الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

الصوفية تيار احتضن المرأة بعد أن نبذها الفقهاء (2-2)

رغم الإقرار بوجود العديد من المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي فإن حضورهن في كتب المناقب والتراجم ظل ضعيفاً مقارنةً بالرجل

كيوبوست- فاطمة بدري

رغم الحضور القوي للمرأة داخل التيار الصوفي ورغم المكانة الرفيعة التي حظيت بها داخل محرابه؛ فإن موقف الصوفيين من المرأة لم يكن دائماً متعارضاً مع التصور الفقهي الرجعي للمرأة، بل كان في غالب التصورات الصوفية متماهياً معه إلى حد كبير. ولهذا قسَّم الباحثون صورة المرأة في الصوفية إلى قسمَين؛ الأول يتزعمه كبير الصوفيين وأشهرهم على الإطلاق ابن عربي، وهو التصوف الفلسفي، والثاني هو التصوف الأخلاقي؛ ففي الأول تكون الأنوثة عنصراً مساوياً للذكورة ومبدأ الحياة الإنسانية كلها، حتى إن ابن عربي قد ساوى بين المرأة والرجل في الإنسانية، وكان يؤمن بأن الإنسانية ليست أقوى في الرجل ولا أضعف في المرأة، وليست المرأة أقل إنسانية من الرجل؛ إنما هي مقسمة بينهما بالتساوي، وقد عبَّر عنها بقوله “أيدك الله أن الإنسانية لما كانت حقيقة جامعة للرجل والمرأة لم يكن للرجال على النساء درجة من حيث الإنسانية”؛ أي أن هناك تطابقاً بين الرجل والمرأة على مستوى الإنسانية لا يكتمل إلا بكليهما معاً. كما يعتبر أن الذكورة والأنوثة الطبيعيتَين مجرد “عرضَين بالنسبة إلى الإنسان، ولا يحق النظر إليهما كمعيارَين للانتماء إلى الإنسانية أو الانحراف عنها”، ويرى في الفعل الجنسي “الدرجة القصوى لذوبان عنصرَي الأنوثة والذكورة بعضهما في بعض؛ أي عودتهما إلى الحالة الأصلية الأولى، وبذلك يتحقق الكمال المطلق حيث يتوحد في هذه الحالة المبدأ الفاعل (الذكورة) والمبدأ المنفعل (الأنوثة)، وعليه ينظر إلى الفعل الجنسي باعتباره فعلاً من أفعال العبادة؛ بل أشرف حالات العبادة”. وبهذا تكون نظرة القطب الصوفي الكبير ابن عربي تجاه المرأة نظرة تقدمية مبكرة منذ القرن السابع الهجري؛ فالمرأة لديه كإنسان مساوية للرجل كإنسان، وكذا متساوية معه في العقل والدين، وهذا يؤكد بدوه إلى أي حد استطاعت المتصوفات التي التقاهن ابن عربي وتتلمذ على يد بعضهن، التأثير على فلسفته وأفكاره وهو ما لم يحدث مع الفقهاء الذين حافظوا على جماد أفكارهم بالنسبة إلى المرأة.

أما التصوف الأخلاقي فهو قريب في نظرته للمرأة من التصور الفقهي الرجعي للمرأة؛ إذ يحصرها في إطار الفتنة والغواية، بل ويعتبرها عقبة أمام بلوغ الولاية والصلاح، ويعادي فكرة حب المرأة والتعلق بها؛ حتى إن كان ذلك عبر الزواج الذي ينظر إليه بعض الصوفية كعائق عن بلوغ الترقي الروحي، وبالتالي فإن المرأة هنا هي شخص يحول دون تحقيق الرجل للكمال وعليه اعتزالها.

اقرأ أيضاً: هل ينجح شيوخ الزهد في مواجهة خطاب الموت والتطرف؟

وهذا ما يؤكده الباحث التونسي المختص في التصوف صابر السويسي، بقوله إن “الدارس لخطاب الصوفية يلاحظ وجود مواقف مختلفة من المرأة قد تصل حد التضارب والتناقض عند الصوفي الواحد أحياناً؛ فمنهم من يتهم المرأة بالقصور والدنس والفتنة ويقرنها بالدنيا والشيطان، ويحذر منها ومن مخالطتها، إلى درجة تفضيل العزوبية على الزواج، وقد يعود أصحاب هذا الموقف إلى تأويل قصة آدم وزوجه في الجنان حين وقعا في معصية ربهما بالإنصات إلى إبليس؛ من ذلك ما نقرأ في كتاب “كشف المحجوب” لأبي الحسن الهجويري: “وفي الجملة: إن أول فتنة قدرت على آدم في الجنة كان أصلها امرأة. وأول فتنة ظهرت في الدنيا -أي فتنة هابيل وقابيل- كانت أيضاً بسبب امرأة. وحين أراد الله تبارك وتعالى أن يعذب اثنين من الملائكة جعل سبب ذلك امرأة. وهن جميعاً إلى يومنا هذا سبب جميع الفتن الدينية والدنيوية”. وهو الموقف نفسه الذي نجده عند أبي القاسم القشيري في قوله: “لما أسكن آدمَ الجنة خلق معه سبب الفتنة، وهو ما أكرمه به من الزوجة”.

ابن عربي الذي غيرت فكره المتصوفات النساء- (صورة من غوغل)

ويضيف: “ومن الصوفية من يرى خلاف ذلك، ويعلي من شأن المرأة إلى درجة الاعتراف لها بالإمامة والولاية وقدرتها على أن تكون مرجعاً في تلقي المعارف والعلوم. وهو ما نظفر به في كتابات محيي الدين بن عربي، الذي يعتبر أن (شهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكمله)، فمحبة النساء من هذا المنطلق ليست سوى ترجمة للمحبة الإلهية. وكثيراً ما يستند الصوفية في هذا السياق إلى الحديث النبوي: (حبب إلي من دنياكم ثلاث: النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة). ولكن هذه المحبة كثيراً ما تنكشف عن رؤية ترتكز على كون المرأة جزءاً من كل هو الرجل؛ وهو ما يعيدنا إلى الموقف الأول وبه يفسر تجاوز اعتبار أنوثة المرأة حين تبلغ درجة الولاية، وتصنيفها ضمن الرجال؛ ففريد الدين العطار مثلاً في كتابه (تذكرة الأولياء) حين سُئل عن سبب إدراج رابعة العدوية ضمن المشايخ الرجال قال (لأنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن الله تعالى لا ينظر إلى صورِكم، ولكنه ينظر إلى نياتكم وقلوبكم).. فإذا كانت المرأة في طريق عبادة الله تعالى كالرجال لا يطلق عليها المرأة؛ بل هي في الحقيقة رجل”. ولكن مع ذلك نؤكد أن المرأة الصوفية كانت محل توقير واحترام وترحيب لا في الوسط الصوفي فحسب وإنما أيضاً عند عامة الناس، إذ كان يسمح لها بحضور مجالس الذكر مع الرجال وكانت أخبار صلاحها تروى وتتداول بين الناس ويطلب منها الدعاء. ولا يقتصر هذا على فترة حياتها بل يتواصل إثر موتها. ويقيم ذلك دليلاً على مكانتها.

اقرأ أيضًا: الصوفية في الأردن.. مستقبل غامض وعلاقة ملتبسة بالدين والسياسة

تغييب المتصوفة عن كتب المناقب

ورغم الإقرار بوجود العديد من المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي والاعتراف بعظيم أثرهن؛ فإن حضورهن في كتب المناقب والتراجم التي دونت منذ قرون طويلة ظل ضعيفاً مقارنةً بالرجل. ويعود ذلك، حسب الباحث صابر السويسي، إلى طبيعة المجتمع والثقافة الإسلامية التي هيمنت عليها النزعة الذكورية وكانت مؤثرة في تحديد ملامحها، أو كذلك عزوف النساء الصوفيات عن الكتابة، وحدود مجال فعلهن الاجتماعي؛ إذ كثيراً ما يكاد ينحصر في الوسط الأنثوي. ومن الأسباب أيضاً أن عدداً من كتب المناقب والتراجم الحاملة لتجارب نساء صوفيات أتلفت أو لم تجد طريقها إلى التحقيق والنشر والدراسة إلى اليوم. ولكن مقارنة بقلة المصادر المعتنية حصراً بتصوف النساء نلاحظ حضور أخبار الصوفيات في كثير من كتب التاريخ والتراجم؛ مثل تاريخ بغداد للخطيب البغدادي وتاريخ دمشق لابن عساكر، وصفة الصفوة لابن الجوزي.. وغيرهم الكثير، فضلاً عن كثافة الدراسات العلمية التي اعتنت بظاهرة التصوف النسوي ونفضت عنها الغبار، وأذكر هاهنا مثلاً الدكتورة سعاد الحكيم، التي كتبت عن “المرأة والتصوف والحياة” وأيضاً عن “المرأة ولية وأنثى”، وكذلك “المرأة في الفضاء الصوفي” وعن السيدة زينب القاسمية في “امرأة على رأس طريقة صوفية”. وأذكر أيضاً المستشرقة آنماري شيمل، في كثير من مؤلفاتها من قبيل “المرأة في التصوف” و”روحي أنثى”. هذا إضافة إلى أسماء أخرى كثيرة؛ مثل مارغريت سميث التي اهتمت برابعة العدوية، وكاتيا بواسفون (Katia Boissevain) التي اشتغلت على مناقب السيدة عائشة المنوبية.. وسكوت كوجل (Scott Kugle)، الذي انتبه إلى رمزية السيدة أمينة بالمغرب (مدينة فاس). والمؤكد أن هذه الدراسات لم تكن لتنجز  في غياب نصوص أو آثار احتفت بالتجربة الولائية النسائية وخلدت أعلامها ونقلت بعضاً من أخبارها ومقالاتها. قد يكون ما وصلنا قليلاً ولكنه مفيد ولا يخلو من أهمية، وقد تكون القيمة أحياناً في الكيف لا في الكم. هذا فضلاً عن إتاحة الفرصة عبر التاريخ لكثير من النساء الصوفيات حتى تكون لهن زوايا أو خانقاهات خاصة بهن أضحت اليوم مزارات يؤمها المعتقدون في بركتها من كل حدب وصوب، وحظيت بعناية مخصوصة دلت على مكانة صاحباتها لا في التصوف فحسب وإنما أيضاً في الضمير والمتخيل الجمعيين.

صابر السويسي

أسماء بارزة

هناك الكثير من الصوفيات اللاتي ذاع صيتهن على مدار التاريخ الإسلامي وما زلن حتى الآن يشكلن علامة فارقة في عالم التصوف، وسنتوقف، نظراً لضيق المساحة، عند عدد قليل منهن.

رابعة العدوية

استأثرت الصوفية الشهيرة، رابعة العدوية، دون غيرها من العابدات والزاهدات بعدة دراسات مطولة. فأصبحت الأكثر نجومية وحضوراً، والأكثر استحضاراً للدراسة والبحث سواء لدى المستشرقين والمستشرقات، أو الباحثات والباحثين العرب، وقد استحوذت على دراسات كاملة وعديدة وحدها. وقد يكون السبب أنها الوحيدة من بين النساء الصوفيات التي وصلتنا عنها مادة ثرية متنوعة من الحكايات والأقوال والكرامات التي دونت في عصور متباينة؛ بداية من القرنَين الثالث والرابع الهجريين، حيث المدونات الأولى في التصوف، وصولاً إلى المتأخرين من مدوني التراجم والكرامات الصوفية في القرون الثالث عشر والرابع عشر وما بعدهما، وهو أمر لم يتوفر لغيرها من النساء الزاهدات والصوفيات. فقد نشر حتى اليوم عن رابعة أكثر من 15 كتاباً، و25 بحثاً.

ورابعة العدوية كانت من بين النساء اللاتي تولين المشيخة الصوفية في الإسلام، واجتمع حولها عدد كبير من الرجال يستنيرون بتجربتها وينهلون من بديع شعرها الروحي الذي تأثر به كبار شعراء الصوفية على غرار جلال الدين الرومي، وكبير شيوخ المتصوفة محيي الدين بن عربي والحلاج.

فاطمة بنت المثنى

لا يسمع كثيراً عن فاطمة بنت المثنى القطبية؛ نظراً لقلة الشواهد والكتب التي توثق حياة هذه الشيخة التي كانت في زمنها قبلة للعلماء والمتصوفة؛ لكن ابن عربي خصها بمساحة مهمة في مؤلفاته متحدثاً عن علمها وكراماتها، وأقر بأنها كانت سبباً مباشراً في تغيير نظرته للمرأة، وأنها كانت علامة فارقة في مسار فكره وحياته. وأسهمت شهادة ابن عربي في إحياء سيرتها، وأن يخلد اسمها في سجلات أعلام الصوفية في العالم الإسلامي.

وقد قال ابن عربي في وصفها “عذراء.. هيفاء.. تقيد النظر من العابدات السائحات الزاهدات.. إن أسهبت أتعبت وإن أوجزت أعجزت وإن أفصحت أوضحت.. شمس بين العلماء، بستان بين الأدباء.. علمها عملها. عليها مسحة ملَك وهمة ملِك”.

اقرأ أيضاً: ماسينيون الفرنسي.. قرينُ الحلاج الصوفي والمعرفي!

عائشة الباعونية

عائشة الباعونية (توفيت في 922هـ) وهي أيضاً من أشهر الصوفيات اللاتي ذاع صيتهن في الأمصار، تتلمذت على يد مجموعة من كبار شيوخ زمنها في مصر والشام، حتى أجيزت لها الفتوى من قبلهم، وصارت واحدة من كبار علماء عصرها. وتعتبر الباعونية من الصوفيات القلائل اللاتي نقل البعض من أفكارهن، عبر مجموعة الكتب التي صنفتها في العلوم الروحية والفكر الصوفي. “فلا خوف وأنت أمان قلبي ولا سقم وأنت لي الطبيب ولا حزن وأنت سرور قلبي ولا سؤل وأنت لي الحبيب”.

حفصة بنت سيرين

هي أخت التابع محمد بن سيرين، وتقول كتب التاريخ إنها قد تربت بين عدد من كبار الصحابة وأمهات المؤمنين، فتأثرت بتلك الأجواء الروحانية المحيطة بها، وأقبلت على العبادة بشكل لافت. ومن بين ما روي عن سيرتها أن حفصة كانت تصوم الدهر كله، ما عدا أيام الأعياد التي يحرم الصوم فيها، وتقرأ نصف القرآن كل يوم. كما قيل إنها ظلت مقيمة على العبادة في دارها لمدة ثلاثين عاماً كاملة، ولم تخرج منه إلا لظرف طارئ، وعرف عنها كثرة ذكرها الموت، وارتداؤها المستمر كفنها استعداداً للموت.

لقراءة الحلقة الأولى: الصوفية تيار احتضن المرأة بعد أن نبذها الفقهاء (1-2)

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة