الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

الصراع الفرنسي- التركي يهدد منطقة الساحل بالفوضى

مظاهرات متواصلة تطالب برحيل الرئيس المالي والقوات الأجنبية.. وتحذيرات من محاولات اختراق تركية للأزمة

الجزائر- علي ياحي

يعيش جار الجزائر الجنوبي على صفيح ساخن، بعد خروج الماليين إلى الشوارع في مظاهرات تطالب بتنحية الرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا، ورحيل القوات الفرنسية من بلادهم. ورغم الدعوات الداخلية والخارجية إلى التهدئة وتجنب العنف؛ فإن الوضع مرشح للتفاقم بسبب صعوبة الاستجابة لمطالب المحتجين.

وبينما ترقَّب الماليون الغاضبون ردود أفعال من دول الجوار والأصدقاء، بعد سقوط 11 قتيلاً وتسجيل عديد من الجرحى، وفق مصادر رسمية، التزمت الجزائر الصمت. بينما أعلنت فرنسا عزمها إرسال قوات عسكرية لمحاربة التنظيمات الإرهابية، وبسط الأمن والاستقرار في المنطقة؛ ما يكشف -حسب المراقبين- عن تجاهل إقليمي ودولي لمطالب التنمية والديمقراطية التي ترفعها شعوب دول الساحل، ليبقى الاهتمام منصبا نحو الاستيلاء على ثروات الساحل تحت عنوان “مكافحة الإرهاب”.

اقرأ أيضاً: محاولات تركية- قطرية “للتسلل” إلى الجزائر عبر بوابة “القبائل”

ويعتقد إدريس آيات، الباحث النيجيري في الشؤون الاستراتيجية وكاتب متخصص في الأمن الإفريقي، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، “أنه في وقت يشتد فيه الحراك المالي، سارعت فرنسا إلى إرسال قوات إلى مالي؛ بغية ‏تعزيز قبضتها على الساحل والسيطرة على الحراك واحتواء التقدم التركي استراتيجياً”، مشيراً إلى أن “فرنسا تهدف إلى تأمين مصالحها في الساحل وشمال إفريقيا عبر قواعدها العسكرية المنتشرة في مالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو وموريتانيا وساحل العاج”.

الباحث إدريس آيات

ويواصل آيات: “يمكن فهم أن التدخل التركي صار مزعجاً للمصالح الجيواقتصادية لفرنسا، وعليه فإن فرنسا تحاول ترسيم دعائم أوروبية، إضافة إلى كسب ميول مصر وتونس والجزائر؛ لتحييد تركيا والشركات الأمريكية بعد ذلك”، لافتاً إلى أنه ليس في صالح إفريقيا عودة المشروع العثماني المهيمن، كما أن باريس تسعى لجر الجزائر إلى مواجهة مع المشروع التركي أو على الأقل إلى التضامن مع فرنسا.

وحسب آيات، فإن الاحتجاجات في جمهورية مالي جاءت عكس التوقعات الفرنسية؛ لكن الحدث يعاني شحّاً في التغطية الإقليمية والدولية؛ فالأطراف الإقليمية من جنوب الصحراء تخاف عدوى الانتفاضة إلى أراضيها، بينما دول الشمال؛ خصوصاً الجزائر وثقلها الإقليمي تتوخى الحذر، مشيراً إلى أن “الحكومة الجزائرية لم تستقر سياسياً في الداخل؛ فثمة شريحة غير يسيرة لا تزال تصف النظام بغير الشرعي، فأي تصريح داعم للحراك المالي قد يوصف بالتناقض، لذلك فالصمت الجزائري مفهوم”.

اتفاق السلم والمصالحة بين الماليين برعاية الجزائر

ولفت آيات إلى أن إظهار أي نوع من الرعاية للحراك من تركيا أو روسيا أو حتى الولايات المتحدة التي تحاول تقويض هيمنة فرنسا في الساحل بالتعاون مع الأتراك أحياناً، قد يُقابل بالرفض من قادة الحراك الذين يرون أن رأسمال قوتهم هو الشعب وعدم ارتباطه بالخارج.

واعتذر رئيس وزراء مالي بوبو سيسي، عن تجاوزات ارتكبتها قوات الأمن التي فتحت النار على المتظاهرين؛ لكنه رفض مطالب المعارضة باستقالة الرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا، وقال في مقابلة مع تليفزيون “فرانس 24″، إنه “للأسف حدثت تجاوزات، وإنه أمر محزن للغاية، نعتذر عن كل ذلك”، مضيفاً أن الادعاء فتح تحقيقاً في أعمال العنف.

الإعلامي التونسي المهتم بالشأن الأمني نزار مقني

كما باشر وفد من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “الإيكواس”، برئاسة النيجيري جوناثان غودلاك، وساطة بين رئيس مالي إبراهيم بوبكر كيتا، والحراك. وتؤكد المعارضة المالية أن المطالبة برحيل الرئيس كيتا، هي رسالة إلى فرنسا التي تقدم له الدعم؛ خصوصاً أن المطالب بتحرير البلاد من الوصاية دفعت إلى مظاهرات سابقة ضد “الوجود العسكري في مالي الذي ينحصر دوره في حماية المصالح الاقتصادية لفرنسا، وليس من أجل تأمين بلدانهم من الخطر الإرهابي”، على حد وصفه.

وفي السياق ذاته، يرى الإعلامي التونسي المهتم بالشأن الأمني، نزار مقني، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، أن ما تمر به مالي له علاقة مباشرة بعدم قدرة فرنسا على تحجيم دور الجماعات الإرهابية في المنطقة، كما أن الأمر يتعلق بما تمر به المنطقة من تحولات سياسية عكستها الأزمة الاقتصادية العالمية، قائلاً: “إن الأزمة في مالي بلغت حد ليّ الأذرع، وللحركة الصوفية دور مهم فيها”، موضحاً أنه يمكن للجزائر التي لها امتداد جيواستراتيجي في منطقة الساحل والصحراء، أن تلعب دور الوساطة؛ للتخفيف من حدة التوتر.

وختم مقني بأن الدور التركي وإن كان غير واضح المعالم؛ فإنه يمكن أن يتضح أكثر مع استمرار هذه الأزمة؛ خصوصاً أن “أنقرة تتقن الاستثمار في الأزمات، وذلك على مثال ما يحصل في ليبيا”.

اقرأ أيضاً: هل تنجح الجزائر في كبح “عنجهية” تركيا في ليبيا؟

من جانبه، يعتبر المحلل السياسي سليمان شرقي، في حديث إلى “كيوبوست”، أن الساحل عموماً ومالي على وجه الخصوص هي منطقة نفوذ تاريخي قديم لفرنسا وأمريكا حديثاً، غير أنه في السنوات الأخيرة عرفت صراعاً معلناً وخفياً بفعل الحاجة إلى ثرواتها الطبيعية؛ لا سيما من الصين وتركيا، مضيفاً أن ما يحدث من حراك في مالي وإن كان طبيعياً بالنظر إلى المطالب المشروعة المرفوعة، يبدو أقل خطورة مما كان يمثله الإرهاب في المنطقة.

المحلل السياسي سليمان شرقي

ويعتقد شرقي أن فرنسا استبقت الأحداث بإعلانها القضاء على عبدالمالك دروكدال، زعيم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ثم إعلانها بدء انتشار قوة أوروبية، “وهي بذلك تحاول منع المنطقة من الخروج عن دائرة النفوذ والسيطرة الأوروبية”، في ظل استراتيجية ناعمة يمارسها كلٌّ من الصين وتركيا، عبر التمدد الاقتصادي بالاستثمارات في مجالات المنشآت القاعدية الكبرى والنقل، مختتماً بأن الاتصالات المكثفة وتسارع الأحداث للفصل في قضايا كانت عالقة بين الجزائر وفرنسا، هي مؤشر على اتفاق بين البلدين للمزيد من تنسيق الجهود لوضع حد للطموح التركي على الأقل الذي أضحى لافت الوجود وبصبغة مسلحة خصوصا.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة