الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

الصوفية تيار احتضن المرأة بعد أن نبذها الفقهاء (1-2)

يكفي أن نستحضر دور رابعة العدوية في تركيز دلالات تجربة الحب الإلهي لندرك حجم تأثير التصوف النسائي في تاريخ التصوف

كيوبوست- فاطمة بدري

ظلت المتصوفة رابعة العدوية الاسم البارز والحاضر دائماً كلما فُتح الحديث عن المتصوفات في الإسلام؛ نظراً للمكانة الكبيرة والرفيعة التي حظيت بها في تاريخ التصوف الإسلامي. ولكن رغم أحقية رابعة العدوية بكل ما نالته من اهتمام وتبجيل من قِبل الدارسين والباحثين ورغم تأثيرها الكبير على أجيال كثيرة من المتصوفة؛ فإنها لم تكن استثناء نسائياً في عالم التصوف، إذ تتربع على عرش التصوف سيدات أخريات كان لهن عميق الأثر في ميدان يُحسب أنه حكر على الرجال على مدار التاريخ الإسلامي؛ حتى إن شيخ الصوفية الأكبر محيي الدين بن عربي (توفي 638ه) قد أقر بقيمة بعض المتصوفات اللاتي قابلهن في رحلته الطويلة وتتلمذ على يدهن وجعلنه يبجل المرأة ويساويها بالرجل على خلاف بقية الأنساق الدينية. حضور مهم وواسع للمتصوفات ممتد زمانياً ومكانياً؛ دفع الدارسين والباحثين في المحيطَين العربي الإسلامي والغربي للغوص في التجربة الصوفية النسائية والوقوف على كيفية اختراق المرأة لهذا الفضاء وتميزها فيه رغم المعوقات الاجتماعية والدينية التي ظلت دائماً تضع القوالب الجاهزة لتقييد وإزاحة المرأة مقابل تصدر الرجل. 

اقرأ أيضاً: أثر البيئة الإسلامية والتصوف في شعراء حضرموت

منذ بداية التاريخ الإسلامي ظل الفقهاء ورجال الدين يضعون الضوابط والقواعد الصارمة التي جعلت المرأة غير مؤهلة في نظرهم لمنافسة الرجل في تقلد مهام دينية، وكرسوا جملة من الأفكار التي صورت النساء في مراتب دونية، أسهمت في إبعادها قسرياً عن هذه المساحة، مستدلين في ذلك بما تمليه ظواهر الشريعة من قبيل أنهن ناقصات عقل ودين، وغيرها التأويلات الضيقة والمحدودة للنصوص القرآنية التي نجح الفقهاء في تجذيرها منذ السنوات الأولى لنشر الإسلام. في المقابل كان المتصوفة، ينظرون إلى باطن الشريعة وجوهرها، ويؤمنون بأن التجربة الصوفية في جوهرها محاولة لتجاوز حدود التجربة الدينية العادية، التي تقنع بالعادي والمألوف من مظاهر التصديق والإيمان، وتقتصر على مجرد الاكتفاء بالتكاليف الشرعية والامتناع عن المحرمات الدينية، ولهذا كان تيارهم (التصوف) بمثابة الفضاء الرحب المفتوح أمام كل الباحثين عن الله انطلاقاً من داخله متحرراً من كل تلك الضوابط والقيود التي كرسها الفقهاء ورجال الدين. شكل هذا الانفتاح الصوفي فرصة مهمة للمرأة لتثبت وجودها داخل هذا الفضاء الديني الرحب ولتتحرر من تلك المساحة الضيقة الدونية التي خصها بها الفقهاء. وفعلاً استطاعت أن تخوض تجربتها الفردية الخاصة التي حملتها للتواصل المباشر مع الله دون التأثر أو الخضوع لحراس الشريعة بمختلف تشكيلاتهم بعد أن وجدت في التصوف القبول الذي فقدته من قبل الفقهاء. مساحة رحبة وفرها تيار التصوف للنساء جعلت مسألة التمايز بين الأنوثة والذكورة داخله تكاد تكون منعدمة رغم وجودها بل وبالإمكان التغاضي عنها أيضاً، كما يرى عدد من الباحثين. كما أتاح التدين الصوفي للمرأة موقعاً متميزاً لم تنله مع بقية الأنساق الدينية، ولهذا استطاعت العديد من النساء العابدات الانعتاق والتحرر التام في ممارستهن للأنشطة الصوفية، فخضن رحلات بعضها طويلة بحثاً عن مشايخ الطريق ولقاء إخوان الطرق غير عابئات بقيود الشريعة التي تحرم الخلوة بين رجل وامرأة غريبين، مؤمنات بأحكام الصوفية وجوهرها التي تذهب للقول إنه في العلاقة الروحية تغيب أحكام الجسد وفروق الجنس.

رابعة العدوية الصوفية الأبرز على مدار التاريخ الإسلامي- (صورة من غوغل)

الباحث التونسي المختص في التصوف صابر السويسي، أكد بدوره أن المرأة كانت حاضرة بقوة ولها تجربتها الصوفية الخاصة التي قوبلت باستحسان ومباركة كبار أعلام التصوف.

ويقول في حديث إلى “كيوبوست”: “أعتقد أن المرأة لم تكن غائبة عن بقية الأنساق الدينية؛ ولكن ربما تكون طبيعة المصادر التي وصلتنا كانت سبباً في تغييبها أو عدم ذكرها بالصيغة التي تبين حقيقة أثرها نظراً لهيمنة الجانب الذكوري عليها، وفي التجربة الصوفية وجود شخصية مثل الزاهدة رابعة العدوية التي اعتبرت رمزاً من رموز التصوف الكبرى وعنواناً للمحبة الإلهية الصافية التي تعد عماد هذه التجربة الروحية. ولا ننسى أيضاً رسالة أبي عبد الرحمن السلمي، في ذكر النسوة المتعبدات الصوفيات؛ وهي دليل على شهرة المرأة في المجال الصوفي وتداول مقالاتها والاعتراف بصلاحها وقدرتها على الترقي في مدارج العرفان. فالمرأة لم تكن مجرد عون أو خادم لزوجها في تجربته الروحية وإنما كانت لها تجربتها الخاصة وحظيت بالقبول لدى مشايخ التصوف وأعلامه الذين باركوا كل إقبال على العبادة وصدق في التوجه إلى الله وسير على منهاج التجربة النبوية؛ ومنهم مَن اعترف برفعة مقامها واتخذها معلمة وشيخة أو مرجعاً يحتكم إليه في بعض المسائل التي قد تعرض له وتشكل عليه من قبيل الحكيم الترمذي (من صوفية القرن الثالث للهجرة) الذي كان يرجع إلى زوجته في شأن بعض المنامات والرؤى التي يلتبس معناها عليه فتوجهه عبر فك إلغازها وتأويلها. بل إن الرموز النسائية القرآنية مثل مريم وزليخة، كانت حاضرة بكثافة في مقالات الصوفية، وكان لهم فيها قراءة مخصوصة جمعت بين الموجب والسالب في النظرة إلى المرأة”.

صابر السويسي

وتابع: “قد يكون الطابع الفردي للتجربة الصوفية من أسباب بروز العنصر النسائي فيها وتسجيل إقباله عليها. وهو ما أكدته بعض الدراسات المختصة في هذا الباب من قبيل المستشرقة آنماري شيمل (Anne Marie Schimmel)، التي ذكرت في كتابها (الأبعاد الصوفية في الإسلام وتاريخ التصوف) أن التصوف كان أنسب فروع الإسلام لتطور أنشطة النساء. وطبيعي أيضاً أن يكون للمؤثرات الاجتماعية والنفسية والتاريخية دور في اختيار جانب من العنصر النسائي التصوف من حيث هو موقف من المجتمع والثقافة والسياسة والاعتقاد”.

اقرأ أيضًا: كيف ساعد التصوف كاتبة عربية في تفكيك فنتازيا الرجل الغربي؟

وحسب السويسي، يكفي أن نستحضر دور رابعة العدوية في تركيز دلالات تجربة الحب الإلهي لندرك حجم تأثير التصوف النسائي في تاريخ التصوف، وكذلك اعتراف محيي الدين بن عربي بفضل فاطمة بنت ابن المثنى القرطبي عليه وخدمته لها سنين وانتفاعه بعلمها. ويكفي أن نستحضر رموزاً أخرى كثيرة أسهمت في نشر التصوف والتعريف به، ولا يخلو من ذلك مصر من الأمصار أو زمن من الأزمنة مثل “للا” أمينة بمدينة فاس المغربية والسيدة عائشة المنوبية بتونس، و”للا” زينب القاسمية بالجزائر التي ترأست الطريقة الرحمانية خلفاً لوالدها، والمتتبع لأخبار الصوفيات يجد أنهن كن فضلاً عن كراماتهن وصلاحهن يفسرن القرآن والرؤى ويقدمن خدمات كثيرة في مجتمعاتهن مثل إعانة المحتاج وشفاء المرضى والتعليم، وطبيعي أن ينعكس ذلك على دور التصوف الاجتماعي والتربوي والسياسي، حسب السويسي.

لقراءة الحلقة الثانية: الصوفية تيار احتضن المرأة بعد أن نبذها الفقهاء (2-2)

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة