شؤون عربية

الصوفية في الأردن: مستقبل غامض وعلاقة ملتبسة بالدين والسياسة

ما هي أوضاع الحركة الصوفية في الأردن؟ وإلى أين تسير؟

خاص كيو بوست – مصطفى أبو عمشة

يرتبط الأردن ارتباطًا وثيقًا من الناحية التاريخية والثقافية بالتصوف، ويشهد -بطبيعة الحال- انتشارًا واسعًا للطرق الصوفية، على رأسها الطرق الشاذلية والقادرية والرفاعية والخلوتية-الرحمانية. ومع ذلك، لا توجد أرقام وإحصائيات دقيقة عن أعداد المنتمين إلى تلك الطرق، لكن بعض التقديرات تذكر أنهم يصلون إلى بضعة آلاف، منتشرين في أنحاء مختلفة في الأردن، خصوصًا إربد والزرقاء وعمان.

وتعتبر الطريقة الشاذلية إحدى أشهر الطرق الصوفية في الأردن، وتتخذ لها زوايا ناشطة عدة، ولها مسميات عديدة منها الطريقة الشاذلية-الدرقاوية، التي يتزعمها الشيخ أحمد الردايدة، الذي يملك زاوية خاصة يستقطب من خلالها المريدين والأتباع في منطقة كفر يوبا بمدينة إربد.

اقرأ أيضًا: هل تعيد استقالة بني ارشيد ووفاة زعيم “الصقور” رسم مستقبل “إخوان الأردن”؟

ويعد الشيخ محمد سعيد الكردي الذي استقر في الأردن في أربعينيات القرن الماضي أحد أهم شيوخ الصوفية في الأردن، فقد كان شيخًا للطريقة الشاذلية-الفيلالية، وانتشرت زواياه في مختلف مناطق الأردن عام 1950، على رأسها محافظة إربد، تحديدًا في البارحة والصريح وبيت راس.

أحمد الردايدة

وبعد موت الشيخ الكردي عام 1972، تعاقب الشيوخ الصوفيون على زوايا الشاذلية في إربد، تصدرهم الشيخ عبد الرحمن الشاغوري، ومن بعده الشيخ عبد الكريم المومني، ومن بعده الشيخ عبد الكريم عرابي الذي أقام زوايا في كل من حكما ومادبا وسحاب والطفيلة وعمان.  

لا تزال زاوية الشيخ محمد سعيد الكردي الأكثر نشاطًا وحيوية في الأردن، فهي تعد الزاوية الأهم للطريقة الشاذلية، التي يقوم على خدمتها في الوقت الحالي ابنه إسماعيل الكردي، وعمرها قد تجاوز أكثر من 70 عامًا.

وعلى الرغم من أنّ عمر الصوفية في الأردن يعدّ طويلًا مقارنة بالحركات والتيارات الدينية الأخرى -يرجعه البعض إلى قبل تأسيس الدولة الأردنية الحديثة وتحديدًا أيام الدولة العثمانية، لكن البعض الآخر يرجعه إلى عهد الصحابة؛ أي قبل أكثر من 1400 عام- إلا أنّ هذا الإرث التاريخي الطويل لم يشفع في إيجاد صورة نمطية إيجابية عن الصوفية داخل المجتمع الأردني، بخلاف ما هو عليه في دول المغرب العربي وسوريا والعراق والسودان.

 

إقبال ضعيف على التصوف

يؤكدّ شيخ الطريقة الدرقاوية-الشاذلية في الأردن أحمد حسن الردايدة في حديثه الخاص مع موقع “كيو بوست” أن إقبالًا ضعيفًا تشهده الحركة الصوفية في المملكة، مقارنة بتلك الدول التي لا تنظر إلى أهل التصوف بنظرة سلبية أو على أنّهم “مجموعة من الدروايش”، مشيرًا إلى أنّ ثقافة التصوف في تلك الدول منتشرة بشكل كبير بخلاف الأردن الذي يغلب عليه العزوف عن هذه الثقافة، مع أنّ الأردن له علاقة تاريخية وثقافية كبيرة بالتصوف تعود إلى عهد الصحابة.

ويرى الردايدة بأنّ “التصوف يعني بالدرجة الأولى تزكية النفس وإصلاح علاقة العبد مع الله، إضافة إلى التأكيد على محبة آل البيت الذي هو رأس التصوف” على حد تعبيره، مؤكدًا بأنّ هذا هو سرّ تمسك الشعب الأردني بالعائلة الهاشمية؛ “فحتى وإن تراجعت ثقافة التصوف بين الأردنيين، إلا أنّ هناك مفاهيم تبقى حاضرة من ضمنها محبة آل البيت وتقديرهم”.

اقرأ أيضًا: إلى أين يتجه المشروع “الجهادي” في الأردن بعد تراجعه في المنطقة؟

وحول مستقبل الصوفية في ظل الأحداث السياسية في العالم العربي، يطالب الردايدة بضرورة تشجيع وتبني الدولة الأردنية للمنهج الصوفي، مشددًا على أنّ ثقافة التصوف هي السد المنيع في مواجهة الأفكار المتطرفة والمنحرفة، وهذا يتطلب دعمًا على المستوى الرسمي في ظل التخبط السياسي التي يشهدها العالم العربي بعد موجة “الربيع العربي”، مشددًا على أنّ المنهج الصوفي هو انعكاس حقيقي للإسلام الوسطي والمعتدل. 

ويختم الردايدة بالتأكيد على أنّ هناك عقبات حقيقية تقف في وجه نشر الطرق الصوفية، على رأسها تقصير الجهات الرسمية المعنية كوزارة الأوقاف والثقافة ودار الإفتاء العام، التي تتحمل المسؤولية في تراجع ثقافة التصوف، مهيبًا بأهمية أن تتحمل كل جهة مسؤولياتها حيال هذا الأمر، إذ أن هناك آثارًا ومعالم ثقافية ودينية تؤكدّ أنّ للتصوف جذوره القديمة والتاريخية في الأردن، لا تجد رعاية واهتمامًا كافيًا من قبل هذه الجهات.

 

التصوف في الشمال الأردني

وفي سياق متصل، يرى الداعية، الناشط الصوفي، مصطفى أبو رمان، بأنّ التصوف في الأردن ينتشر في المحافظات الشمالية أكثر من الجنوبية والوسطى، بحكم قربها من بلاد الشام، مشيرًا إلى عدم القدرة على إحصاء أعداد أتباع الصوفية في الأردن. ويضيف بأن أفضل طريقة لمعرفة أعدادهم هي متابعة احتفالات المولد النبوي لأنها تجمع جزءًا كبيرًا من الأتباع، مؤكدًا بأنّ أكثر الطرق انتشارًا هي الطريقة الشاذلية في محافظة إربد.

مصطفى أبو رمان

وعن أسباب ابتعاد الصوفية في الأردن عن الخوض في المسائل السياسية والمسائل الشرعية المرتبطة بها، يؤكدّ أبو رمان بأنّ الجوانب السياسية لا تتفق مع السلوك الصوفي، إذ أنّ المريد والسالك في طريق الصوفية مراده الله؛ معرفته وعبادته، وتزكية النفس وتربيتها، مضيفًا بأنّ تجربة سابقة تمثلت في خوض شخصيتين غمار السياسة وترشحهم للانتخابات، هما ليث شبيلات ويعقوب قرش، وكلاهما محسوبين على الطريقة الشاذلية.

كما أنّ الطرق الصوفية في الأردن يغلب عليها طابع الطقوس والزوايا أكثر من الطابع الفكري والفلسفي، وهذا ما يوضحه أبو رمان في حديثه الخاص مع موقع “كيو بوست”، معتبرًا بأنّ الطقوس هي جزء مهم في الطريقة الصوفية على اعتبار أنّها أساس سلوك المريد؛ فهي “ذكر وحضور وحالة هيام يخرج بها المريد من حالة الغفلة إلى اليقظة والذكر، ثمّ إلى التنشيط الروحاني”، مشيرًا إلى أنّ بعض مشايخ الصوفية في الأردن كانوا يوجهون تلاميذهم إلى هذه الطريقة، أمثال الشيخ عبد القادر الشيخ، لكنّه لم يرق إلى درجة مدرسة فكرية وبحثية كالمدرسة السلفية.

 

الصوفية تعاني من التشتت والخلاف

وعلى ما يبدو، فإنّ الحالة الصوفية في الأردن تعاني من التشتت والخلاف بين أقطابها ورموزها، إذ فشلت كل المحاولات والمساعي في إطلاق مجلس أعلى للتصوف يجمع كل الطرق الصوفية. ويؤكد أبو رمان أنّ ذلك يعود إلى سببين رئيسين: الأول يتعلق بذات أهل التصوف في أنّهم لم تصلهم الفكرة جيدًا عن المجلس ونشاطه وأفكاره ومقاصده وأهدافه.

اقرأ أيضًا: هل سيحسم الأردن علاقته بجماعة الإخوان أسوة بدول المنطقة؟

أما السبب الثاني فهو في السؤال المطروح حول من يريد بناء هذا المجلس (الديوان الملكي أم الأجهزة الأمنية)، ومن يستطيع تكليف شخص ذي علاقة طيبة بالجميع، وله باع طويل بالتصوف، ولديه الاستعداد العلمي والثقافي والاجتماعي، ويكون مهيأ لهذه المهمة التي تتمثل بالتحضير على الأقل للمجلس وعقد اجتماع لمشايخ الطرق، مشددًا على أنّه لا بد من سلطة عليا تأمر المشايخ بالالتزام مع المكلف بذلك.

 

مجلس صوفي أعلى

مستقبل الطرق الصوفية في الأردن لا يزال قاتمًا، خصوصًا بعد أجواء الربيع العربي وفشل مشروع “الإسلام السياسي”، لكن سؤالًا يبقى مطروحًا مفاده هل سيبقى طابع الصوفية في الأردن سلميًا-روحيًا، بعيدًا عن المؤثرات السياسية، وما هو تأثير أحداث الربيع العربي عليه. عن مثل تلك الأسئلة، يجيب أبو رمان بأنّ حالة التصوف في الأردن ستبقى على حالها ما لم تتهيأ الظروف لغير ذلك، بما في ذلك توفر عالم رباني عارف يغير حالهم من الطقوس إلى العمل بالعلم والفكر.

ويهيب أبو رمان بأهمية سعي الصوفية في الأردن لتشكيل مجلس صوفي أعلى، بدعم من النظام السياسي، وعقد اجتماعات دورية ينشطون من خلالها في مواجهة التحديات الفكرية والاجتماعية، ومواجهة الإعلام المضلل والمنابر المشتغلة ضد ظاهرة التصوف، التي تصفها على أنّها بدع وضلالات وخرافات.

ويشدد الداعية الصوفي على أنّ ثورات “الربيع العربي” أثرت على كل الاتجاهات الإسلامية الدعوية والسياسية والصوفية، فأصبح الناس في حيرة من معرفة الحق السياسي. ويضيف: “مع ذلك، فإنّ الصوفية والأشاعرة في الأردن لهم مدرسة فكرية تجديدية على مستوى العالم، منطلقة من الأردن بقيادة عالم العقيدة والحديث حسن السقاف، الذي انتشرت مؤلفاته في كل العالم الإسلامي”، منوهًا إلى وجود عقبات وتحديات تقف حجر عثرة في تحديد مستقبل الصوفية ومسار تطوره في المملكة.

عون قدومي

لكن الداعية الإسلامي الصوفي، المشرف العام على معهد المعارج للدراسات الشرعية، عون معين القدّومي، لا يرى ضرورة في ذلك؛ إذ “أن الحالة الروحية أكبر من أن تُختزل في حزب أو جمعيَّة أو مجلس أو إطار، فالصوفية ليست جزءًا من معادلة صراع في معارك الأضداد؛ الصُّوفية حالة روحية نظيفة هدفها الأساسي هو الرضوان الكبير من الله سبحانه وتعالى ومتابعة النبي ﷺ وتأمين الحياة الكريمة والمساهمة في تأمين المجتمعات ومحاولة تأسيس منهج سلامة ينشر ثقافة المحبة”.

وأكد القدومي في تصريحات خاصة إلى كيو بوست على ضرورة أن “يُـركِز فكر الاعتدال بعيدًا عن التطرف والأذى، وبعيدًا عما من شأنه أن يسهم في إضعاف الصف المسلم أو يتسبب في الدخول في وهن الأفكار والمشاعر أكثر مما هو حاصل في أمة محمد ﷺ، ونحن نحتاج فعلًا أن يلتقي القادة الروحانيون على قواسم مشتركة وإطار جامع يناسب حالة المؤسسية التي يعيشها العالم، مع حفظ الخصوصيات لأهل الطرائق والمشارب”.

 

حمل تطبيق كيوبوست الآن، من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة