الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

الشرق الأوسط وولاية جديدة لناريندرا مودي

كيوبوست

حقَّق حزب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي “بهاراتيا جاناتا” فوزًا تاريخيًّا في الانتخابات البرلمانية التي أُعلنت نتائجها في الثالث والعشرين من مايو الماضي؛ حيث أظهرت بيانات مفوضية الانتخابات في الهند أن حزب “بهاراتيا جاناتا” حلّ في المركز الأول، ثم كانت اليمين الدستورية التي أداها الرجل بمثابة إعلان بداية ولاية جديدة ستستمر خمس سنوات لرئيس وزراء نجح في تأسيس وضع قوي للهند في علاقتها بالمنطقة العربية؛ خصوصًا بلدان الخليج، وهو وضع دون مبالغة ربما لم تكن تحظى به الهند قبل عقد أو اثنَين.

براجماتيًّا، فإن اهتمام مودي بالمنطقة يبدو في حقيقته مدفوعًا بإدراك وحس سياسي قوي بمجموعة من الأبعاد؛ من بينها بالطبع الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط؛ سواء في ما يتعلق بإمدادات الطاقة اللازمة للهند كقوة عسكرية عالمية، وأخذًا في الاعتبار نمو الطلب الداخلي على الطاقة بما يفوق ما هو معروض، ثم هناك بالطبع البُعد الأمني؛ خصوصًا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي دفعت كثيرًا من القوى الكبرى إلى إيلاء اهتمام خاص بالمنطقة، غير أن ما يميز الهند عن هؤلاء هو حقيقة أنها اللاعب العالمي الأقرب جغرافيًّا إلى المنطقة من أية قوة كبرى أخرى.

ثم هناك هذا الطموح الذي يحمله رئيس الوزراء لبلاده بأن تكون القوة العسكرية الأكبر في المحيط الهندي، بالتوازي مع دور نامٍ على صعيد التجارة الدولية؛ وهو ما يزيد بالطبع من حرص الهند على ضمان حرية الملاحة في المنطقة؛ خصوصًا الخليج العربي، وقبل كل هذا حالة عدم الاستقرار التي اجتاحت عددًا من بلدان المنطقة في سنوات ما بعد الربيع العربي التي قد تخشى الهند تأثيرها على جاليتها الممتدة في الإقليم. وأخيرًا، فإن حالة عدم اليقين التي يشهدها النظام العالمي، وبروز سمات تعددية قطبية، ربما أعطيا رئيس الوزراء الهندي طموحًا ورغبةً في تعميق وضع بلاده الدولي، وبالطبع الشرق الأوسط، وهو من أهم الأقاليم التي قد يمر عبرها هذا الطموح، أخذًا في الاعتبار القلق الهندي بالطبع من توسُّع النفوذَين الصيني والروسي -اقتصاديًّا وعسكريًّا- والتنافس مع باكستان في المنطقة.

اقرأ أيضًا: الإمارات تفتح بابًا على الهند، وشراكة دفاعية وتجارية متصاعدة

انطلاقًا من تلك الأبعاد يمكن فهم اهتمام مودي بالمنطقة، وسعيه للتقارب وبشكل خاص مع بلدان الخليج، وهو اهتمام برزت ملامحه على مستويات عدة خلال ولايته الماضية؛ من بينها تلك الزيارات على مستوى رؤساء الدول أو مَن يماثلهم، وتوقيع اتفاقات التعاون الدفاعي مع بلدان؛ أبرزها السعودية والإمارات وعمان، بالإضافة إلى التدريبات العسكرية المشتركة.

وفي الحقيقة، فإن تلك التحركات السابقة والمستقبلية لربما يَسَّرها وأعطاها قوة دفع مجموعة من مصادر القوة الناعمة التي تملكها الهند؛ في مقدمتها بُعد تاريخي وثقافي، وسجل من عدم التدخُّل العسكري أو السياسي في المنطقة وشؤون بلدانها الداخلية، وقبل كل هذا، كما قُلنا مسبقًا، جالية هندية منتشرة في عدد من بلدان المنطقة؛ وعلى رأسها الخليج العربي، تزيد على 7.5 ملايين شخص؛ ففي السعودية 4 ملايين، وفي الكويت 700 ألف، وفي الإمارات مليونان، وفي قطر 65 ألفًا، والبحرين 400 ألف، وعمان 450 ألفًا. ناهيك باستثمارات وعلاقات اقتصادية مشتركة اتَّسعت في عهد رئيس الوزراء الحالي؛ حتى بلغ حجم التجارة بين الهند ومجلس التعاون الخليجي في العام 2018 فقط ما يقرب من 120 مليار دولارًا أمريكيًّا.

وفي المقابل، هناك بالطبع الفرص الحالية والمستقبلية؛ إذ يدرك رئيس الوزراء الهندي رغبة الدول العربية -وحركتها الفعلية- في السنوات الأخيرة في توسيع رهانات سياستها الخارجية، وتعزيز علاقاتها بالقوة الكبرى على تنوعها واختلافاتها. أضف إلى هذا أن مساعي الانسحاب الأمريكي من منطقة الشرق الأوسط؛ خصوصًا في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب، لربما أعطت أُفقًا للهند كإحدى الدول التي يمكن أن توفر ضمانات أمنية للمنطقة.  

وإن كانت الهند قد سَعَت في عهد مودي إلى بناء سياسة خارجية محايدة ومتزنة تجمع علاقات مع الخصوم (البلدان العربية وإسرائيل، الخليج وإيران)، أخذًا في الاعتبار حقيقة وجود استثمارات هندية في أغلب بلدان المنطقة وجاليات هندية بالتأكيد لا تزال في ذاكرتها ثلاث عمليات إجلاء: من الكويت 1991، وليبيا 2011، واليمن 2015.. لكن مجددًا، فإن هذا لا ينفي حقيقة أن القرب الهندي من المصالح الخليجية في المنطقة هو الأكثر وضوحًا في مواجهة خصوم الخليج العربي.

اقرأ أيضًا: لماذا تعتبر الهند سلطنة عُمان حليفًا إستراتيجيًا في الخليج؟

فعلى الرغم من مساعي وسياسة الحياد الخارجي الهندية؛ فإن علاقة الهند بتركيا مثلًا يشوبها الفتور بل والتوتر في بعض الأحيان، بسبب قرب الأخيرة من باكستان والصين.. لهذا نجد مثلًا أن العلاقات التجارية بين الهند وتركيا لم تتجاوز 8 مليارات في عام 2018. كذلك وبرغم إبقاء الهند على علاقات مع إيران، خشية أن تنجرف الأخيرة إلى أحضان روسيا والصين؛ فإن حجم التجارة الخارجية بين البلدَين مثلًا وفي العام ذاته نجده لم يتجاوز 16 مليار دولار، مقارنة بـ120 مليار دولار مع دول الخليج.

خلاصة القول.. إن إعادة انتخاب مودي في الأغلب سوف تُترجم بمزيد من العلاقات القوية تجاه المنطقة، وشراكات استراتيجية مع بلدانها الخليجية. بتعبير آخر، فإن تأطير الشرق الأوسط -في عهد مودي- وَفق منطق اقتصادي فقط أصبح خيارًا مستبعدًا؛ فسياساته الخارجية خلال السنوات الماضية تشير إلى رغبة في تأطير منطقة الشرق الأوسط وَفق استراتيجية جيوسياسية أوسع للهند تتيح مساحة للعب دور أكبر في تعزيز الاستقرار والأمن بالمنطقة، وهذا في النهاية عبر سياسة خارجية تتسم بالتوازن، وتعميق العلاقات، وقبول الأنظمة السياسية العربية على اختلافها وتنوعاتها.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة