصلحة الاقتصادية المقترنة، ربما، مع رغبةٍ عامة في مكانة في المنطقة، أو حتى أنها تفتقر إلى الثقة في تعاملاتها هناك. ومع ذلك، فإن الواقع أكثر تعقيداً؛ فوراء مظهر هذا النهج غير الضار نسبياً، تستهدف بكين بهدوء وتسعى لتحقيق مكاسب استراتيجية في المنطقة بتصميم.

اقرا أيضاً: ماذا وراء ذُعر الولايات المتحدة من سيطرة “هواوي” على شبكات الجيل الخامس؟ 

وفي ما يتعلق بالتكنولوجيا، أشارت شيرا إيفرون إلى أن استثمارات الصين للتكنولوجيا الفائقة في إسرائيل تميل إلى التركيز على مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات وتكنولوجيا المعلومات؛ وهي أيضاً مجالات تركيز لخطة بكين “صنع في الصين 2025”. وتهدف الخطة إلى تعزيز دور الصين كقائد تصنيع عالي التقنية من خلال تعزيز الابتكار المحلي ونقل التكنولوجيا التي يسهلها الاستثمار الأجنبي.

وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال اجتماع عمل مع وزير الخارجية القطري محمد بن عبدالرحمن آل ثاني في بكين.. ديسمبر 2018- وكالات

ولا ينصب تركيز الصين على إسرائيل فقط، فقد اتبعت بكين النهج نفسه تجاه وادي السيليكون في الولايات المتحدة؛ مما دفع الحكومة الأمريكية إلى تشديد القواعد على الاستثمار الأجنبي للحد من المكاسب المحتملة للصين، بينما سعَت بكين إلى الترويج لمزودي الاتصالات الصينيين في الشرق الأوسط؛ كما هي الحال في مناطق أخرى.

اقرأ أيضاً: ماذا علينا أن نفعل حيال الصين؟

وفي حين أن إيران والصين تتمتعان بروابط تاريخية وحضارية قديمة، لا تزال تحتفظ بأهميتها اليوم أكثر مما قد يقدره صناع السياسة الغربيون، فإن الدوافع الكامنة وراء العلاقة الإيرانية- الصينية أكثر خداعاً؛ حيث تقدم إيران للصين مزيجاً جذاباً من التقارب الجيوسياسي المغري لأية دولة تتطلع إلى تحدي الهيمنة الأمريكية في الشؤون الدولية، وإيران هي بالفعل الدولة الوحيدة على ساحل الخليج الحيوي غير الصديقة للقرب الجغرافي للولايات المتحدة.

تعزيز الدور الصيني تدريجياً وتحدي دور الولايات المتحدة

لا تبحث الصين عن قتالٍ مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط؛ فهي تدرك أنها تفتقر إلى القدرة، سواء في الموارد أو الشراكات، على الانتصار، كما تدرك أن الولايات المتحدة لديها نفوذ كبير يمكنها توظيفه ضد بكين في المنطقة. وقد استفادت الصين بشكل كبير من النظام الذي تقوده الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ولا يبدو أنها غيَّرت موقفها بهذا الشأن؛ لأنه مفيد لمصالح بكين بشكل عام.

السفير الصيني في مالي لو هويينج تقلِّد وسامَ الأمم المتحدة الفخري إلى عناصر قوات حفظ السلام الصينية في مالي.. فبراير 2017- موقع “سينشري فاونديشن”

وفي ممارستها للدبلوماسية في المنطقة، فضلت الصين إنشاء أو تعزيز الهياكل التي تقلل من الدور الأمريكي أو تستبعده تماماً، وتشجع الشركاء الإقليميين على التعامل معهم. وتكثر الأمثلة على ذلك. وقد وصف الباحث الصيني سون ديجانج، هذا بأنه مجموعة كاملة من دبلوماسية المنطقة التي تهدف إلى تعزيز العلاقات بين الجنوب إلى الجنوب، وتعزيز دور الدول النامية في العلاقات الدولية.

يبدو المسار العام للسياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط أكيداً بأن بكين تستثمر تدريجياً موارد اقتصادية ودبلوماسية وعسكرية أكبر هناك. وفي الوقتِ الحاضر، يبدو أن الصين تخصص موارد قليلة نسبياً للمنطقة؛ نظراً لأهميتها الاستراتيجية لبكين، وسيُصحَّح هذا الخلل حتماً بمرور الوقت. وستكون السياسات الدقيقة التي تنتهجها الصين في الشرق الأوسط نتيجة تفاعل المحاور الثلاثة الموضحة أعلاه؛ مصالحها، ومبادرة الحزام والطريق، والعلاقة بين الولايات المتحدة والصين، فضلاً عن عوامل أخرى مثل الثروات الاقتصادية للصين وسياستها الداخلية.

اقرأ أيضاً: كيف تتفكك القوة الأمريكية وتنتهي هيمنة القطب الأوحد بلا عودة؟

وربما يكون النهج الأقل فائدة للولايات المتحدة هو تجنب الإجابة عن هذه الأسئلة الاستراتيجية حول الشرق الأوسط والصين. ورغم استمرار الوضع الراهن الذي يتسم بوجود كبير للولايات المتحدة، سيكون التزام الولايات المتحدة غير المؤكد نهجاً عالي التكلفة وعالي المخاطر ومنخفض المكافآت. وبالطبع يؤدي الشعور بأن الولايات المتحدة مترددة بالشركاء إلى التحوط -وربما تسريع تطوير علاقاتهم مع موسكو وبكين– كما يشجع الخصوم على الاعتقاد بأن الولايات المتحدة عرضة للإقصاء؛ وهو ما يعرض الأفراد والمصالح الأمريكية إلى الخطر.

♦زميل أول ومدير عام معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

لقراءة الحلقة الأولى: اضغط هنا

المصدر: معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة