الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

الصيام في الديانات السماوية.. نهج الرُّسل والأنبياء

كيوبوست

مع أن الصوم استُخدم في البداية كأسلوب علاجي؛ فقد كان أبو الطب الإغريقي أبقراط، خلال القرن الخامس (ق.م)، أول مَن اقترحه كعلاج للمرضى ممن يعانون أعراضاً مرضية محددة، إلا أنه مورس في ما بعد كطقسٍ روحاني في الديانات بشكل عام؛ ومنها الديانات السماوية، التي اعتمد أنبياؤها ورسلها الصوم والعزلة كأداة للتقرب من الله والحصول على الرسالات والوحي.

والصيام هو امتناع الصائم جزئياً أو كلياً عن الطعام والشراب لفترةٍ زمنية معينة، أو عن نوع معين من أنواع الطعام أو الشراب، أو ممارسات محددة كارتداء ملابس ما أو الحلاقة أو العلاقة الجنسية.. وأيضاً فترة انقطاع عن الشهوات الجسدية كالطعام والجنس، والشهوات الروحية.

محاسبة الذات

أثناء انتظاره الوحي على جبل سيناء، صام النبي موسى، 40 يوماً و40 ليلة، وهناك تلقَّى ألواح الوصايا العشر، التي يعتقد اليهود أن الله كتبها للنبي موسى، واحتفالاً بذلك يصوم اليهود في يوم الغفران المقدس (يوم كيبور)، وهو اليوم العاشر من الشهر الأول في التقويم اليهودي (شهر تشريه).

لوحة “صلاة اليهود في الكنيس في يوم كيبور” للرسام ماوريتسيو جوتلب

كما يصومون خلال يوم “تيشا بآف”، الذي يصادف، وفقاً للمعتقدات اليهودية، ذكرى خراب الهيكل، وفي كلا اليومين يمتنعون عن الشراب والطعام والعلاقات الجنسية لمدة 25 ساعة، كما يصوم اليهود أياماً أخرى غير إلزامية؛ كصوم العريس والعروس قبل زفافهما بيوم.

وقد نص العهد القديم على الصيام “ارجعوا إليَّ بكل قلبكم وبالصوم والبكاء والنوح، ومزقوا قلبكم لا ثيابكم، وارجعوا إلى الرب إلهكم؛ لأنه هو حنَّان ورحيم، بطيء الغضب، كثير اللطف، يتوب عن الشر”.. يوئيل (2: 12-13).

 اقرأ أيضًا: ترجمات: أحدث الديانات الكبرى في العالم.. اللادينية

أما عن الهدف من الصيام، فهو محاسبة الذات في محاولة للتكفير عن الذنوب، عبر النأي بالنفس عن الأمور الدنيوية والانشغال بالروحانيات؛ لذلك تُعطَّل كل المرافق خلال يوم الغفران، ويتجنب الصائمون أيضاً ارتداء الحذاء المصنوع من الجلد والتطيب والاغتسال.

شروط مختلفة

كما النبي موسى، صام النبي عيسى لمدة 40 يوماً، ومع نهاية أيام صومه تلك وبينما كان يشعر بالجوع، خاض صراعاً مع الشيطان، الذي حاول أن يضعه بأكثر من اختبار؛ لكن يسوع تمكن من التغلب على الشيطان، وأصبح قادراً بعدها على تعليم الإنجيل وقراءته.

وفي الديانة المسيحية تختلف شروط الصيام حسب كل طائفة؛ فمثلاً في الأرثوذكسية الشرقية، توجد أربعة أوقات رئيسية للصيام خلال السنة؛ من ضمنها الصوم الكبير، وخلاله يتوقف الصائمون عن تناول اللحوم ومنتجات الألبان والبيض، بينما يُسمح باستهلاك زيت الزيتون فقط في عطلات نهاية الأسبوع، ويعتبر الصوم عند الأرثوذكس نظاماً يحمي النفس البشرية من الشراهة والإفراط في الاستهلاك، ويرافق  صومهم الزكاة والصلاة.

فسيفساء “Temptations of Christ”

أما الروم الكاثوليك فيصومون عبر خفض كمية الطعام إلى وجبة واحدة كاملة ووجبتَين صغيرتَين (صباحاً ومساءً)، ويتم الامتناع عن تناول اللحوم بشكل كلي في أيام محددة، والامتناع عنها جزئياً عبر تناولها مرة واحدة فقط خلال اليوم.

من جانبهم، رفض البروتستانت الأوائل الصيام؛ لكن تلك الممارسة تنتشر بينهم على نطاق واسع اليوم، على اعتبار أنها تجربة روحية مهمة. وعلى الرغم من ذلك؛ فإنه تختلف أوقات الصوم بين الكنائس البروتستانتية، فمثلاً يلتزم اللوثريون بالصوم الكبير، بينما يصوم الميثوديون المتحدون من الاثنين إلى الثلاثاء، ومن الخميس إلى الجمعة، من غروب الشمس إلى غروب الشمس.

ويتمتع الأسبوع الأخير من الصوم الكبير بقدسية استثنائية ويُسمى “Passiontide”؛ إذ يتفرغ المسيحيون خلاله للتفكير في معاناة وتضحية يسوع.

ركن أساسي

لشهر رمضان مكانة خاصة لدى المسلمين؛ فخلاله نزل الوحي جبريل لأول مرة على الرسول محمد، خلال اعتكافه في غار حراء لمدة شهر؛ لذلك يتوقف المسلمون عن تناول الطعام والشراب؛ بما في ذلك الماء، والعلاقات الجنسية، من الفجر حتى غروب شمس كل يوم من أيام شهر رمضان، الذي يستمر لمدة 29- 30 يوماً متواصلة، بالإضافة إلى وجوب الامتناع عن العادات السيئة؛ كالكذب والغيبة والشتم..

بينما يصوم المسلمون أياماً أخرى غير إلزامية، كأيام الاثنين والخميس، متبعين بذلك سُنَّة نبيهم، إضافة إلى أيام 13 و14 و15 من كل شهر قمري، ويوم عاشوراء العاشر من شهر محرم، ويوم عرفات اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، وستة أيام من شهر شوال، حسب التقويم الهجري.

شاهد أيضاً: ليالي رمضانية.. يا رب يا عالي

ويعتبر الصيام ركناً أساسياً من الأركان الخمسة للدين الإسلامي، وفرضاً يجب على المسلم البالغ تأديته بأمرٍ من الله، وله أهداف أهمها، حسب المعتقدات الإسلامية؛ التقرب إلى الله عبر ممارسة طقوس العبادة كالصلاة والذكر والدعاء.. إلخ، ومقاومة الرغبات والسيطرة على الشهوات، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال حديث الرسول محمد مخاطباً الشباب في سن الزواج: “مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم”، ويعد الصيام فرصة للتجمعات العائلية من خلال الموائد، ومحاولة للشعور بمعاناة الفقراء.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة