الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

“الصخرة”.. مقالب القمامة تتحول إلى مشروع ملهم في مصر

شاب مصري يعود إلى قريته الصغيرة بفكرة مركز ثقافي يساعد الأطفال على الإلمام بمهارات عدة

كيوبوست- صفاء الشبلي

فوق الهضبة الشرقية، شرق النيل، بمركز سمالوط بمحافظة المنيا في صعيد مصر، تقع قرية “دير جبل الطير”؛ وهي إحدى أشهر قرى المنيا، نظراً لارتباطها باسم دير العذراء مريم الأثري الشهير. هناك وفي تلك القرية نشأ الشاب المصري شنودة عادل، كغيره من الأطفال دون أية وسيلة ترفيه سوى مرافقته والده للعمل في الحقل؛ حيث ينزل أسفل الجبل لممارسة مهنة الزراعة ثم الصعود إلى قمة الجبل حيث القرية مساء.

 شنودة كغيره من الأطفال لم يكن يعلم شيئاً عن العالم الآخر من ضفة نهر النيل، “البندر” كما يسميه أهل الريف، والذي يتطلب الذهاب إليه وسائل خاصة؛ منها ركوب “معديَّة” تقله إلى الناحية الأخرى، ثم استقلال وسيلة مواصلات للذهاب إلى قلب العاصمة؛ حيث الأضواء الباهرة التي أبهرت شنودة بحق، لينطبق عليه المثل القائل “قروي أبهرته أضواء المدينة”.

شنودة عادل مؤسس مشروع “الصخرة”

سافر الشاب الثلاثيني، لأول مرة، لدراسة الإعلام بجامعة المنيا؛ هناك اصطدم بأشياء لم يعرفها، وفوق كل ذلك عرف السينما؛ فلأول مرة شاهد فيلماً سينمائياً عبر تلك الشاشة العملاقة التي اصطحبته إلى عوالم لم يكن يعرف عنها أي شيء من قبل.

حنَّ شنودة إلى قريته “جبل الطير”، وتذكَّر كيف عاش تلك الطفولة بعيداً عن كل أوجه التفاعل الثقافي التي لمسها بالمدينة؛ أصابه الحزن لأنه عرف أن سكان قريته البالغ عددهم نحو 15 ألف نسمة محرومون من “غذاء الروح”، كما يقول في حديثه مع “كيوبوست”؛ كانوا محرومين من القراءة والسينما والمسرح والتفاعل الاجتماعي.. وغيرها، فأقرب قصر ثقافة يبعد عن قريته نحو 20 كيلومتراً.

لماذا “الصخرة”؟

آمن شنودة أن التغيير يأتي من الأطفال على المدى البعيد؛ لذا داخل غرفة صغيرة بدأ يقرأ القصص والحكايات لمجموعة من الأطفال في قريته، ليُطلعهم على هذا العالم السحري الذي لم يعرفه هو، ثم بعد ذلك انتقل لربط التعليم بالحفاظ على البيئة، وبمساعدة هؤلاء الأطفال قام بتنظيف قطعة أرض كانت مقلباً للقمامة بمساحة 650 متراً، لتكون نواة لمشروعه الثقافي الجديد الذي أطلق عليه اسم “الصخرة”، والذي يخدم الآن قريته ونحو 10 قرى مجاورة له كأول مشروع ثقافي يخدم تلك القرى التي يحتضنها الجبل.

يقول شنودة لـ”كيوبوست”: “كانت الصعوبة الأولى التي واجهتني هي إقناع أهل القرية بتجميع البنات مع الأولاد لمشاهدة الأفلام وقراءة الكتب في مجموعات؛ وهو الأمر الذي يتنافى مع الثقافة القروية، لكن بمرور الأيام ومع متابعة الأهالي الأمر اقتنعوا بالفكرة ولم يمنعوا بناتهم من الحضور؛ خصوصاً مع ملاحظتهم تغييراً في سلوك أبنائهم؛ وهو ما كنا نؤمن به في مشروعنا، حيث بدأنا بتعليمهم سلوكيات مهمة؛ أهمها الحفاظ على نظافة القرية وعدم رمي القمامة في الشوارع.. وغيرهما”.

من فعاليات مشروع “الصخرة”

اختار شنودة لمشروعه اسم “الصخرة”، وبإمكانات بسيطة في البداية داخل “مقلب القمامة” الذي قام بتنظيفه مع أطفال القرية، بدأ “الحلم” يكبر بتحويل مساحات أخرى من مقالب القمامة إلى ساحات ثقافية وترفيهية للأطفال؛ تعرض الأفلام وتعلمهم الرسم والتلوين والغناء وورش الحكي، التي أسهمت كثيراً في تغيير سلوك الأطفال، وخلقت جيلاً واعياً ومُستقراً نفسياً.

ويتابع شنودة: “ربما في البداية استهجنوا الفكرة؛ لكن عندما وجدوا أن التخلص من مقالب القمامة يخدمهم ويخدم أبناءهم، ووجدوا روح المشاركة لدى الأطفال؛ ساعدوا هم أيضاً في عمليات التنظيف بالجهود الذاتية، وامتدت المبادرة إلى قرى مجاورة أيضاً”.

الأطفال يشاركون في مشروع “الصخرة”

 اختار شنودة لمشروعه اسم “الصخرة”؛ تيمناً بالقصة الشعبية المتداولة بأن العائلة المقدسة زارت القرية في رحلة هروبها من فلسطين إلى مصر، وطبع المسيح، عليه السلام، كفَّه على “صخرة” عملاقة في جبلها؛ ليحمي أُمَّه العذراء مريم من سقوط الصخرة فوقها، وعن ذلك يقول: “بالهيروغليفية أصلاً الصخرة هي (تا دهنت)، وهو اسم القرية قديماً، وقد أطلقت على المشروع اسم الصخرة تيمناً به”.

انطلاقاً من فكرته وحلمه “الصخرة”؛ بدأ شنودة فكرة أكثر توسعاً أطلق عليها مسرح “مقالب الزبالة”؛ فكان يقوم بمعاونة بعض المتطوعين إلى جانب الأطفال، بإزالة القمامة من جانب المساجد والكنائس والمدارس وتحويلها إلى مقر لجلسات الحكي والتمثيل واكتشاف مواهب الأطفال.

من فعاليات مشروع “الصخرة” الثقافي

وعن ذلك يوضح: “عدد الأطفال المنضمين إلى مشروعنا الثقافي بلغ نحو 1200 طفل؛ نقوم بتنظيف مقالب القمامة ونحولها إلى مسرح؛ أول مكان فعلنا فيه ذلك كان ملعب مدرسة تم هجره لمدة 8 سنوات وحاصرته القمامة من كل مكان، فقررنا استغلاله، وبالفعل نجحنا في ذلك، بعدها نفذنا فيه عرضَين مسرحيَّين حضرهما نحو 400 شخص من القرية، وعقدنا فيه أيضاً 7 معسكرات فنية للحكي والرسم والتلوين، وتحدثنا مع الأطفال عن التحرش والانتهاكات الجنسية التي قد يتعرضون إليها؛ وهي مفاهيم حاولنا إيصالها إلى هؤلاء الأطفال من خلال الرسم والتلوين، وهو ما يُعرف بالتعليم عن طريق الفنون”.

ويتابع: “أنشأنا أيضاً حديقة على أحد مقالب القمامة لتكون مركزاً ترفيهياً للأطفال، وبالجهود الذاتية أيضاً. ونستهدف الأطفال من سن 6 سنوات إلى 15 سنة، كما أنشأنا مكتبة تضم نحو 5000 كتاب مُتاحة بشكل كامل لأهل القرية وليس الأطفال فحسب”.

مشروع “الصخرة” الثقافي

من قريته “دير جبل الطير”، انتقل شنودة وفريقه لنشر الفكرة إلى قرية مجاورة وهي قرية “بني خالد”؛ بالتواصل المباشر مع أهل القرية، ونجح من خلال التواصل مع إحدى الجمعيات الأهلية بتلك القرية في تنظيم لقاء أسبوعي لـ120 طفلاً من أعمار متفاوتة؛ لتقديم أنشطة مختلفة بشكل دوري، وتضم تلك الأنشطة السينما والتلوين والمسرح.. وغيرها.

ويلفت: “نعتمد في مشروعنا على قصص الأطفال الجاهزة ذات الهدف الواضح؛ نتناقش فيها ونحاول استخلاص العبر من خلالها، ونطرح الأسئلة على الأطفال من خلال القصة، لنُنَمِّي لديهم التفكير الموضوعي”.

يعتمد المشروع على قصص الأطفال الجاهزة

وعن تكلفة مشروعه وتمويله، يقول: “في البداية المشروع نشأ بتمويل ذاتي منِّي، ثم امتد إلى مساهمات الأصدقاء وأصدقائهم الذين يمدونا بأدوات الرسم أو التلوين؛ لكن حالياً أسسنا شركة لتُدير التعاون بيننا وبين الشركات والمؤسسات والجهات التنفيذية داخل محافظة المنيا، لنستطيع الحصول على دعم مادي يساعدنا على استكمال مشروعنا؛ لأن معظم خدماتنا للأطفال نقدمها بشكل كامل بالمجان”.

ويردف: “خدماتنا لا تقتصر على الأطفال فحسب؛ بل قدمنا أيضاً معرضاً للفن التشكيلي لمدة 3 أيام داخل القرية، لتعليم الناس البسيطة تذوق الفنون بمعناها البسيط، وعرضنا خلالها 18 لوحة حملت اسم (ناس الجبل)”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

صفاء الشبلي

صحافية مصرية تهتم بالكتابة الإنسانية والاجتماعية