الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الصين خسرت الهند

كيوبوست- ترجمات

تانفي مادان♦

عادت العلاقات الهندية الصينية إلى طبيعتها بعد الاشتباكات الحدودية التي اندلعت بين البلدين في منطقة وادي غولوان المتنازع عليها، وازدادت الاستثمارات الصينية في الهند، والتبادلات الدفاعية والتنسيق المتعدد الأطراف. ولكن هذا التقارب يخفي وراءه تصدعاتٍ حقيقية. ومن غير المرجح أن تعود العلاقات بين البلدين إلى ما كانت عليه، إذا تحولت سياسة الهند تجاه الصين من “المشاركة التنافسية” إلى “التعايش التنافسي”. وقد قال وزير الخارجية الهندي السابق فيجاي جوكال قبل عامين: “يمكنني القول إن تصرفات بكين قد جعلت الصين تخسر الهند”.

تاريخياً، كانت الهند تنظر إلى الصين على أنها تهديد منذ أواخر الخمسينيات على الأقل، على خلفية نزاعها معها حول التبت ومناطق حدودية أخرى أفضتْ إلى حرب شاملة في عام 1962 كانت نتيجتها كارثية على الهند. ولكن الاتفاقيات التي وقعها البلدان فتحت المجال أمام انفراجٍ أدى إلى تحسن العلاقات في المجالات الاقتصادية، والمتعددة الأطراف. ولكن بعد أن تولى الرئيس شي السلطة في الصين عادت المنافسة بشكلٍ مكثف للحصول على مكانة في دول جنوب آسيا، وفي المنظمات الدولية. وقد زاد الاشتباك الحدودي الذي وقع عام 2020 من شعور صناع السياسة في الهند بالقلق من احتمال قيام الجيش الصيني بمزيدٍ من العمليات العسكرية. ولا شك أن تراجع الثقة هذا سيكون له آثار بعيدة المدى على العلاقة بين البلدين.

تؤدي نظرة الهند إلى الصين على أنها قوة معادية غير جديرة بالثقة إلى إحداث تغيرات كبيرة على الحدود من المرجح أنها ستدوم لفترة طويلة. حيث عزَّز الجانبان وجودهما العسكري على الحدود، وبدأت الهند بتعزيز وجودها العسكري هناك ليتناسب مع القوة الصينية، ولا شك في أن هذه الجهود سوف تستمر بغض النظر عن أي اتفاق ثنائي لحل الخلاف الحدودي.

اقرأ أيضاً: الاشتباك العسكري على الحدود الهندية الصينية يشير إلى تصاعد التوتر الجيوسياسي

وقد انعكس القلق المتزايد من الصين في السياسة الداخلية الهندية، حيث تحولت حكومة مودي من سياسة تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين إلى سياسة فرض القيود والمزيد من التدقيق على مجموعةٍ واسعة من الأنشطة الصينية في الهند. وهي سياسة تسعى للحدِّ من نقاط الضعف الهندية في القطاعات الحيوية. ولكن زيادة التبادل التجاري بين البلدين يثير شكوكاً كبيرة حول مدى نجاح هذا النهج، على الرغم من القيود التي وضعتها حكومة مودي على أنشطة الشركات والمنظمات الصينية في قطاعات الاقتصاد والتكنولوجيا والاتصالات والمجتمع المدني والتعليم. كما حظرت الهند العديد من التطبيقات الصينية، مثل منصة التواصل الاجتماعي “تيك توك”، واستبعدت الشركات الصينية من شبكة الجيل الخامس الهندية. كما دفعت التوترات مع بكين بالحكومة الهندية إلى محاولة التقليل من اعتماد الهند الاقتصادي على الصين، والاستفادة من رغبات الدول الأخرى في التعاون معها، وتحولت إلى توقيع صفقات كبيرة مع أستراليا وكندا وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.

أما في خيارات الهند المتعلقة بالسياسة الخارجية، فقد أدت أزمة الحدود إلى مزيدٍ من التقارب بين الهند والدول التي يمكنها أن تساعد في تعزيز موقفها تجاه الصين في مجالات الدفاع والأمن الاقتصادي والتكنولوجيا الحيوية، ومن هذه الدول أستراليا وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية.

تعزيزات هندية متوجهة إلى منطقة الاشتباك الحدودي مع الصين عام 2020- أرشيف

تاريخياً، لطالما حاولت الهند الحفاظَ على استقلاليتها الاستراتيجية، ورفضت الانجرار إلى التحالفات، ولكنها الآن تحالفت مع العديد من الدول لمواجه التهديد الصيني، وأصبحت أكثر استعداداً للتعاون مع الولايات المتحدة، حتى لو أغضبت الصين، ودخلت في شراكة معمقة مع ما يعرف بالرباعية التي تضم أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة.

وعلى الرغم من الاعتراضات الروسية والصينية شاركت الهند في مجموعةٍ من التدريبات البحرية مع دول الرباعية. كما تخلت الهند عن حذرها المعتاد تجاه حساسية الصين بشأن التهديدات المتصورة لسيادتها، حيث أعلن مودي عن اتصالات أجراها مع الدالاي لاما، الزعيم الروحي للتبت، ولم يتجنب وزير الخارجية الروسي الإشارة إلى الانتهاكات الصينية لحقوق الإنسان في مقاطعة شينجيانغ ذات الأغلبية المسلمة، ورفض إعادة التأكيد على سياسة “صين واحدة”، وحذّر من أي تغيير من جانبٍ واحد للوضع الراهن في تايوان بعد زيارة رئيسية مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي إى تايبيه، في أغسطس الماضي.

اقرأ أيضاً: هل وصلت الخلافات بين الهند والصين إلى نقطة اللا عودة؟

وبالتوازي مع هذا التقارب مع الولايات المتحدة، وحلفائها التقليديين، تعاني علاقاتها مع الصين والتكتلات الدولية المدعومة من روسيا، مثل مجموعة البريكس، وثلاثية روسيا والصين والهند، ومنظمة شنغهاي للتعاون من تعثر كبير، خاصة بعد محاولات موسكو لتحويل هذه التكتلات إلى منصات معادية للغرب، الأمر الذي قلَّل من فائدة هذه التكتلات بالنسبة للهند.

عادت العلاقات الهندية الصينية إلى طبيعتها

ومع ذلك، فلا بد من الإشارة إلى العوامل التي من شأنها أن تحد من سرعة وعمق تحالف الهند مع الولايات المتحدة ضد الصين. فالهند ما تزال تلتزم جانب الحذر فيما يتعلق بقضية تايوان خوفاً من استفزاز الصين، ودفعها نحو ممارسة المزيد من الضغط في النزاع الحدودي أو في المناطق الهندية المضطربة، مثل كشمير وشمال شرق الهند. كما أن اعتماد الجيش الهندي على السلاح الروسي يساهم في إبطاء هذا التحول، إضافة إلى أن الهند لا ترغب في دفع روسيا للتخلي عن حيادها النسبي، وتحولها نحو الصين في حال نشوب أي أزمة صينية هندية جديدة. كما تشكِّل القوانين واللوائح الاقتصادية الهندية التي تميل نحو الحمائية عائقاً آخر أمام المزيد من التعاون الاقتصادي والتكنولوجي مع شركائها الغربيين.

لقد تسببت الصين، من خلال إجراءاتها التي اتخذتها إبان النزاع الحدودي الذي وقع عام 2020، في كبح -إذا لم يكن إجهاض- سنوات من العمل على تعميق العلاقات الصينية الهندية، ودفعت الهند نحو شراكات مع العديد من الدول المنافسة للصين.

وقد تطرق وزير الخارجية الهندي مؤخراً إلى النطاق الواسع للمنافسة بين البلدين، ورسم رؤية مختلفة تماماً لآسيا عن تلك التي اقترحتها بكين.

اقرأ أيضاً: الهند من التحفظ الاستراتيجي إلى إعادة الضبط الاستراتيجي في غرب آسيا

ولا بد لشركاء الهند، بمن فيهم الولايات المتحدة، من النظر بكثير من البراغماتية إلى المدى الذي يمكن أن تمضي إليه الهند في دخولها في تحالفات ضد الصين، وعلى مدى ما يمكن أن تقدمه في منطقة المحيطين الهندي والهادي. وعليهم أن يدركوا أنه على الرغم من أن الهند قد تنافس الصين، فإن هذه المنافسة لن تكون بالطريقة نفسها التي تتبعها الولايات المتحدة واليابان.

لا شك في أن الهند سوف تقود سفينتها بنفسها، ولكنها تسير في اتجاه القوى المهتمة في موازنة قوة ونفوذ الصين في المنطقة والعالم بشكل عام.

♦زميلة أولى في برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينز ومؤلفة كتاب “المثلث المشؤوم”.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة