الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون خليجيةشؤون دولية

الصعود الإماراتي مشكلة جيدة لأمريكا

كيوبوست – ترجمات

كينيث إم. بولاك، جوزيف دبليو رانك

على الرغم من كلِّ المشكلات الأخرى الأكبر بكثير، التي تواجه الولايات المتحدة والعالم؛ فإن بعض صناع السياسات والخبراء الأمريكيين يأخذون بعض الوقت للتحذير من الخطر المفترض لتنامي القدرات العسكرية لدولة الإمارات العربية المتحدة، واستعدادها لاستخدامها؛ لكن من وجهة نظرنا، فإن وجود شريك يملك مثل تلك القدرات يمثِّل مشكلة جيدة جداً.

والسبب في ذلك أنه يعكس تغييراً كبيراً، وفي الأغلب إيجابياً، عن الماضي، ودروساً مهمة للمستقبل. وإذا كانت الولايات المتحدة ستحاول في السنوات القادمة تخفيض تدخلها في الشرق الأوسط، فسوف يكون لزاماً عليها أن تعتمد على حلفائها الإقليميين بشكل أكبر. وبالتالي ينبغي النظر إلى “المشكلة” الجديدة المتمثلة في القدرة العسكرية الإماراتية باعتبارها اختباراً مهماً للكيفية التي ينبغي للولايات المتحدة أن تتعامل بها مع الديناميكيات الأمنية المتغيرة في المنطقة. وهذا يتطلب من الولايات المتحدة أن تحدد أولوياتها على نحو أفضل، وأن تدرك أن حلفاءً مثل الإمارات يمكنهم التحرك بشكل مستقل في كثير من الأحيان.

وقد قام كلانا بقدرٍ كبير من العمل على ملف الجيش الإماراتي في الأعوام الأخيرة، وقد رأينا كيف نمَت قدراته، وما صاحب ذلك من رغبة لدى أبوظبي في استخدامها، كأصل محتمل حقيقي يمكنها الاستفادة منه، وليس كمسؤولية كما زعم الآخرون.

اقرأ أيضًا: كيف يغير اتفاق السلام الإماراتي- الإسرائيلي خارطة التحالفات في المنطقة؟

وقد شغل رانك منصب ملحق الدفاع الأمريكي الأول في الإمارات في الفترة من 2015 إلى 2017، وكذلك في اليمن ولبنان والأردن، وأنهى مسيرة عسكرية استمرت 30 عاماً كنائب مساعد وزير الدفاع لشؤون سياسة الشرق الأوسط. أما بولاك فهو محلل عسكري سابق في وكالة الاستخبارات المركزية لملف الخليج، وقد أنهى مؤخراً دراسة كبرى عن القدرات العسكرية الإماراتية؛ شملت عشرات المقابلات مع ضباط عسكريين إماراتيين وغربيين على درايةٍ كبيرة بالقوات المسلحة الإماراتية.

نمو القوة العسكرية الإماراتية وحدودها

وعلى مدى العقدين الماضيين، وبفضل الطموح الإماراتي والمساعدات الأمريكية، تمكَّنتِ الإمارات من تطوير قدرات عسكرية مثيرة للإعجاب؛ وهي قدرات لافتة للنظر وفقاً للمستويات المتدنية نسبياً للعالم العربي. وتعتبر قوات العمليات الخاصة الإماراتية الصغيرة قواتٍ من الدرجة الأولى؛ وهي قادرةٌ على شن هجمات حركية ومهام تدريبية واستشارية متطورة. كما تعد قوة الطائرات المروحية الإماراتية متميزة، سواء في الدعم الناري أو النقل الجوي؛ بل وتفوقت بعض الوحدات على الوحدات الأمريكية المماثلة في أداء المناورات التدريبية الصعبة.

اقرأ أيضًا: قرقاش: تضخيم دور الإمارات إقليمياً سلاح ذو حدين

وعلى نحوٍ مماثل، تمتلك القوات الجوية الإماراتية كادراً صغيراً من الطائرات ذات المستوى العالمي والطيارين الأكفاء، مدعومين بوحدات تحكم جوية مشتركة مدربة وفقاً لمعايير “الناتو”، والتي تمنحهم معاً القدرة على القيام بمهمات هجومية مدروسة وديناميكية بقدرٍ كبير من الدقة؛ حتى إن عناصر القوات البرية الإماراتية الأكبر حجماً قد أظهروا قدرة على دمج النيران والمناورة، وقدرة على استخدام الدبابات والمدفعية وأنظمة الأسلحة الإماراتية الأخرى ذات المستوى العالمي في فرق الأسلحة المشتركة.

صحيح أن ضباطاً غربيين وأجانب يوفرون التدريب والتخطيط والإشراف الاستراتيجي على هذه المهام؛ لكن معظم المهام الصعبة يقوم بها الإماراتيون أنفسهم بشكل متزايد. وقد كان ذلك صحيحاً بشكل خاص في اليمن مثلاً؛ حيث خاض الإماراتيون الجزء الأكبر من القتال، والجزء الأكبر من التخطيط التكتيكي والقيادة، وكذلك الجزء الأكبر من الدعم اللوجيستي.

القوات الإماراتية المشاركة في اليمن – وكالات

وبالطبع، لا تزال هناك قيود جدية على القدرات الإماراتية، وتحديات يجب التغلب عليها إذا ما أرادت الإمارات لقواتها المسلحة الاستمرار في التحسن. ومن الصعب أن نعرف على نحو مؤكد؛ ولكن ربما لا يزيد عدد القوات البرية على 3 إلى 4 ألوية، وعدد الطيارين على 100 إلى 150 من القوات الجوية التي تشكِّل الطرف الحاد للرمح الإماراتي. أما بقية القوة فإنها أكثر تفاوتاً، وبعضها لا يزال بحاجة إلى مزيد من الاستثمار.

كن حذراً مما ترغب فيه

لقد فتحت هذه القدرات الجديدة الأبواب أمام الإمارات للنهوض بأهداف أمنها الوطني. فبعد أن خدمت جنباً إلى جنب مع القوات الأمريكية في كوسوفو وأفغانستان وسوريا، بناءً على طلب واشنطن، تدخلت أبوظبي في اليمن إلى جانب السعوديين، وكذلك في القرن الإفريقي، والآن في ليبيا على الرغم من أن ذلك ضد رغبة الولايات المتحدة.

اقرأ أيضًا: بطولات وإنجازات عسكرية وإنسانية.. عودة الجنود الإماراتيين من اليمن

وحيث كانت الولايات المتحدة في يوم من الأيام ممتنة لمشاركة الإمارات في نزاعات تخدم مصالحها، فإن واشنطن لديها حالياً خلافٌ مع أبوظبي؛ لأنهم تعلموا الكثير من خلال القتال إلى جانبها ويستخدمون الآن قدرتهم على العمل دون مساعدة الولايات المتحدة. وهذا ما نعتبره مشكلة جيدة؛ وهو بالضبط نوع المشكلة التي طالما أرادت الولايات المتحدة أن تواجهها.

فعلى مدى عقود، ظلتِ الولايات المتحدة تتحسر على الضعف العسكري لحلفائها في دول الخليج العربية؛ الأمر الذي تطلب من القوات العسكرية الأمريكية المساعدة في الدفاع عنهم ضد التهديدات الخارجية. وعلى الرغم من أن الالتزام العسكري للولايات المتحدة تجاه الخليج كان دائماً أصغر وأرخص بكثير مما يتصور معظم الأمريكيين؛ فإنه قد سعت إدارتان متتاليتان إلى تقليص هذا الوجود أكثر فأكثر.

لكن الانسحاب من الشرق الأوسط يخاطر بالسماح لإيران وجميع أنواع الجماعات المتطرفة بملء الفراغ، إذا لم يكن شركاء الولايات المتحدة العرب أقوياء بما يكفي لشغل هذا الدور بأنفسهم. وهذا جزء من السبب الذي دفع الولايات المتحدة إلى مطالبة الإمارات والدول العربية الأخرى باستمرار بناء قدراتها العسكرية.

دولة الإمارات العربية

اختلاف الآراء

على الرغم من أنه سيكون من الجيد ألا يتخذ حلفاء الولايات المتحدة أي إجراء دون طلب الإذن أولاً، فإن هذا ليس واقعياً. ويكمن المفتاح في إدراك ما يمكن أن يشكل مشكلة حقيقية لمصالح الولايات المتحدة، على عكس ما ينبغي أن يُنظر إليه على أنه خلاف سياسي تفوقه فوائد وجود شركاء عرب أخيراً يتمتعون ببعض القدرات العسكرية اللازمة لتحمُّل بعض العبء؛ خصوصاً في الشرق الأوسط، حيث تريد الولايات المتحدة تخفيض وجودها، وتبذل (للأسف) جهوداً أقل فأقل للدفاع عن مصالح حلفائها، فمن المرجح أن يجد هؤلاء الحلفاء سبلاً جديدة لحماية مصالحهم بأنفسهم.

والحلفاء الذين يسيرون في طريقهم في بعض الأحيان أمر لا مفر منه؛ لا سيما إذا استمرتِ الولايات المتحدة في محاولة تقليص دورها في المنطقة. فعلى سبيل المثال، على الرغم من أن العديد من خبراء الأمن القومي في الولايات المتحدة يعتقدون أن التدخل السعودي- الإماراتي في اليمن كان اقتراحاً خاسراً وخطأ؛ فإن السعوديين والإماراتيين قد رأوا في استيلاء الحوثيين على صنعاء وعدن تهديداً لمصالحهم الأمنية من ناحيتَين: فقد خشوا أن يقوم الحوثيون (وحلفاؤهم الإيرانيون) بإعاقة الشحن في البحر الأحمر، وأن يشنوا هجمات بالصواريخ والطائرات من دون طيار عبر الحدود دون عقاب.

عناصر تابعة لميليشيا الحوثي – أرشيف

وتحقيقاً لهذه الغاية، نعتقد أنه ينبغي على الولايات المتحدة تقييم التدخل الأجنبي من قِبل أحد حلفائها العرب؛ بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة، استناداً إلى معايير أساسية، كالتالي:

هل التدخل يتعارض مع المصالح الحيوية للولايات المتحدة؟ 

من الواضح أن الولايات المتحدة لا تريد أن يتخذ حلفاؤها إجراءات تضر بالمصالح الأمريكية الحرجة؛ ولكن هذا هو المكان حيث يجب أن يكمن التركيز. فلم تكن التدخلات الإماراتية في اليمن والقرن الإفريقي وليبيا متوافقة بالضرورة مع السياسة الأمريكية تجاه تلك المناطق؛ لكنها لم تقوِّض المصالح الأمريكية الحيوية هناك. وعلاوة على ذلك، وبما أن أهداف والتزامات السياسة الأمريكية، في الحالات الثلاث، لم تكن محورية بالنسبة إلى المصالح الإقليمية للولايات المتحدة، فمن الصعب القول إن أبوظبي كانت تهدد الأهداف الأمريكية المهمة التي خصَّصت لها موارد كبيرة.

لا للمفاجآت

على الرغم من أن الولايات المتحدة لن تعرف دائماً كيف أو متى يقرر شركاؤها في مجلس التعاون الخليجي على وجه التحديد استخدام قدراتهم العسكرية المكتسبة حديثاً؛ فإنه ينبغي أن تتوقع أن يتم إبلاغها مسبقاً بوقت كافٍ عندما يخطط شركاؤها للشروع في حملات جديدة أو في مناطق جديدة قد يسعون فيها لتوظيف جيوشهم. وينبغي عليهم إعلام الولايات المتحدة مسبقاً بشكل واضح إذا ما كانوا سيتدخلون في مكان ما؛ لكن لا ينبغي لواشنطن أن تتوقع منهم أن يدققوا في كل عملية يخططون لإجرائها بمجرد اشتراكهم فيها.

شاهد: الإمارات: العمل والأمل

ومن جانبها، ينبغي على الولايات المتحدة أن تدرك أن مجرد إبلاغها لا يعني أنها يجب أن تتوقع بالضرورة من الدول الشريكة أن تغير خططها إذا لم توافق عليها واشنطن، ما دامت تفي بالمعايير السابقة؛ حيث لا يتفق الحلفاء والشركاء دائماً، ولكن لا ينبغي أن يفاجئ بعضهم البعض؛ وهذا الأمر يسير في كلا الاتجاهين.

وقد بدتِ الإدارتان الأمريكيتان السابقتان عازمتَين على فك الارتباط بالشرق الأوسط؛ حتى في الوقت الذي تغرق فيه المنطقة بشكل أعمق في الصراع والفتنة. وهذه سياسة محفوفة بالمخاطر ويمكن القول إنها معيبة؛ حيث أسهمت هذه السياسة بالفعل في صعود تنظيم الدولة الإسلامية، وإطالة أمد الصراع في سوريا وليبيا، وتدفق اللاجئين بأعدادٍ كبيرة إلى أوروبا والحركات الشعبوية التي ألهمتهم، وتفاقم الصراع بين التحالفات الإقليمية الثلاثة بقيادة إيران وتركيا وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

ولكن إذا كانت واشنطن مصممة على مواصلة هذا المسار، فمن الضروري أن تعمل على مواءمة سياساتها بما يتماشى مع التزامها (المتناقص) بالموارد. وهذا يعني مواصلة بناء القدرات العسكرية لحلفائها الإقليميين كما هي الحال مع الإمارات، مع وضع إطارٍ عملي معهم لاستخدام جيوشهم على غرار المعايير المذكورة أعلاه. وسيكون القيام بذلك أمراً حتمياً ليس فقط للتقليل من سوء التفاهم بين الولايات المتحدة وشركائها؛ بل أيضاً لتقليل المخاطر التي تهدد مصالح الولايات المتحدة الدائمة في المنطقة.

المصدر: موقع لو فير

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة