الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دوليةشؤون عربية

الشرق الأوسط يعيد تشكيل نفسه بعيداً عن أمريكا

يكافح الشرق الأوسط من أجل استعادة عظمة الحضارة الإسلامية. وحتى الآن لم يجد مسلمو المنطقة طريقهم؛ ولكن من الحماقة الاعتقاد أنهم لن يتمكنوا من ذلك. وقد حرر الاضطراب العالمي الجديد الشرق الأوسط إلى حدٍّ كبير من التدخلات الأيديولوجية والعسكرية للدول العظمى. وبدأ اللاعبون الأساسيون في المنطقة بالابتعاد عن رعاتهم السابقين من القوى العظمى الذين لم تعد قيمهم ومصالحهم متوافقة مع قيم ومصالح هذه الدول. وبدأت هذه الدول الشرق أوسطية بتنويع علاقاتها الدولية للتحوط والاستفادة من التغيرات في التوازنات العالمية.

تلخيص وترجمة “كيوبوست”

تشاس فريمان♦

الشرق الأوسط هو نقطة التقاء إفريقيا وآسيا وأوروبا، ومهد الديانات الإبراهيمية الثلاث، وموطن أقدس مقدساتها. وهو يحتضن أكبر موارد الأرض الهيدروكربونية وأسهلها استخراجاً، وهو النقطة التي يمكن فيها قطع خطوط التواصل الاستراتيجية التي تربط بين آسيا وأوروبا. وليس من المستغرب أن تكون المنطقة بؤرة خلاف بين القوى العظمى ومسرحاً لتدخلاتها العسكرية. ولكن هذا الواقع بدأ بالتغير الآن. فبعد عقود من هيمنة الدول الأجنبية -وآخرها الولايات المتحدة- بدأت الآن عملية إعادة تشكيل الشرق الأوسط، من خلال التفاعل بين بلدانه بشكلٍ أساسي.

كان غزو نابليون لمصر بمثابة الجولة الأولى للعدوان الغربي الصادم على قلب الحضارة الإسلامية في غرب آسيا وشمال إفريقيا. وكما هي الحال عند الحضارات العريقة الأخرى التي تراجعت بسبب الإمبريالية الأوروبية مثل الصين والهند، فإن معظم الديناميكيات السياسية في الشرق الأوسط تحركها ردود الأفعال القومية على المواجهات القاسية الناتجة عن التجربة المهينة مع الغرب. ولكن بينما بدأت الصين والهند، ومن قبلهما اليابان باستعادة الثقة في النفس، لا يزال الشرق الأوسط يبحث عن علاج لتبعات مرحلة الاستعمار.

هنالك توافق واسع في المنطقة على أن هذا العلاج يكمن في نوعٍ من تجديد التقاليد، وأشكال الحكم الإسلامية. ولكن الإسلام منقسم شأنه شأن اليهودية والمسيحية، ولا يوجد إجماع حول ماهية الحكم الإسلامي. هل سوف يجري تحديد وتطبيق قيم وسياسات المجتمعات الإسلامية من خلال الممارسات الاستشارية عبر مبدأ الشورى، أم من خلال أمير فاضل يعمل بالتنسيق مع العلماء، أم من قِبل عالم دين يعمل تحت مبدأ ولاية الفقيه؟ وإذا ما تم تبني الديمقراطية البرلمانية، فهل سيكون هنالك من دور للنسخة الإسلامية من الأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوروبا؟ وإذا كان الإسلام هو الجواب، فهل سيكون هو نفسه في المجتمعات السنية والشيعية؟ وإذا كان الإسلام هو الجواب فهل ستكون العسكرة العلمانية لدول مثل مصر بديلاً قابلاً للتطبيق؟

اقرأ أيضاً: عن مفهوم الراديكالية الشيعية والنفوذ الإيراني في السعودية

إن أكثر ما يقسم الشرق الأوسط هي الحسابات الجيوسياسية للدول القومية القوية، والتقاليد الدينية المتنوعة، والمستويات المختلفة من التسامح، وأنظمة الحكم المتناقضة والتوزيع غير المتكافئ للثروات الطبيعية، والمستويات المختلفة من الكفاءة التكنولوجية والتجارب التاريخية المختلفة. فهل مثل هذه المنطقة قادرة على صياغة النظام السلمي الضروري لاستعادة كبريائها الحضاري المفقود وسموها الفكري؟ وكيف سينتهي الخلاف بين التدين والعلمانية، وبين التقاليد الاستبدادية والطموحات الديمقراطية، وبين الاقتصادات الريعية وتلك القائمة على المعرفة، وبين النظام الأبوي والتوجهات النسوية، وبين السلفية والأشكال الأكثر اعتدالاً من الإسلام؟ وإلى أين ستأخذ المنطقة الصراعات بين عرب الخليج وإيران، وبين إسرائيل وإيران، أو إسرائيل والفلسطينيين وغيرهم من العرب؟ حتى الآن لم يتوقف مشكال (آلة أسطوانية تحوي قِطَعاً مُتَحرّكة من الزُّجاج المُلوّن، ما إن تَتَغيَّر أَوْضاعُها حتّى تَعْكِس مَجْموعة لا نهاية لها مِن الأَشْكال الهَنْدسيّة المُخْتلفة الأَلْوان- المترجم) الشرق الأوسط عن الدوران.

إذا حصل تقارب بين المتنافسين على النفوذ الإقليمي سيكون لذلك تأثير كبير على الشرق الأوسط- “دويتشه فيله”

حصل هذا المشكال على دفعة كبيرة عام 1948 عندما أعلن المستوطنون اليهود الأوروبيون في فلسطين، التي كانت تحت السيطرة البريطانية، عن قيام دولة إسرائيل على الأراضي التي كانت عربية. وقد أدى استيلاؤهم العنيف على هذه الأراضي إلى تبلور انقلاب “حركة الضباط الأحرار” في مصر. وكان الانقلاب المصري فاتحة لسلسلة من الانقلابات الثورية على الأنظمة العربية القمعية المتحالفة مع الغرب، التي كان يقودها ضباط مدعومون من أبناء الطبقة الوسطى المتطرفين. حدثت انقلابات مشابهة في العراق عام 1958، وفي سوريا عام 1963، وفي ليبيا عام 1969. ومع أن الثورة الإسلامية في إيران جاءت بقيادة رجال دين بدلاً من ضباط عسكريين، فقد أطاحت بالحكومة التي فرضتها ودعمتها القوى الغربية، واستبدلت بها ديمقراطية موجهة دينياً ومعادية للولايات المتحدة الأمريكية. وعلى الرغم من التفسيرات الغربية الخاطئة للانتفاضات العربية في عام 2011 على أنها تهدف إلى تحقيق الأشكال الأوروبية للديمقراطية؛ فقد عكست هذه الثورات أيضاً تطلعات الشعوب إلى التخلص من الاستعمار الجديد وإعادة فرض الهوية الإسلامية.

يكافح الشرق الأوسط من أجل استعادة عظمة الحضارة الإسلامية. وحتى الآن لم يجد مسلمو المنطقة طريقاً نحو ذلك؛ ولكن من الحماقة الاعتقاد بأنهم لن يتمكنوا من ذلك. وقد حرر الاضطراب العالمي الجديد الشرق الأوسط إلى حد كبير من التدخلات الأيديولوجية والعسكرية للدول العظمى. وبدأ اللاعبون الأساسيون في المنطقة –مصر، وإسرائيل، والمملكة العربية السعودية، وتركيا والإمارات العربية المتحدة- بالابتعاد عن رعاتهم السابقين من القوى العظمى الذين لم تعد قيمهم ومصالحهم متوافقة مع قيم ومصالح هذه الدول. وبدأت هذه الدول الشرق أوسطية بتنويع علاقاتها الدولية للتحوط والاستفادة من التغيرات في التوازنات العالمية في مجالات الاقتصاد والسياسة والقوة العسكرية.

اقرأ أيضاً: ندوة عين أوروبية على التطرف: اليمن وإيران والسياسة الأمريكية في حقبة جديدة

أوروبا، التي كانت ذات يوم موطن القوى الاستعمارية المفترسة، لم تعد لديها طموحات خارج حدودها. وتشير ظواهر مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى أن أوروبا، بعيداً عن التوحد لإظهار القوة، سوف تبقى مهمشة نظراً لانشغالها بتناقضاتها الداخلية. وروسيا وتركيا تخلتا عن قرون من الجهود لتبني الهوية الأوروبية؛ فتركيا تعمل على استعادة روابطها بالشرق الأوسط بعد أن مُزقت هذه الروابط منذ أكثر من قرن، وروسيا استأنفت دورها الدبلوماسي المستقل والفريد في المنطقة. والمملكة العربية السعودية انضمت إلى إسرائيل والإمارات العربية المتحدة في معارضة أي تقارب أمريكي أو غيره مع إيران. ويسعى الثلاثي الإسرائيلي السعودي الإماراتي إلى عرقلة جهود إدارة بايدن لإحياء الاتفاق متعدد الأطراف الذي قيد برنامج إيران النووي إلى أن تخلت عنه إدارة بايدن وانسحبت منه.

تركيا تعاني عزلة غير مسبوقة في المنطقة العربية- “المونيتور”

تزامن صعود الصين وانبعاث روسيا مع التدهور الاقتصادي والاجتماعي في الولايات المتحدة المشلولة سياسياً والمنهكة اقتصادياً؛ ولكنها أكثر حزماً من الناحية القومية. استجابت الولايات المتحدة للتراجع الواضح في قوتها وجاذبيتها بالإعلان عن تكريسها لما سمته “تنافس القوى العظمى”، والعمل على هذا الأساس من خلال تبني سياسات المواجهة مع كل من الصين وروسيا.

وقد ارتفع منسوب التوتر العسكري بين الولايات المتحدة والصين إلى مستوى غير مسبوق منذ الخمسينيات، في حين أن التوتر مع روسيا وصل إلى مستوى لم نشهده منذ الثمانينيات. ولكن التركيز على “تنافس القوى العظمى” الجديد ليس في منطقة الشرق الأوسط، بل في أماكن أخرى مثل أوكرانيا ومضيق تايوان.

أدى هذا التحول في التركيز -إلى آسيا على وجه الخصوص- إلى تراجع الاهتمام الأمريكي بالشرق الأوسط، وأدت التدخلات الفاشلة في أفغانستان والعراق وليبيا والصومال وسوريا إلى النفور من المشاركة بشكل أكبر في شؤون بالشرق الأوسط. ولكنّ هنالك أسباباً موضوعية أيضاً. إمدادات النفط من الخليج العربي لا تزال أساسية بالنسبة إلى الازدهار العالمي، ولكن الاقتصاد الأمريكي لم يعد يعتمد عليها بشكل رئيسي، فقد وضعت تقنيات التكسير الهيدروليكي الولايات المتحدة في موقع المنتج البديل الفعلي في أسواق النفط والغاز. والأمريكيون الآن لا يهتمون سوى بازدهار بلادهم. ونتيجة لذلك، لم يبقَ إلا قليلون في الخارج ممن يرون الولايات المتحدة كحارس جدير بالثقة لضمان استمرار إمدادات نفط الشرق الأوسط إلى العالم أو كضامن يعتمد عليه في الاستقرار السياسي للمنطقة.

كانت المهمة الرئيسية للوجود البحري الأمريكي في الخليج وبحر العرب هي حماية الوصول العالمي إلى مصادر إمدادات الطاقة في المنطقة. أما الآن فقد أصبحت المهمة استهداف إيران. وقد أدى فشل التدخل العسكري الأمريكي في أفغانستان في التغلب على المقاومة الإسلامية، والنتائج الكارثية للتدخل الأمريكي في العراق، إلى التقليل من قيمة الحماية العسكرية الأمريكية لدول المنطقة. وقرار إدارة بايدن بالانسحاب من أفغانستان، هو تأكيد على التراجع المستمر للدور الأمريكي.

إن المصير الذي لاقاه رجل مصر القوي حسني مبارك، وعجز الولايات المتحدة عن حماية حكام البحرين السُّنة من الأغلبية الشيعية قد أقنع الحكام الذين كانوا يعتبرون الولايات المتحدة الضامن الأكبر لوجودهم في السلطة بأنه لم يعد بإمكانهم الاعتماد على واشنطن، ونتيجة لذلك بدأوا في التخفيف من اعتمادهم على الولايات المتحدة، وشرعوا في إقامة علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية مع القوى العظمى الأخرى؛ بما فيها الصين، ودول أوروبا، والهند، وروسيا، وتركيا.

اقرأ أيضاً: رحيل مبارك.. ثاني أطول حكام مصر الحديثة بقاءً في السلطة

الولايات المتحدة هي القوة الخارجية الوحيدة القادرة على نشر قوة عسكرية حاسمة في الشرق الأوسط، ومع ذلك فقد توقف الشركاء الأمنيون الرئيسيون للولايات المتحدة في الشرق الأوسط عن اتباع نهج الولايات المتحدة في قائمة طويلة من المسائل. لا توجد أية علاقات بين إيران والولايات المتحدة سوى العداء.. وتعاني العلاقات مع مصر مشكلات مشابهة. وهنالك انفصال كامل من الناحية الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وتركيا.

يهود أمريكيون يحتجون على انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان- أرشيف

وبينما تتراجع واشنطن من الشرق الأوسط فكرياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً، فإن دول المنطقة بدأت تتقدم ببطء نحو حل مشكلاتها بنفسها؛ بما في ذلك محاولة تسوية الخلافات التي مكنتها السياسة الأمريكية من تجاهلها لفترات طويلة. ومع تراجع الدعم الأمريكي، فهم يدركون أنه يجب عليهم المجازفة السياسية لحماية مصالحهم. وبدأوا يفعلون ذلك بشكل متزايد دون تنسيق مع الولايات المتحدة أو مع أية قوة عظمى أخرى خارج المنطقة.

لذلك بدأنا نشهد إعادة تشكيل للعلاقات في المنطقة. ومثال ذلك هو ما يعرف باتفاقيات إبراهيم التي روجت لها إدارة ترامب على أنها دليل على أهمية الدور الدبلوماسي الأمريكي، بينما في الواقع تم تسهيلها بواسطة القوة والنفوذ الأمريكيين. وبدلاً من تأكيد دور الولايات المتحدة كوسيطٍ بين الدول العربية وإسرائيل، فقد استبدلت بهذا الدور القوة والنفوذ.. ربما تستيقظ مصر من الغيبوبة السياسية التي أوقعتها بها التشنجات الداخلية على مدى السنوات العشر الماضية، ويبدو أن القاهرة تحاول الآن صياغة علاقات مع العراق؛ لتوفر له البديلَ عن الاعتماد على إيران. والعراق منخرط في محادثات وساطة بين إيران والسعودية. والأردن يتطلع إلى مصر والعراق والمملكة العربية السعودية؛ للحصول على دعم في مواجهة إسرائيل التي لم تعد خاضعة للولايات المتحدة الأمريكية. وتركيا أصبح لديها وجود عسكري في قطر المجاورة للسعودية، وفي السودان المجاورة لمصر والمملكة أيضاً. هنالك الكثير مما يجري في الشرق الأوسط.

اتفاقيات إبراهيم زلزال هز العالم- “ديترويت جويش نيوز”

تعتبر دول المنطقة الانسحابَ الأمريكي الذي طال انتظاره من أفغانستان تأكيداً على حاجتها إلى أن تفطم نفسها عن الاعتماد على الولايات المتحدة أو القوى العظمى الخارجية الأخرى في أمنها. ويبدو أن معظم هذه الدول تستخدم علاقاتها مع الرعاة الخارجيين كإجراء مؤقت للانتقال إلى سياساتٍ خارجية مستقلة قائمة على سياسةٍ واقعية تخدم المصالح الذاتية.

اقرأ أيضاً: الاتفاق بين الولايات المتحدة وطالبان لا يضمن السلامَ في أفغانستان

من ناحيتها، فلا تزال الولايات المتحدة متورطة في ألاعيب القوى الإقليمية التي لا ترتبط كثيراً بتنافس القوى العظمى. وقد عكس استعداد الإمارات العربية المتحدة والبحرين لإقامة علاقاتٍ علنية مع إسرائيل إدراكهما للتحولات الكبرى في المنطقة، والدور المتعاظم لإيران.

أدت حاجة إسرائيل إلى إخضاع الفلسطينيين إلى تطويرها لأحدث الأدوات والتقنيات اللازمة لعمل الدولة البوليسية. كما أظهرت التطورات الأخيرة، فإن الإساءات الإسرائيلية والواضحة والمستمرة تجاه سكانها العرب الذين تحكمهم تجعل منها دولة منبوذة من الناحية الأخلاقية، حتى من قِبل من هم غير مولعين بالفلسطينيين. وقد وصل جزء من هذا التلوث إلى الولايات المتحدة، وقضى على أي احتمال لأن تلعب دور الوسيط بين إسرائيل وأعدائها.

لطالما خفف الدعم الأمريكي غير المشروط من الضغوط على إسرائيل لدفعها نحو اتخاذ قرارات حول كيفية تأمين مستقبلها؛ ولكن السياسات الأمريكية والإسرائيلية تجاه القضايا الإقليمية لم تعد متطابقة. وبدأ التعاطف مع السياسات الإسرائيلية يتراجع بسرعة بين اليهود، وغير اليهود في الولايات المتحدة وأوروبا، بالانحسار بسرعة، وكذلك قدرة الولايات المتحدة على استثناء إسرائيل من القانون الدولي وأحكام المتضررين من سلوكها.

بايدن يؤكد في اتصال هاتفي مع نتنياهو دعمه وقف إطلاق النار في غزة- “يو إس إيه توداي”

اليهودية دين يقوم على الأخلاق الإنسانية العالمية، ويركز بشكل خاص على تحقيق العدالة؛ ولكن في نظر أعدادٍ متزايدة من اليهود الأمريكيين والأوروبيين فقد أصبحت الصهيونية بمثابة إنكار قومي لليهودية، وأيديولوجية عنصرية صريحة تسيء المظالمُ التي ترتكبها إلى قيم التقاليد اليهودية بدلاً من تعزيزها. يُدين بعضُ اليهود المتدينين الولاءَ لدولة إسرائيل ورموزها باعتباره نوعاً من الوثنية، وبالتالي يرون أنه يمثل إساءة إلى التوحيد الذي يمثل جوهر العقيدة اليهودية.

نجحت الصهيونية في جعل حل الدولتين أمراً مستحيلاً، وفي ظلها تحكم إسرائيل أربع فئاتٍ من المواطنين:

  • المواطنون اليهود الذين يشاركون بشكل كامل في ديمقراطية إسرائيل المجزأة.
  • المواطنون العرب المهمشون سياسياً والذين يعانون التمييز.
  • العرب الذين حرمتهم السياسة الإسرائيلية من الجنسية، ومن حقوقهم، والذين يعيشون تحت طغيان الاحتلال العسكري الموجه ديمقراطياً.
  • سكان غزة، ومعظمهم من اللاجئين من بقية أنحاء فلسطين، والذين تحاصرهم إسرائيل وتخضعهم لحملاتٍ عسكرية وحشية تهدف إلى ترويع المعارضين منهم وقتلهم.

وغالباً ما يُقارن هذا النظام الإسرائيلي بنظام الفصل العنصري. وهو في العديد من النواحي أكثر قسوة منه. وكما هي الحال في نظام الفصل العنصري، فإن هذا النظام يخلق تدريجياً نضالاً مدعوماً دولياً من أجل حقوق الإنسان، والحقوق المدنية للمضطهدين. وفي هذا السياق، يجب الانتباه إلى أن الملونين بدأوا مؤخراً في لعب دور في السياسة الأمريكية، يتناسب مع أعدادهم، ونسبة مشاركتهم في الاقتراع. وهؤلاء يعرفون العنصرية عندما يرونها، وما يرونه في إسرائيل هو سلسلة لا منتهية من الأمثلة المروعة عليها.

اقرأ أيضاً: ردود فعل واسعة بعد اتهام إسرائيل بالفصل العنصري والاضطهاد

واليوم لم تعد إسرائيل قادرة على الادعاء بأنها تحمل القيم والتطلعات الأخلاقية الأوروبية أو الأمريكية نفسها. وإذا لم ترجع إسرائيل إلى المعايير الغربية فإنها بمرورِ الوقت ستجد نفسها بعيدة عن الغرب، كما هي الآن بعيدة عن بقية دول العالم. وبعد أن ولدت إسرائيل من رحم الصهيونية أصبحت الآن بحاجة إلى أن تتجاوزها.

العقوبات والمقاطعة ساعدت جنوب إفريقيا على التخلص من نظام الفصل العنصري.. فهل حان دور إسرائيل؟- “الغارديان”

 كما هي الحال في بعض الدول العربية، يشجع عدم اليقين المتزايد بشأن استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل على الاعتراف بأن بقاءَها على المدى الطويل يعتمد على المخاطرة من أجل السلام. ويجب على كل من يهتم بمستقبل إسرائيل أن يفكر بهذه الطريقة. في الوقت الراهن يبدو أن عدداً قليلاً من الدول تميل إلى الاقتداء بالولايات المتحدة في نهجها تجاه مكافأة النفاق الدبلوماسي والتعنت والعسكرة الإسرائيلية بنقل سفاراتها إلى القدس، والاعتراف بضم الأراضي التي لطالما حكم عليها بأنها تنتهك القانون الدولي، أو الاستمرار في غض النظر عن معاناة الفلسطينيين، أو انتهاك إسرائيل لسيادة جيرانها.

تواجه المملكة العربية السعودية تحدياتٍ أكبر من تلك التي تواجهها إسرائيل. بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1980 أصبحت العلاقات الأمريكية- السعودية مركزية بالنسبة إلى دور الولايات المتحدة، بقدر العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية؛ ولكنّ القرن الحادي والعشرين كان له تأثير كبير على علاقات المملكة مع الولايات المتحدة، ومع جيرانها. كانت الصفقة الأساسية التي قامت عليها العلاقات السعودية- الأمريكية هي أن تقدم السعودية للولايات المتحدة وصولاً تفضيلياً إلى النفط السعودي، بمقابل حماية أمن المملكة. إلا أن هذا العقد قد تجاوزته الأحداث والتغيرات في مواقف الجانبين، وتراجعت علاقة الدعم المتبادل لتصبح علاقة صفقات لا أكثر.

كانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر على الولايات المتحدة التي شنتها “القاعدة” جزءاً من جهودها للإطاحة بالنظام الملكي السعودي، من خلال نسف الدعم الأمريكي لها. ولهذا الغرض حرص مخططو هذه الهجمات على أن يكون معظم المتطرفين الذين شاركوا في تنفيذها من الجنسية السعودية. وقد نجحت هجماتهم على نيويورك وواشنطن إلى حد يتجاوز كثيراً ما كانوا يحلمون به.

كانت هجمات 11 سبتمبر جزءاً من مخطط “القاعدة” للإطاحة بالنظام الملكي السعودي- أرشيف

لقد رسخت أحداث 11 سبتمبر الإسلاموفوبيا في السياسة الأمريكية، وأنتجت “حرباً عالمية على الإرهاب” لا نهاية لها، وجاءت بنتائج عكسية؛ إذ أنتجت زيادة هائلة في أعداد الإرهابيين المسلمين المعادين للولايات المتحدة، المنتشرين في مختلف أنحاء العالم. يواصل هؤلاء الإرهابيون محاولة إنهاء العلاقات السعودية- الأمريكية، وفي الوقت الراهن فإن برامج التعاون الوحيدة بين البلدين التي تحظى بدعم شعبي في المملكة أو في الولايات المتحدة هي تلك التي تهدف إلى إحباط المزيد من الهجمات الإرهابية على أي منهما أو كليهما.

وفي عام 2003 أدت العملية الأمريكية الرعناء لتغيير النظام في العراق إلى إزالته من موقع القوة الموازنة لإيران، ودمرت توازن القوى في الخليج العربي، ومكنت الجمهورية الإسلامية في إيران من ترسيخ نفوذها في العراق وسوريا ولبنان وغزة واليمن. وقد وضع التوسع الإيراني السعودية في موقفٍ دفاعي ضد ما تعتبره محاولة لتطويقها. وعندما اندلعت الاضطرابات في البحرين بتشجيعٍ من إيران لم يكن أمام السعودية، وبقية دول مجلس التعاون الخليجي، من خيارٍ سوى دعم الحكومة البحرينية.

ساعدت محاولات الإطاحة بحكومة الأسد التي تدعمها إيران -شأن المحاولات الموازية لإسرائيل وتركيا والولايات المتحدة والسعودية وغيرها- على تدمير سوريا كمجتمعٍ منظم؛ ولكنها فشلت في الإطاحة بالأسد. علاقة التعاون الحذرة بين قطر وإيران لم تتغير، ولم تجدِ المقاطعةُ الخليجية في زحزحتها. وكذلك باءَتِ الجهود السعودية لمواجهة إيران في لبنان والعراق بالفشل أيضاً. والآن تتطلع المملكة إلى الصين والهند وروسيا للتعويض عن تراجع الدعم الأمريكي، بينما تعمل على تعزيز قوتها الذاتية.

وقد أعطتِ الإصلاحات في السعودية شعبية كبيرة لمحمد بن سلمان، بين جيل الشباب السعودي. حظي العديد من هذه الإصلاحات بتصفيق الغرب، وتوسعت حريات النساء السعوديات بسرعة على الرغم من أنها لا تجاري سرعة الحركة النسوية التي هيمنت على المعايير الغربية المعاصرة. ورفع الحظر عن المسارح والحفلات الموسيقية، وتم إسكات العناصر الأكثر تشدداً في المؤسسة الدينية السعودية؛ مما سهل إجراء المزيد من الإصلاحات والانفتاح، والمزيد من الجهود في محاربة الإسلام السياسي.

اقرأ أيضاً: صحف غربية تجيب: ما السرّ وراء الترحيب السعودي الشعبي بالإصلاحات؟

تمت إعادة هيكلة الاقتصاد بهدف زيادة الوظائف وتعزيز الصناعة، وتجري خصخصة الأصول السعودية منخفضة الدخل نسبياً، ويجري تعزيز قيمة “أرامكو” السعودية للترويج لمزيدٍ من التحديث في المملكة. أخيراً بدأ التحول المنتظر من الاقتصاد القائم على النفط إلى اقتصاد قائم على المعرفة.

في الوقت نفسه، تستجيب المملكة العربية السعودية لانتكاسات سياساتها الخارجية من خلال الضرب بمفردها. وبعض مبادراتها تتطابق مع السياسات الأمريكية والإسرائيلية، وبعضها الآخر لا يفعل. بدأت المملكة حواراً غير معلن مع إسرائيل وإيران. ويبدو أنها تسعى الآن للتقارب مع الأسد، وتجديد التعاون مع سوريا، لموازنة النفوذ الإيراني في لبنان. وبينما لا تزال المملكة تضمر العداء للإخوان المسلمين، وتختلف مع تركيا، فهي على ما يبدو تسعى لتحقيق بعض الانفراج معها.

لا شك أن المملكة فقدت مركزيتها في السياسة الأمريكية في الخليج، واستُبدل بدورها في نواحٍ عديدة دورُ الإمارات العربية المتحدة. تمتلك الإمارات انفتاحاً واسعاً وديناميكية لا تستطيع المملكة أن تضاهيها، وهي مجتمع متدين إلى حد كبير، ولكنه متسامح إلى حد كبير أيضاً، ويدعم هيكله الفيدرالي التنوع الاجتماعي والاقتصادي. وقد تجاوزت الإمارات المملكة كأكبر سوق للصادرات الأمريكية في غرب آسيا وشمال إفريقيا. والقوات الإماراتية تجسد روح المحارب العربي، وهذا ما جعلها الرفيق المفضل للقوات الأمريكية في ساحة المعركة، والقوى الفاعلة المستقلة في أماكن بعيدة عن الإمارات مثل ليبيا.

وفي الوقت نفسه، أدت خطوة أبوظبي البراغماتية إلى اكتساب الإمارات سمعة الإدارة الذكية والمستقلة لشؤونها الخارجية. وعلى الرغم من أنها أصبحت أقرب إلى الولايات المتحدة؛ فإن علاقات الإمارات مع الصين والهند وروسيا قد تعززت أيضاً. تسعى الإمارات أيضاً لتعزيز استقلالها من خلال بناء علاقات ودية مع أوسع مجموعة ممكنة من القوى العظمى. وعلى العكس من قطر، فهي لا تسعى لأن تضع نفسها دبلوماسياً بين السعودية وإيران.

التقت إسرائيل والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة حول مخاوف بشأن إيران؛ ولكن مخاوفها مختلفة، فإسرائيل تخشى أن تفقد احتكارها للسلاح النووي في المنطقة، والمملكة تشعر بالتهديد من الغلبة السياسية لإيران في سوريا ولبنان والعراق، ومن تحريضها للشيعة في البحرين على السلطة، ودعمها لتحدي الحوثيين للهيمنة السعودية على اليمن. تشترك الإمارات مع السعودية في بعض هذه المخاوف؛ ولكنها تعترض على احتلال إيران لجزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى التي تقع على جانبي الممر الاستراتيجي بين الخليج وبحر العرب.

الجزر الإماراتية المحتلة تقع على جانبَي الممر الاستراتيجي بين الخليج العربي وبحر العرب- أرشيف

تنبع مخاوف العرب من إيران من التاريخ بقدر ما تنبع من التطورات منذ الثورة الإسلامية عام 1979؛ فقد سيطرت سلسلة من الإمبراطوريات الفارسية، من وقتٍ لآخر، على الجانب العربي والجانب الإيراني من الخليج. ولأن إيران دولة شيعية، فهي توصف بأنها منحرفة وأعجمية.

تحتفظ دول المنطقة بذكرياتٍ مريرة عن الشاه بصفته الدركي الإقليمي الذي عينته الولايات المتحدة أو لتعاونه مع إسرائيل ضد المصالح العربية أثناء الحرب الباردة. تم إنشاء مجلس التعاون الخليجي لمواجهة تصدير التشيُّع، وتصدير الديمقراطية التي يقودها الفكر الديني التي أعقبت الإطاحة بالشاه. قضت نهاية الحرب الباردة على المعارضة الاستراتيجية للاتحاد السوفييتي كمبرر للتعاون بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك التعاون الأمريكي- السعودي.

كان العراق في عهد صدام حسين عدواً حقيقياً لإسرائيل؛ ولكن محاولة العراق لضم الكويت أدت إلى تدميره من قِبل تحالف بقيادة الولايات المتحدة والسعودية عام 1991 مع انتهاء الحرب الباردة. وفي هذا السياق الفريد، كانت الجمهورية الإسلامية المولعة بالحرب علاجاً مفيداً لمتلازمة “الحرمان من العدو” عند إسرائيل. وكان العداء المشترك لإيران ميزة إضافية توفر مبرراً معقولاً ومنطقياً لاستمرار الدعم الاستراتيجي الأمريكي لإسرائيل.

من جهتها، ترى إيران أن النظام الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط؛ بما فيه الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل العدوانية، هو نظام ظالم ومعادٍ للمسلمين. وتشعر إيران بالاستياء من التدخلات الأمريكية في شؤونها السياسية. وتجد في القضية الفلسطينية وسيلة مقنعة ومفيدة في نفس الوقت لإقامة قضية مشتركة مع أعداء إسرائيل والولايات المتحدة. يشجع الفخرُ بالثقافة الإيرانية، والشعور بالظلم من ناحيةِ العديد من القوى الكبرى، المقاومةَ الإيرانية الشرسة للإملاءات الخارجية، والهيمنة والتحديات الواضحة للهوية الوطنية. إيران هي خصم شائك للغاية، يعتمد على إرث يرجع إلى آلاف السنين من الحكم الحصيف يستحق الاحترام. ولكن السياسة الأمريكية المتمثلة في ممارسة الحد الأقصى من الضغط، والحد الأدنى من الاحترام، لم تترك مجالاً لأي حلول غير عسكرية للمشكلات الأمنية.

اقرأ أيضاً: النزعة التوسعية الإقليمية الإيرانية ومؤشرات التغيير

أظهرت إيران صموداً ملحوظاً في وجه التهديدات الإسرائيلية والأمريكية المتكررة بقصفها، وباغتيال كبار مسؤوليها وللدعم الأجنبي السافر لتطلعات حركة مجاهدي خلق الفاشية لتغيير النظام. قد تبدو التحديات العدوانية للثورة الإيرانية مبرراً لتطويرها للردع النووي. تمتلك إيران برنامجاً نووياً ورثته عن الشاه؛ ولكن الجمهورية الإسلامية لطالما أدانت الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل الأخرى ووصفتها بأنها غير أخلاقية. وحتى الآن لا يوجد دليل على أنها تتبع خط إسرائيل سراً في بناء مثل هذا الرادع.

سياسة الضغط الأقصى الأمريكية تجاه إيران جاءت بنتائج عكسية- “فاينانشال تايمز”

وَسَعَت إيران بقوة نفوذها الإقليمي عبر ملء الفراغ السياسي الذي خلقته الجهود الأمريكية الفاشلة لتغيير النظام في العراق وسوريا. كما استفادت إيران من توسيع الولايات المتحدة “للحرب العالمية على الإرهاب” إلى كل ركن من أركان العالم الإسلامي، وإن كانت لم تستفد منه بقدر ما استفاد المتطرفون السنة. وأصبحت شبكة إيران تضم الحكومة السورية والميليشيات في لبنان والعراق واليمن والمتعاطفين معها في البحرين، والديمقراطيين الإسلاميين السنة في “حماس” المحاصرين في غزة. وهذا التوسع الإيراني يهدد إسرائيل ويتحدى جيرانها العرب السنة. ولكن، كبقية اللاعبين الإقليميين، لم تعد إيران تركز كثيراً على تنافس القوى العظمى على الهيمنة على الشرق الأوسط، في تعاطيها مع دول وشعوب المنطقة؛ بما فيها منافستها التقليدية تركيا.

في فترة النظام العالمي ثنائي القطب أثناء الحرب الباردة، كان من الممكن تحليل الشرق الأوسط على أساس تحالفات دوله مع إحدى القوتين العظميين. ولكن هذا التحليل الشامل البسيط لم يعد مجدياً الآن؛ حيث أصبحت دول المنطقة تتعامل بشفافية في سبيل مصلحتها، وليس مصلحة الراعي الخارجي. وهذا ما وفر فرصة لموسكو للعب دور متجدد في المنطقة، وهذه المرة بصفتها دبلوماسياً بارعاً وميسراً للجهود الإقليمية للتقليل من التوترات وحل النزاعات. وبدأت بكين أيضاً بتقديم خدماتها كوسيط على الرغم من عدم تمكنها من تحقيق نتائج ملحوظة حتى الآن.

إن عودة ظهور روسيا، وزيادة الانخراط الصيني في الدبلوماسية الإقليمية، لا تجعلان من الشرق الأوسط ساحة “لتنافس القوى العظمى” التي يصر العسكريون الأمريكيون على أنها هي ما يجب أن يحدد السياسات الحالية. باتت الآن المنافسات الثنائية والديناميكيات السياسية تتولد من داخل المنطقة نفسها. والدور الأمريكي يتراجع ليصبح جزءاً من التاريخ، جنباً إلى جنب مع الحقبة التي كانت فيها القوى العظمى قادرة على الإشراف على التفاعل بين العرب، والإيرانيين، والإسرائيليين، والأكراد، والأتراك. لم يعد الشرق الأوسط مجال نفوذ لأية جهة خارج حدوده.

♦السفير الأمريكي السابق في السعودية، إبان عملية عاصفة الصحراء، وأستاذ زائر في معهد واتسون للشؤون الدولية والعامة التابع لجامعة براون.

المصدر: ريسبونسيبل ستيتكرافت

اتبعناعلى تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة