الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

الشهداء المسيحيون في إسبانيا الإسلامية قضية مسيَّسة

يؤكد الكتاب وجود نوع من التسييس في اعتبارهم "شهداءً" من عدمه وأن دأب المؤرخين الإسبان في اعتبارهم شهداءً يعد تبنيًا لحجة إيولوخيو بأنهم تعرَّضوا إلى تعذيب واضطهاد على يد المسلمين.. وعلى الجانب الآخر فقد ناصر العلماء والمؤرخون الفرنسيون والهولنديون وجهة نظر مسيحيي الأندلس الذين لم يتعاطفوا مع الشهداء المزعومين نظرًا لأنهم لم يتعرضوا إلى أي اضطهاد من جانب المسلمين

كيوبوست

شهدت مدينة قرطبة تطورًا تاريخيًّا دراميًّا بين عامَي 850 و859، عندما تم قطع رأس ثمانية وأربعين مسيحيًّا؛ بسبب ارتكابهم جرائم دينية ضد الإسلام. وتوضح المصادر بشكل لا لبس فيه، تعرُّض غالبية المسيحيين الثمانية والأربعين إلى عقوبة الإعدام بسبب قيامهم بتكفير نبي الإسلام محمد، عليه الصلاة والسلام، والاستهزاء بدين الإسلام. وفي حين نظر بعض المسيحيين في قرطبة إلى المسيحيين الذين أُعدموا باعتبارهم شهداءً، اعتبرهم آخرون ينطلقون من دوافع مصلحية ذاتية، تسببت في النهاية في إثارة شكوك أمراء الأندلس في المسيحيين.

وتأتي المعلومات التي استند إليها الكتاب حول هذه القضية التاريخية تقريبًا من أعمال رجلَين كانا يعيشان في قرطبة خلال فترة “الشهداء”، وهما القس الكاثوليكي “إيولوخيو”، وشخص متعلم من عامة الشعب يُدعى “بولس ألفاروس”؛ حيث عمد كلاهما إلى تأليف رسائل مديح، تدافع عنهم وتمجد ثباتهم وتخلد ذكراهم في مواجهة الانتقادات التي لاقوها من بعض مسيحيي الأندلس.

اقرأ أيضًا: حركة شهداء قرطبة.. موتى باسم الدين المسيحي على يد مسلمين

 وذهب إيولوخيو إلى أبعد من ذلك؛ حيث اعتبر المسيحيين الذين أُعدموا شهداءً مقدسين يستحقون التبجيل الثقافي. ويلاحظ أن مقالات إيولوخيو، إلى جانب عدد قليل من الرسائل التي كتبها، هي المصدر الرئيسي للمعلومات لما أصبح يُعرف باسم “حركة شهداء قرطبة”.

وقد حاولت المعالجات السابقة لهذه الحادثة التاريخية أن تركز على دوافع “الشهداء” أنفسهم. واعتمدت عملية تحديد دوافعهم بالكامل على تصوير إيولوخيو للأحداث، نظرًا لافتراض كونه عضوًا مؤثرًا في الحركة. غير أن ذلك الأمر يجانبه الصواب، نظرًا إلى كون إيولوخيو مؤرخ حياة القديسين وطرفًا أصيلًا فيها، فإنه لا يمكن الاستناد إلى كتاباته من أجل فهم أسباب تصرف “الشهداء” الثمانية والأربعين على هذا النحو؛ ولكن يمكن الاستفادة منها في فهم الأسباب التي دفعت كاهن إلى تقديم دعمه الأدبي إلى شيء غير عادي ومثير للجدل؛ مثل سلسلة من الاستشهادات غير المبررة، وذلك بدلًا من افتراض أنه والشهداء حركتهم نفس الدوافع والأسباب. ومن جهة ثانية، فإنه يمكن من خلال مراجعة كتابات إيولوخيو معرفة الأسباب التي دفعت مسيحيي قرطبة إلى إبداء مواقف تصالحية مع السلطات الإسلامية وانتقاد “شهداء قرطبة”.

 

غلاف كتاب “الشهداء المسيحيون في إسبانيا الإسلامية”

شهداء قرطبة:

كان “الشهيد” الوحيد الذي ترك أي سجل مكتوب عن الشهداء السبعة والأربعين الذين سبقوه هو إيولوخيو، ولذلك فإن ما نعرفه عن الشهداء الآخرين يأتي من إيولوخيو نفسه. وعلى الرغم من مبالغة الأخير في تمجيد الشهداء وتأكيد بطولتهم، فإنه على الأقل يمكن الاعتماد عليه كمصدر لمعرفة هويتهم، والظروف المحيطة بوفاتهم.

وكان إسحاق هو أول الشهداء، وربما أكثرهم شهرةً من الناحية السياسية. فقد أسهمت أصوله النبيلة وإلمامه باللغة العربية في ارتقائه داخل حكومة الدولة الإسلامية في الأندلس إلى واحد من أعلى المناصب الذي يمكن لغير المسلم أن يطمح إليه، وهو كاتب أهل الذمة، غير أنه سرعان ما تخلَّى عن منصبه وتقاعد في دير في منطقة تابانوس، والتي توجد في الجبال الواقعة شمال مدينة قرطبة. وأقام إسحاق في تابانوس لمدة ثلاث سنوات، ثم عاد إلى قرطبة. وسأل القاضي عن الدين الإسلامي. ولم يكد القاضي يصل بالحديث عند حياة محمد، حتى انفجر الراهب مدعيًا أن “نبيه” سوف يقبع في الجحيم؛ لأنه ضلل العرب.

اقرأ أيضاً: فنون الامتزاج الحضاري: المسيحيون واليهود والمسلمون في تأسيس الثقافة القشتالية

وصعق القاضي برد فعله، وكاد يصفعه لولا أن مستشاريه ذكَّروه بأن الشريعة الإسلامية تحمي المتهم من الأذى الجسدي قبل صدور حكم ضده. واتهمه القاضي بأنه إما أن يكون مخمورًا وإما مجنونًا لكي يهين الإسلام في حضوره، غير أن إسحاق أكد له أن “حماسة الدفاع عن الحق” أجبرته على الحديث ضد الإسلام وأنه مستعد للموت في سبيل ذلك. وبعد إلقاء القبض على إسحاق، وإبلاغ أمير الأندلس عبدالرحمن الثاني، بما حدث، حكم القاضي على الراهب في 3 يونيو 851، بقطع رأسه وتعليقه حتى يراه الجمهور على الضفة المقابلة لنهر “الوادي الكبير” (Guadalquivir)، ثم تم حرق جثته وإلقاء رمادها في هذا النهر.

ويلاحظ أن ما قام به إسحاق دفع عبدالرحمن الثاني إلى اتخاذ قرار بإعدام مَن يقوم بمهاجمة الإسلام علنًا؛ كنوع من العقاب لردع المسيحيين عن إتيان هذا الفعل، غير أن هذا الإجراء لم يردع مَن تأثروا بإسحاق، وهو ما وضح من إعدام ستة آخرين بنفس التهم خلال مدة 48 ساعة من وفاة إسحاق؛ حيث ذهبوا إلى القاضي، وهاجموا الإسلام بنفس أسلوب إسحاق.

اقرأ أيضًا: رحلة في مقامات “المالوف” الأندلسي (فيديو)

غياب معجزات الشهداء:

إن اعتبار إيولوخيو المسيحيين الثمانية والأربعين شهداءً لاقى انتقادًا ورفضًا من جانب المسيحيين غير المتعاطفين معهم في ذلك الوقت، فقد كانت طريقة وفاة إسحاق ورفاقه الآخرين تغاير تلك الطريقة التي مات بها الشهداء المسيحيون على يد الرومان الوثنيين، وتحديدًا آثيثيوس (Aciscius) وفيكتوريا، اللذين توفيا في قرطبة في منتصف القرن الثالث الميلادي؛ حيث تم إلقاء القبض عليهما، نظرًا لقولهما إن الآلهة الرومانية “ليست سوى حجارة”، ووجد آثيثيوس وفيكتوريا نفسيهما وجهًا لوجه مع الإمبراطور ديون، مضطهد المسيحيين في ذلك الوقت، وحاول معاقبتهما من خلال وضعهما في فرن مشتعل، غير أنهما لم يموتا، فأمر بتقييدهما بالحجارة وإلقائهما في نهر “الوادي الكبير”، ليجد بعد ذلك جسمَيهما يطفوان على سطح النهر سالمَين. وأخيرًا، قرر إيقاد النيران تحت أقدامهما، غير أن النيران خرجت عن السيطرة وقتلت مئات الوثنيين. وبعد أن أظهرا عزمهما على الحفاظ على ديانتهما المسيحية، ونجحا في إظهار القوة التي وهبها الله لهما، استسلما في النهاية لقاتليهما وماتا. وتُظهر هذه القصة تدخل إرادة الله في الدفاع عنهما.

ويرى عديد من مسيحيي الأندلس في ذلك الوقت من غير المتعاطفين مع “شهداء قرطبة” أن “الشهداء” الثمانية والأربعين لم يتعرضوا إلى التعذيب كما تعرض إليه آثيثيوس وفيكتوريا، كما أنهم خضعوا لمحاكمة وتم إعدامهم في أعقابها، ولم تظهر عليهم أية معجزة إلهية، بالإضافة إلى صعوبة مساواة المسلمين المؤمنين بالله بالرومان الوثنيين. وفضلًا عما سبق، فإن المسلمين لم يقوموا قط باضطهاد وقتل المسيحيين، كما كانت الإمبراطورية الرومانية الوثنية تفعل.

لوحة توضح تعذيب المسيحيين في الأندلس

ونظرًا إلى غياب أية معجزة تضفي القداسة على المسيحيين السبعة والأربعين، الذين قتلوا قبل إيولوخيو، لم يجد الأخير من حيلة سوى تحدِّي الافتراض السائد بأن القداسة والمعجزة تجتمعان، ومما زاد من وجاهة حجته أنه لم يكن أول كاهن يجادل بهذه الحجة، فقد جادل قبله الكاهن جريجوري الأول، بنفس المنطق قبل إيولوخيو بنحو 250 عامًا. وأشار جريجوري إلى الروايات التوراتية عن القديس بيتر، وهو يمشي على الماء، بينما يغرق القديس بولس مع حطام السفينة. فعلى الرغم من أن هذين الرسولَين لم يتشاركا نفس المعجزة، فإنهما لهما حصة متساوية من ثواب الرب. ولذلك عمد إيولوخيو إلى التهوين من أهمية المعجزة، مؤكدًا أن الرب لا يميز بين القديسين بسبب امتلاكهم معجزة أم لا؛ لأن الرب ينتظر منهم شيئًا واحدًا في النهاية وهو أن يكملوا معاناتهم بشجاعة حتى الموت.

ويلاحظ أن إصرار إيولوخيو على التهوين من أهمية المعجزة واقترانها بالشهادة، يرجع إلى أن المسيحيين السبعة والأربعين الذين تم إعدامهم، والذين أرَّخ إيولوخيو لمقتلهم قبل أن يُقتل هو نفسه، لم يُظهر أيُّ واحد منهم معجزةً واحدةً؛ حتى تتم المبالغة فيها وتضخيمها وإضافة معجزات أخرى إليها، ولذلك لم يكن أمامه سوى المجادلة، مثل جريجوري، بعدم حتمية الجمع بين القداسة والمعجزة.

اقرأ أيضًا: هل سمعت من قبل بالاحتلال الإسباني الحالي للمدن المغربية؟

وأضاف إيولوخيو سببَين إضافيَّين إلى المجادلة بأن منتصف القرن التاسع الميلادي لم يكن وقتًا مناسبًا لإعلان المعجزات؛ أولهما: أن الكنيسة بحلول القرن التاسع الميلادي تمكنت من ترسيخ مكانتها في العالم، ولم تعد بحاجة إلى معجزات من أجل دفع الوثنيين للإيمان بمصداقية دعوتها، وبالتالي فإن المعجزات قد انتهت بعد أن أدَّت الدور المنوط بها. وثانيهما: جادل إيولوخيو بأن الروح القدس ترسل المعجزات فقط إلى الشعوب التي يمكن أن تتحول إلى المسيحية، ومن ثَمَّ فإن الرب لن يضيع معجزاته لإقناع أفراد ميؤوس منهم؛ مثل الآسيويين، بالدين المسيحي، وبالتبعية المسلمين الأندلسيين.

ومع ذلك، فقد عانت رواية إيولوخيو ضعفًا بيِّنًا في نقطتَين أساسيتَين؛ أولاهما: أنه لم يكن قادرًا على المجادلة بأن محنة الشهداء السبعة والأربعين سوف يتبعها تطور مفاجئ للأحداث يؤدي إلى انتصار المسيحيين على المسلمين على سبيل المثال، أو تفسير لماذا يستمر الوجود المسيحي في ظل وجود الآسيويين في الأندلس.

شهداء دون وثنيين:

تتمثل النقطة الثانية في عدم إثارة “شهداء قرطبة” أي تعاطف من جانب مسيحيي الأندلس إلى حقيقة كون المسلمين، كما لاحظ معارضو إيولوخيو، توحيديين يعبدون نفس الإله الذي يعبده المسيحيون، غير أن المسلمين يعيشون وَفقًا لقانونهم الموحى لهم. وكان هذا، بالنسبة إلى المسيحيين المندمجين في المجتمع الأندلسي، اختلافًا مهمًّا جدًّا يميزهم عن الرومان الوثنيين؛ إذ إن ذلك أسهم في تبرير مواقفهم التعاونية تجاه المسلمين، فضلًا عن انتقادهم للمسيحيين الثمانية والأربعين الذين جاهروا بالعداء للإسلام. ومن جهة ثانية، عمل المجتمع الإسلامي في الأندلس على استيعاب المسيحيين واليهود؛ فعاملهم كأهل ذمة، وسمح باندماجهم في المجتمع، ما دامت الديانات الثلاث تؤمن بنفس الشيء، وهو الإيمان بوجود إله واحد.

وعلى الجانب الآخر، فإن موت “الشهداء” الثمانية والأربعين بسبب رغبتهم في تأكيد قداسة المسيح، لا يعد عملًا بطوليًّا كبيرًا بالنظر إلى حقيقة إيمان كلٍّ من المسلمين والمسيحيين بوجود إله واحد، فضلًا عن إيمان المسلمين بالمسيح باعتباره رسولًا لله. ومن ثَمَّ، فإن الاختلافات الدينية بين المسلمين والمسيحيين لم تكن لتبرر هذه الشهادة أو التضحية، كما كان الأمر عليه زمن الإمبراطورية الرومانية الوثنية.

لوحة إعدام أولوكيوس آخر شهيد في حركة شهداء قرطبة

شهداء دون اضطهاد:

وتمثل العامل الثالث في غياب التعاطف المسيحي مع “شهداء قرطبة” إلى اختلاف طريقة معاملة الرومان الوثنيين للمسيحيين عن تلك التي عامل بها المسلمون المسيحيين، فقد دأب الرومان على تعذيب أتباع الدين المسيحي، بمختلف الطرق حتى الموت؛ بما في ذلك الجلد والحرق وإطلاق الوحوش عليهم وإغراقهم.

وعلى النقيض، فإن المسيحيين السبعة والأربعين الذين أُعدموا لم يتعرضوا إلى أي تعذيب؛ فقد أشار إيولوخيو نفسه إلى أن المسؤولين المسلمين منعوا القاضي من ضرب إسحاق أو إيذائه بدنيًّا، على الرغم من معرفتهم أن العقاب على الجريمة التي اقترفها إسحاق هو الإعدام.

اقرأ أيضًا: زرياب.. والأساطير في الموسيقى مع مصطفى سعيد (فيديو)

ومرة أخرى، سعى إيولوخيو إلى التهوين من أهمية عدم تعرض المسيحيين السبعة والأربعين إلى التعذيب من خلال التأكيد أنه ليس هناك أشد عقوبة من الموت نفسه. غير أن حجة إيولوخيو كذلك كانت ضعيفة بالنظر إلى عدم تعرض المجتمع المسيحي في قرطبة إلى أي نوع من أنواع الاضطهاد، وذلك على خلاف الوضع خلال الإمبراطورية الرومانية؛ فقد كان الرومان يقومون بالبحث عن المسيحيين وتعذيبهم وقتلهم في القرنَين الثالث والرابع الميلاديين، بينما لم يتعرض إسحاق ورفاقه إلى التعذيب، كما لم يجبرهم أحد على التخلي عن دينهم المسيحي، أو يمنعهم من ممارسة شعائرهم وطقوسهم؛ وبالتالي فإن هذا لا يضفي عليهم صفة الشهداء، كما سعى إيولوخيو لأن يضفي عليهم.

وفي الختام، يؤكد الكتاب وجود نوع من التسييس في اعتبارهم “شهداء” من عدمه، وأن دأب المؤرخين الإسبان في اعتبارهم شهداءً يعد تبنيًا لحجة إيولوخيو بأنهم تعرضوا إلى تعذيب واضطهاد على يد المسلمين. وعلى الجانب الآخر، فقد ناصر العلماء والمؤرخون الفرنسيون والهولنديون وجهة نظر مسيحيي الأندلس، الذين لم يتعاطفوا مع الشهداء المزعومين، نظرًا لأنهم لم يتعرضوا إلى أي اضطهاد من جانب المسلمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عنوان الكتاب: “الشهداء المسيحيون في إسبانيا المسلمة

تعريف بالكاتب: كينيث باكستر وولف، أستاذ التاريخ بكلية بومونا، كاليفورنيا؛ حيث يدرس بها منذ عام 1985. وحصل على درجة الدكتوراه في تاريخ أوروبا في القرون الوسطى من جامعة ستانفورد الأمريكية. وتنقسم اهتماماته البحثية بين دراسة الأصول الاجتماعية للقداسة المسيحية وآراء المسيحيين عن الإسلام، وكلاهما وضح بصورة رئيسية في أطروحته “شهداء قرطبة”، والتي صدرت في كتاب.

دار النشر: مطبعة كامبريدج الجامعية

سنة النشر: 1988، وهناك نسخة أحدث صدرت في 2014.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة