الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الشهر الذي غير القرن!

يراهن بوتين على أن العالم لن يستطيع الاستغناء عن النفط والغاز الروسي وعلى أن بعض الدول تشاركه في مناهضته للولايات المتحدة

كيوبوست- ترجمات

مايكل هيرش♦

لا شك أن تداعيات الحرب في أوكرانيا سوف تتجاوز البلدين المتحاربين، وتصيب القارة الأوروبية والعالم بأسره. ويذهب البعض إلى القول بأنها غيرت أو سوف تغير وجه العالم. من هؤلاء مايكل هيرش، الذي كتب تحليلاً مطولاً على صفحات موقع “فورين بوليسي”، يناقش فيه تداعيات هذه الحرب على النظام العالمي.

يقول هيرش إن بوتين قد غير مسار القرن الحالي في أقل من شهر. فقد أعاد إحياء خطر الغزو الإقليمي والحرب النووية، وأيقظ أوروبا من سباتها الطويل بعد الحرب، وتوج عقدين من ضياع البوصلة الأمريكية من خلال تحدي القوة والنفوذ الأمريكيين.

ويرى هيرش أن بوتين يعمل على مشروع ضخم مع الرئيس الصيني، ورؤساء آخرين، يهدف إلى كسر هيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي، وإقامة نظام عالمي جديد تهيمن فيه كل من القوى المتنافسة على فضائها الجيوسياسي الخاص.

الحرب بين روسيا وأوكرانيا- وكالات

سيستغرق الأمر أشهراً عدة أو ربما سنوات قبل أن تظهر النتائج النهائية للحرب، فالنظام الدولي بدأ يستعيد تماسكه في وجه بوتين، حيث فرضت الدول الغربية الكبرى وحلفاء الولايات المتحدة الآخرين عقوبات غير مسبوقة على روسيا تهدف إلى خنق البلاد اقتصادياً.

وبالنظر إلى الانتكاسات العسكرية العديدة، والعقوبات الخانقة، والانقسامات الناشئة في الدائرة المحيطة بالرئيس بوتين، فلا شك أن قرار بوتين بغزو أوكرانيا كان خطأ فادحاً سيؤدي إلى إضعاف روسيا على المدى الطويل.

اقرأ أيضاً: على مَن يقع اللوم في أزمة أوكرانيا؟

ولكن في المقابل، فإن شعبية بوتين ارتفعت، وأظهر استطلاع مستقل أن 80% من المواطنين الروس يدعمون حربه، وهنالك بعض الدول التي غضت الطرف عن غزوه لأوكرانيا كالبرازيل وباكستان وجنوب إفريقيا، وغيرها إلى جانب دول أوبك التي قررت الالتزام باتفاقها مع روسيا بدلاً من الامتثال للضغط الأمريكي لزيادة إنتاج النفط.

وفي أوكرانيا من الممكن أن يحقق بوتين بعض أهدافه الرئيسية بعد أن حول اهتمامه نحو منطقة دونباس، حيث يدعمه الانفصاليون الذين يخوضون حرباً مع كييف منذ ثماني سنوات. وربما سينجح بوتين في فرض واقع قبيح شبيه بذلك الذي تفرضه إسرائيل منذ عقود في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ربما سينجح بوتين في تحقيق بعض أهدافه الرئيسية في أوكرانيا- أرشيف

يراهن بوتين على أن العالم لن يستطيع في المدى المنظور الاستغناء عن النفط والغاز الروسي، وعلى أن بعض الدول وعلى رأسها الصين تشاركه في مناهضته للولايات المتحدة، وفي أيديولوجيته المعادية للغرب. كما أن صندوق الاحتياطي النقدي الضخم الذي تمتلكه موسكو قد ساعد على استقرار سعر الروبل، وعودته إلى ما كان عليه قبل الغزو، كما أن ارتفاع أسعار الغاز والنفط قد زاد من عائدات روسيا المالية.

وينقل كاتب المقال عن كبير الاقتصاديين السابق في البنك الأوروبي قوله: “ليس من الواضح بعد تأثير العقوبات على الاقتصاد الروسي، من المحتمل أن الصادرات الروسية قد تراجعت، ولكن أسعار هذه الصادرات قد ارتفعت. ومع انخفاض الواردات الروسية فمن المرجح أن روسيا ستمتلك المزيد من الدولارات التي ستستخدمها لشراء التكنولوجيا والمعدات من دول أخرى”. ومع امتلاك روسيا والصين حق النقض في مجلس الأمن لن تكون الأمم المتحدة قابلة للإصلاح، وسيبقى النظام الدولي معرضاً للاضطرابات.

يعتبر بوتين أن النظام الدولي الحالي ما هو إلا رمز للهيمنة الأمريكية، وقد ركز كثيراً على هذا الأمر في تبريره لغزو أوكرانيا، وهاجم من اتهموه بخرق القانون الدولي بقوله إن المنافق الأكبر هو واشنطن، وهاجم عملياتها العسكرية ضد يوغوسلافيا وليبيا وسوريا والعراق التي وصفها بأنها لا تحظى بشرعية الأمم المتحدة أو بأي سند قانوني. وبعبارةٍ أخرى، يرى بوتين أن الديمقراطية على النمط الغربي فاسدة إلى درجة لا يمكن إصلاحها.

اقرأ أيضاً: تجار البشر يستهدفون لاجئات أوكرانيات في ألمانيا.. والمنظمات تدق ناقوس الخطر

وبوتين لديه بعض الأدلة على وجهة نظره، فالديمقراطيات الليبرالية في العالم في حالة من التراجع، إذ ارتفعت نسبة البشر الذين يعيشون في ظلِّ أنظمة استبدادية من 47% في عام 2011 إلى 70% في عام 2021. وهذا يشير إلى أن الآمال بنشر الديمقراطية بعد الحرب الباردة قد تبددت. كما أن الاعتقاد أن الحرب العالمية قد أنهت فكرة اجتياح الدول الكبرى لدولٍ أصغر منها، قد ثبت أنه خاطئ تماماً. وعندما أعلن بوتين وضع ترسانته النووية في حالة تأهب عادت سياسة حافة الهاوية النووية فجأة إلى الطاولة.

ولكن كاتب المقال يخلص إلى أنه لا ينبغي لنا أن نعلن نهاية النظام العالمي، فالغرب ما زال موجوداً وأعاد اكتشاف نفسه، والشعب الأوكراني ما زال يقاوم، وقد تم تنشيط الديمقراطية في أحلام هذا الشعب، ولا تزال الأمم المتحدة – على الرغم من امتلاك موسكو لحق النقض- تشرف على المساعدات الإنسانية وإغاثة اللاجئين الأوكرانيين. فالعولمة ما تزال صامدة والنظام الدولي لا يزال متماسكاً إلى حد بعيد.

من آثار الحرب الروسية ضد أوكرانيا- وكالات

كما أن وحشية بوتين تعمل على تغيير الحسابات في أقوى دولة في العالم بعد أن ساهمت إدارات أوباما وترامب في تشجيع بوتين على عدوانه. حتى إن الرئيس بايدن كان قد اعتنق مفهوم “أمريكا أولاً” الذي أطلقه ترامب في انسحابه السريع من أفغانستان، وفي سياسته الاقتصادية تجاه الصين.

ولكن غزو بوتين لأوكرانيا قد طوى صفحة هذا المفهوم نحو حقبة جديدة من الصراع العالمي، وبذلك لن يتمكن معظم الجمهوريين أبداً من التسامح مع فكرة قبول أمريكا لمطالب الكرملين.

♦مراسل أول في “فورين بوليسي”، حائز على عدد من الجوائز العالمية ومؤلف لعددٍ من الكتب.

المصدر: فورين بوليسي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة