الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الصين والعصر النووي الجديد

 كيوبوست- ترجمات

أندرو كربينيفيتش جونيور♦

كشفت صور الأقمار الصناعية خلال العام الماضي أن الصين تبني 230 منصة جديدة للصواريخ البالستية العابرة للقارات إلى جانب توسعاتٍ أخرى في منشآتها القائمة. أندريه كريبينيفيتش، الزميل الأول في مركز الأمن الأمريكي الجديد يرى في ذلك تحولاً جذرياً في نهج الصين النووي من المتوقع أن يضع الصين في المرتبة الثالثة عالمياً بعد الولايات المتحدة وروسيا، مما يهدد الاستقرار القائم في النظام النووي العالمي الحالي الثنائي القطب. ولا يوجد ما تستطيع الولايات المتحدة فعله لمنع الصين من أن تصبح القوة النووية الثالثة، ولكن يمكنها وضع خطط استراتيجية للتخفيف من العواقب من خلال تحسين قوة الردع التي تمتلكها والحفاظ على السلم النووي.

وعلى الرغم من أن النظام الثنائي القطب لم ينه خطر الحرب النووية فإنه نجح في تجنبها. ويرجع ذلك إلى أمرين، التكافؤ و”التدمير المؤكد المتبادل”، وهو الوضع الذي يمتلك فيه الخصمان القدرة على تدمير الآخر. الأمر الذي يمكن أن يكون عقلانياً في حال وقوع مواجهة، وخشية أحد طرفيها من أن يكون متأخراً ولو لثانية واحدة في إطلاق الهجوم النووي. وأصبح هذا الأمر أكثر خطورة مع تطور أنظمة توجيه الصواريخ البالستية الذي أتاح لقطبي النظام النووي تنفيذ هجوم مضاد على ترسانة القطب الآخر النووية ليفقده القدرة على شنِّ ضربة انتقامية، أو للإخلال بالتوازن القائم بعد تدمير أجزاء كبيرة من هذه الترسانة.

اقرأ أيضاً: كيف نقيِّم مخاطر وقوع حرب نووية؟

وهذه الخشية من التأخر لثانية واحدة دفعت القوتين النوويتين إلى إبقاء قواتهما في حالة تأهب قصوى “وضعية الإطلاق عند وقوع الإنذار”، مما أدى إلى اقتراب الدولتين من شنِّ هجوم نووي أكثر من مرة عندما اكتشفت أنظمة الإنذار المبكر بطريق الخطأ أن هناك هجوماً جارياً.

ثم يشير كاتب المقال إلى أن وصول الصين إلى مكانة دولة نووية عظمى سوف يخل بشكلٍ كبير بهذا التوازن الحرج. والصين التي تعيش فورة في امتلاك الصواريخ العابرة للقارات، وطورت مؤخراً صاروخاً قادراً على حمل عشرة رؤوس نووية، استطاعت رفع عدد قطع ترسانتها إلى 3000 قطعة. بالإضافة إلى ذلك، تعمل الصين على تطوير قوتها الصاروخية التي تطلق من الغواصات والقاذفات الاستراتيجية البعيدة المدى لتصل إلى امتلاك ثالوثٍ قوي من أنظمة الإطلاق البرية والبحرية والجوية، لا تمتلكه أي دولة باستثناء الولايات المتحدة وروسيا.

قاذفة الشبح B-2 الاستراتيجية الأمريكية- رويترز

وبمجرد وجود ثلاث قوى نووية كبرى، سيتعين على كل واحدة منها العمل على ردع عدوين بدلاً من عدو واحد. والمفهوم الذي يستخدمه الصينيون للردع هو أكثر شمولاً من مفهوم الردع الغربي، ويتضمن هدفين مختلفين. الأول هو تثبيط أو ردع الخصم عن اتخاذ مسار معين، والهدف الثاني هو إجبار الخصم على سلوك مسار لم يكن يرغب به. وهذا يشير إلى أن الصينيين لديهم أهداف أكثر طموحاً لقواتها النووية من تلك التي يضعها صانعو السياسة الأمريكيون.

إن وجود نظام نووي ثلاثي الأقطاب يقوِّض بلا شك مصداقية المظلة النووية الأمريكية تجاه حماية حلفائها، وربما يعرّض بعض الحلفاء الرئيسيين مثل اليابان وكوريا الجنوبية إلى الاضطرار للخضوع للصين أو روسيا أو يدفعهم إلى السعي لامتلاك أسلح نووية خاصة بهم. كما أن وجود هذا النظام الثلاثي سوف يؤدي إلى مشكلةٍ في التكافؤ، حيث سوف تضطر الولايات المتحدة إلى بناء قوة نووية إضافية تعادل القوة الصينية والروسية معاً، ومن المرجح أن يفعل الروس الشيء نفسه، وبالطبع لن تقبل الصين بأن تكون ترسانتها أصغر من الدولتين الأخريين. وهذا ما سيفتح سعياً لا ينتهي لتحقيق التوازن.

اقرأ أيضاً: أخطاء نووية كادت تتسبب في حرب عالمية ثالثة

وحتى لو افترضنا وجود نظام متوازن ثلاثي الأقطاب، فإذا ما هاجمت دولة ما دولةً أخرى فإن الدولة المهاجمة سوف تستهلك جزءاً كبيراً من ترسانتها، مما يؤدي لإضعافها، وبذلك تصبح معرضة لهجوم من الدولة الثالثة. وهذا ما سيقلل من حوافز أي دولة لتوجيه الضربة الأولى.

كما أن تحول الصين إلى قوة نووية كبرى غير ديمقراطية، كما هي الحال في روسيا، سوف يزيد من عوامل عدم الاستقرار. وقد أثبتت الحرب في أوكرانيا المخاطر التي يشكلها وجود زعيم طاغية يتمتع بقدرات لا رادع لها. وما لم تحصل تغييرات جذرية في النظام السياسي الروسي أو الصيني، فإن وجود قوتين نوويتين من أصل ثلاثة في أيدي طغاة سيكون أمراً في غاية الخطورة.

بالإضافة إلى ذلك، ربما سيدفع تحول الصين إلى قوة نووية كبرى منافستها الإقليمية، الهند، إلى السعي لتوسيع ترسانتها الأمر الذي سيدفع باكستان إلى الأمر نفسه. كما أن تراجع الثقة بالقوة الرادعة الأمريكية سيدفع بعض حلفاء الولايات المتحدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية بهذا الاتجاه أيضاً.

صواريخ بالستية عابرة للقارات متعددة الرؤوس النووية في عرضٍ عسكري في بكين- رويترز

وعلى عكس ما هو متوقع، يمكن أن يكون بناء الدول الثلاثة لترسانة نووية أكبر بكثير بمثابة رادع للدول الأخرى من أن تسعى للانضمام إليها. وفي المقابل يمكن أن يعود العالم إلى نظام ثنائي القطب مرة أخرى إذا ما استمر التدهور في الاقتصاد الروسي الذي سيحد من قدرتها على مجاراة الصين والولايات المتحدة.

وفي ظل عدم اليقين الناجم عن وجود نظام نووي ثلاثي الأقطاب، فإنه سيكون من مصلحة الولايات المتحدة أن توسع خياراتها، الأمر الذي يبدأ باستبدالها لترسانتها النووية التي يبلغ عمرها أكثر من نصف قرن بصواريخ وغواصات وقاذفات حديثة كي تتمكن من مجاراة الصين وروسيا اللتين بدأتا بتحديث منظوماتهما، وأن تضمن على الأقل توازن قوتها مع كل واحدة من القوتين إن لم يكن معهما مجتمعتين.

ومن المفيد أيضاً للولايات المتحدة اعتماد الصواريخ التي تحمل رأساً نووياً واحداً بدلاً من الصواريخ المتعددة الرؤوس، وكذلك الغواصات التي تحمل عدداً أقل من الصواريخ النووية بدلاً من الغواصات القديمة التي تحمل أعداداً كبيرة، لأن اعتماد هذه السياسة سوف يقلل من تركيز نشر الأسلحة، ويوسع انتشارها الجغرافي، مما سيتطلب من الخصم المهاجم أن يستنزف عدداً أكبر من أسلحته النووية في تنفيذ ضربته الأولى.

اقرأ أيضاً: لماذا يجب على الولايات المتحدة دعم تطلعات كوريا الجنوبية في مجال الغواصات النووية؟

ويخلص كاتب المقال إلى أن العالم عاش لأكثر من نصف قرن في ظل نظامٍ عالمي نووي ثنائي القطب، نجح حتى الآن في تجنب وقوع حربٍ نووية، ولكن هذا النظام سيصبح عما قريب جزءاً من التاريخ مع انبثاق قطبٍ ثالث سيجعل النظام أكثر هشاشة إلى درجة يصعب معها التنبؤ به.

وفي هذه البيئة الاستراتيجية الجديدة سيكون من الضروري للولايات المتحدة أن تستشرف التحديات الجديدة، وتستجيب لها بذكاء. وهذا يعني المضي قدماً بخطط تحديث الرادع النووي الأمريكي، وأن تعمل على منع النظام الثلاثي الأقطاب من التحول إلى نظام متعدد الأقطاب تعمه الفوضى.

والأهم من كل ذلك، يجب على الولايات المتحدة إعادة التفكير في استراتيجيات الردع والتصدي للتحديات التي يفرضها تسلح الصين بشكلٍ يعزز أمن الولايات المتحدة وأمن حلفائها.

♦زميل أول في مركز الأمن الأمريكي الجديد.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة