الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

الصوفية.. روح دمشق الباقية

احتضنت دمشق الصوفية منذ القدم وحتى الآن رغم محاولات المتطرفين المتواصلة للقضاء عليها

كيوبوست – سالي علي

للصوفية حضورها الاجتماعي والسياسي في سوريا؛ فهي تعود إلى مئات السنين، وقد ترسخت قيمها وطقوسها وأشهر أعلامها في دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية وطرطوس وكذلك إدلب والمنطقة الشرقية؛ أي في غالبية أرجاء سوريا، فأصبحت مقصداً للناس؛ حيث يطلبون الدعاء في مقامات الشيوخ المتصوفين ويقتربون من الله، عز وجل، عن طريقهم؛ فقد كانوا بمثابة قبس نور يلهم إلى الإيمان والاقتراب من عبادة الله والابتعاد عن المشكلات. كان الشيوخ يحلون النزاعات والمشكلات ويهدون الناس إلى طريق الحق بتهدئة النفوس وإرشادها للسلام الداخلي، ولهم احترامهم الشديد ومكانتهم المرموقة في المجتمع السوري.

 اقرأ أيضاً: المؤرخ بوتشيش: هذه حقيقة الزوايا الصوفية في المغرب

بذور الصوفية في سوريا

لقد حكمت الصوفية بشكل غير رسمي في عدة مدن عربية، وقد كادت تُعلَن مذهباً رسمياً ومرجعية للناس من قِبل الدولة العثمانية في زمن السلطان عبدالحميد الثاني.

علَّمت الصوفية أهل سوريا عموماً ودمشق خصوصاً أن الله موجود في كل مكان، وأنه على المؤمنين أن يحبوه أكثر من أن يخافوا منه.

استمدت الصوفية أصلها من القرآن الكريم والسُّنة النبوية مع اجتهاد العلماء، وقد كانت دمشق مثالاً وموطناً للنقيضَين؛ وعلى رأس القائمة يأتي الشيخ محيي الدين بن عربي وابن تيمية، فقد عاشا ودُفنا في عاصمة الأمويين؛ أحدهما رمز للسلفية المتشددة والآخر منبر للصوفية المتنورة، وأيضاً صلاح الدين الأيوبي هو المتصوف الأكثر شهرة في دمشق؛ فهو الذي دخل القدس ولم يهدم كنيسة واحدة ولم يأمر بقتل مسيحي واحد، وكذلك المتصوف الشاذلي السلطان عبدالحميد الثاني، الذي كان شيخه الدمشقي “محمود أبو الشامت”، يشور عليه بشتى أمور الحكم والفقه والحياة.

عبدالحميد الثاني       صلاح الدين الأيوبي

احتضنت دمشق الصوفية وتعتبر أرضاً وموطناً لممارستها منذ القدم وحتى الآن رغم محاولات المتطرفين والمجموعات الإرهابية المتطرفة أن تحاربها وتحاول محو وجودها وقلع جذورها؛ كونها لا تتشابه مع معتقداتهم، بل تدعو إلى السلم والسلام وعدم التفريق بين الأديان والأهم احترام الآخر وتقبله؛ لأننا جميعاً بشر نؤمن بذات إلهية واحدة. إن الصوفيين ينادون بالمحبة والسلام؛ شعور الكره لأي شخص مرفوض عندهم بالمطلق، فهم لا يحتكرون الله أو طريقة الوصول إليه ولا يكفِّرون أحداً، لذلك وجدنا كيف شكلت الصوفية خطراً كبيراً على تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا مع بداية تصاعد غبار الحرب عليها من عام 2011، ورغم جميع محاولاتهم فشلوا في بناء مستوطنهم المتطرف والبعيد كلياً عن هوية دمشق عاصمة التاريخ الأولى وحاضنة الصوفية.

اقرأ أيضاً:  إمام مسجد باليرمو يسعى لنشر التصوف الصحيح في مواجهة التطرف

وقد حاور “كيوبوست” أستاذ الشريعة الإسلامية في محافظة دمشق، محمد صقر، عن الفرق بين ابن تميمة وابن عربي، ليجيبنا بأن المعلم الأكبر ابن عربي قد ترك أثراً جميلاً وكبيراً في نفوس الدمشقيين؛ بسبب اعتداله الروحاني في إسلامه والبعيد كلياً عن العنف، فقد احتضنته دمشق وتباركت الناس باسمه وعلمه ومقامه، كما ذكر لنا أنهم تخليداً له قد سمُّوا حياً كاملاً بحي الشيخ محيي الدين، كما أنهم بنوا له جامعاً ودُفن بجواره العديد من المحبين؛ وعلى رأسهم الأمير عبدالقادر الجزائري، سنة 1883.

اقرأ أيضاً:  الصوفية تيار احتضن المرأة بعد أن نبذها الفقهاء (2-2) 

وأشار الأستاذ محمد صقر إلى أن ذلك الحب والتقدير كان على عكس شيخ الإسلام ابن تيمية؛ والذي رفضت دمشق في تلك الحقبة الزمنية أفكاره القاسية، فصدَّرت أفكاره إلى الصحراء العربية، حيث لاقت هناك رواجاً واسعاً، لأنها على حد وصفه تشبه الصحراء بقسوتها وجفافها.

ثم أضاف متباهياً أن دمشق تشبه أفكار ابن عربي، والصوفية تشبه دمشق؛ فهي منفتحة على الآخر، مرنة وقابلة للتعايش مع الحداثة والمتغيرات.

لوحة الدراويش للفنان عبدالمحسن الخانجي

وقال خاتماً لـ”كيوبوست”: ما المانع لو أننا جميعنا سرنا بطرق مختلفة ما دامت تؤدي إلى المحبوب؟

لقد شكلت الصوفية حالة هروب من الوحدة التي كان يشعر بها المرء بعد انسلاخه من محيطه إلى حالة وحدة من نوع آخر، فوجد في المحبوب ملاذاً وكهفاً آمناً لارتعاشات ضياعه، ذلك أن الإنسان متى ما خرج، أو تمرَّد، أو ابتعد عن مجموعة بشرية، أو عقائدية، أو فكرية تجده يشعر بالحرية والخلاص، كما تراه يشعر وكأنه ريشة في مهب الريح تتلقفه الأعاصير أنَّى شاءت دون أن يشعر بالانتماء، ودون أن تكون جذوره عائدة إلى تربة ما، ليبدأ الارتداد العكسي ويبحث لنفسه عن رمز، أو أيديولوجية، تمنحه الأمن وتشعره أنه مرغوب به، وهو بالضبط ما تقوم به الصوفية؛ ولكن مع ما التصقت بالصوفية من عادات هي أبعد عن روحها، لو جُرِّدت مما يكسوها من الشوائب والزوائد لكانت النقطة المشتركة لكل مَن يريد قرب الإله مهما كانت طائفته وعرقه وديانته؛ لأن الصوفية هي دين المحبة والعشق للذات، وبالتالي للخالق؛ خالق الذات نفسها.

شاهد أيضاً:  فيديوغراف.. الصوفية تعود إلى الضوء في ليبيا

المدرسة الصوفية الدمشقية

وعند هذه النقطة من الحديث عن الصوفية استطلع “كيوبوست” رأي فضيلة شيخ، من قرى الدريكيش التابعة لمحافظة طرطوس، احتفظ بذكر اسمه، وأخبرنا عن نشأة المدرسة الصوفية وكيف كانت تعتبر من أولى المدارس التي نشأت في بلاد الشام، وقد اتخذت من المساجد ركناً أساسياً لممارسة نشاطها، وقد قامت المدارس على تعليم وتدريس الشريعة الإسلامية بمختلف علومها من تفسير وحديث وفقه ولغة، وكذلك أصول الدين، بالإضافة إلى كتب المتصوفة الكبار.

كما أنه ذكر لنا أن الطرق الصوفية الأم قد انتشرت بدايةً في سوريا، ومن ثمَّ تفرع عنها باقي الطرق الصوفية، كما أشار إلى أن الصوفية قد ازدهرت في ما بعد عصر الراشدين؛ حيث نشأ تيار تربوي وعظي زهدي؛ تحول في ما بعد إلى ما نعرفه حالياً ونتحدث عنه بالتيار الصوفي.

ابن الفارض    السهرودي    ابن عربي

ومن أهم آباء الصوفيين الروحيين في سوريا نذكر: شهاب الدين السهرودي؛ وهو صاحب الإشراقات، مقامه يوجد في مدينة حلب، ومحيي الدين ابن عربي، الذي يوجد مقامه في حي الصالحية بمدينة دمشق القديمة، وابن الفارض، وهو شاعر صوفي وصاحب قصيدة البردي.

وللطقوس الصوفية قيمة روحية متمثلة بالعبادات جوار المقام، وكذلك لها قيمة تاريخية؛ فهي جزء من التراث الثقافي والاجتماعي في سوريا عموماً. ومن أهم تلك الطقوس ما يُسمى بالحضرة؛ وهي عبارة عن وجود للصوفيين في زوايا من المقام يذكرون الله في الدعاء مع بعضهم البعض، متشابكين في الأيدي، واقفين أم جالسين كانوا؛ يمسكون بأيديهم المسبحة أو الحصا، وهي عادات قديمة توارثوها وما زالوا محافظين عليها.

اقرأ أيضاً: المغرب يجذب صوفيي العالم ويراهن على “الدبلوماسية الروحية”

ومن الطقوس أيضاً الذكر الجماعي والإنشاد والمناهج العلمية؛ حيث يأتي التلاميذ أو ما يُقال عنهم المريدون ليتعلموا أصول الصوفية، وكي يتعلموا الإنشاد من شيخهم أو مريدهم.

وهناك ما يُعرف أيضاً برقصة المولوية؛ وهي طقس من طقوس الذكر التي تقوم على الموسيقى والغناء والحركة الدائرية التي تؤديها مجموعة من الناس، انتشرت المولوية في الدول العربية والإسلامية انطلاقاً من تركيا.. عُرفت المولوية في سوريا؛ خصوصاً في حلب ودمشق، وما زال هناك مَن يمارسها حتى اليوم؛ بل أضحت نوعاً من الفلكلور الذي تقدمه الفرق المختصة على مسارحها وبعض مسارح العالم، حيث تقوم المولوية على الفتلة التي تتدرج بالسرعة؛ في محاولة من الذي يؤديها إلى الاندماج الكلي بالذات الإلهية. وللمولوية قواعد ووسائل يشير إليها الشيخ عبدالغني النابلسي، في كتابه (العقود اللؤلؤية في طريق السادة المولوية)، مؤكداً أنه لا يجوز أن يقترن مجلس المولوية بشيء من المنكرات. والمقصود منها فقط هو مجرد السماع ترويحاً للقلوب وتنشيطاً للسلوك؛ باستعمال الناي والدفوف وما إليها.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

سالي علي

كاتبة سورية

مقالات ذات صلة