الواجهة الرئيسيةحواراتمجتمع

الشرفي: المجتمعات العربية الإسلامية لم تشارك في انتاج الحداثة (1-3)

حاورته: فاطمة بدري

عبد المجيد الشرفي

وُلد عبد المجيد الشرفي في صفاقس في 24 يناير 1942، وهو حاصل على دكتوراه الدولة في الآداب في سنة 1982، وباشر التدريس بالمعاهد الثانوية (1963-1968) ثم بدار المعلمين العليا بتونس (1969-1982)، وبكلية الآداب والعلوم الإنسانية أستاذاً محاضراً (1982-1986) وبكلية الآداب بمنوبة أستاذاً للحضارة العربية والفكر الإسلامي (1986-2002)، وتولى خطة عميد لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس (1983-1986).

ومن جهةٍ أخرى، ترأس الشرفي اللجنة القطاعية لإصلاح برامج العربية بوزارة التربية (1987-1988) وكلِّف بمهمةِ تنسيق الإصلاح الجامعي بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي (1988-1989). وكان رئيساً وعضواً في عديد اللجان، والمجالس، والهيئات الاستشارية والعلمية والأكاديمية، في تونس وخارجها، واختير صاحب كرسي اليونسكو للأديان المقارنة بجامعة منوبة (1999-2003).

في ديسمبر 2015، انتخب الدكتور عبد المجيد الشرفي، وبأغلبيةٍ واسعة، رئيساً للمجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة”، خلفاً للمفكر الراحل هشام جعيط، وحمل معه رؤى مجددة لمزيد تطوير أداء هذه المؤسسة التي أنشئت سنة 1983.

ولعبد المجيد الشرفي مؤلفاتٌ عديدة؛ منها: «الفكر الإسلامي في الردِّ على النصارى إلى نهاية القرن الرابع/العاشر» (1986)، «الإسلام والحداثة» (1990)، «لبنات» (1994)، «الإسلام بين الرسالة والتاريخ» (2001)، «مرجعيات الإسلام السياسي» (2014).

غلاف كتاب “الإسلام والحداثة”

أشرف هذا الباحث التونسي على عددٍ كبير من الرسائل الجامعية، سواء في مستوى الكفاءة في البحث أو الماجستير أو دكتوراه المرحلة الثالثة، أو دكتوراه الدولة، ما أهله ليكون على رأس مدرسة خاصة في دراسة الفكر الإسلامي، يقول الباحثون إن لا أحد يزاحمه فيها على مستوى الوطن العربي.

كما ساهم المفكر عبد المجيد الشرفي من خلال سلسلة كتب «الإسلام واحداً ومتعدداً» التي ألفها أساتذةٌ تونسيون في الجامعة التونسية، تحت إشرافه، في إثارة كثيرٍ من القضايا المتصلة بالفكر الإسلامي، بواسطة مناهج تاريخية ومقارنة ونقدية، لم تألفها الدراسات التقليدية.

غلاف كتاب “الإسلام بين الرسالة والتاريخ”

ويتميز الشرفي عن غيره من المفكرين الذين بحثوا في الحداثة والفكر الإسلامي بانخراطه المبكر ضمن عدة مشروعاتٍ مؤسسية، استهدفت إحداث تغييرٍ جذري في بنية الفكر الإسلامي. ولهذا كان اسم عبد المجيد الشرفي الأبرز والأكثر حضوراً كلما دار الحديث حول إعادة قراءة النص الديني، اعتماداً على المقاربات والمناهج الحديثة، دون المناهج الكلاسيكية، لا على المستوى المغاربي والعربي فقط بل حتى لدى المفكرين الغربيين.

وعلى سبيلِ الذكر لا الحصر، بعد إشرافِه على مشروع المصحف وقراءاته (2016) الذي صدر في خمس مجلدات وتولِي الشرفي تحريره أيضاً، أثار المشروع اهتماماً كبيراً من الدارسين الغربيين، حتى أن المستشرقة الألمانية أنجيلكا نويفرت قد علَّقت بقولها “هذه الطبعة التونسية تجعل القرآن مقروءاً بصورةٍ صحيحة كمجالٍ لأصداء زمانه”، بينما قال جان فوتين مدير مركز قرطاج إن هذا العمل “يمسُّ أسسَ الإسلام الراسخة”.

غلاف كتاب “مرجعيات الإسلام السياسي”

وبينما تلاقي كتبُ الشرفي ومشاريعه الفكرية التبجيلَ، وتترك دائماً صداها الكبير، وتثير الجدل أيضاً لأنها تنادي في أغلبها بضرورة موائمة الفكر الإسلامي مع الحداثة، ولأنه لا يتردد في نقد وتشريح العقول المتكلسة عربياً وإسلامياً، فإنه غير مرغوب من جماعة الإخوان المسلمين الذين خصهم بأكثر من كتابٍ حاول من خلاله تشريح فكرهم وفق رؤية قامت بتعريةِ تاريخهم ومنطلقاتهم الفكرية، وهشاشتها، عندما كشف بما لا يدعو للشك كيف أن هذه الجماعة لم تعتمد الدين الإسلامي -كما تدعي- بل بعض القراءات الفقهية التي تواءم مشروعهم.

في الجزء الأول من حواره، تحدث المفكر عبد المجيد الشرفي عن “الحداثة” التي عرَّفها بأنها نمط حضاري مرتبط بمنجزات مادية ومعنوية. المادية معروفة منذ عصر النهضة، حيث تم اكتشاف المطبعة التي كانت بالنسبة له ثورة كبرى مكنت لأول مرة في التاريخ عدداً كبيراً من القراء من التعامل مع الكتاب، بعد أن كان قبل ذلك محدود الانتشار لأنه مخطوط وغالي الثمن.

ثم إلى جانب ذلك، تتالت اكتشافات أخرى، بينها اكتشاف العالم الجديد أمريكا، ثم منجزات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين التي اعتبرها الشرفي مهمة جداً، على غرار اكتشاف البخار وما ترتب عليه، واكتشاف الكهرباء، والهاتف إلى غير ذلك.

أما المنجزات المعنوية، فتتمثل أولا في العقلانية؛ أي أن كل تنظيم للمجتمع، وكل فهم للكون، للإنسان والطبيعة إنما يعتمد على العقل البشري، ولم يعد يعتمد على الموروث الديني، كما هو الشأن في القديم، ثم ترتب على ذلك مجموعة من القيم الأساسية.

اقرأ أيضاً: الإسلام والعلمانية!

أولى هذه القيم هي الحرية بمفهومها الجديد التي أصبحت تعني أن تفعل ما تريد ما دام ذلك لا يضر بالغير، ولا يتعدى على حرية الآخر. وقيمة الفردانية التي انبثقت عن الحرية، أصبح معها الفرد محورا للاهتمام، وتم الإقرار بأن الفرد له حقوق لا صلة لها بالضرورة بالجماعة، في حين كانت قبل ذلك الجماعة سواء كانت الأسرة أو العشيرة أو القبيلة أو الأمة هي المحور.

أما القيمة الثانية للحداثة، والتي ارتبطت أيضا بالحرية هي المساواة، فبعد أن كانت المجتمعات القديمة جميعاً قائمة على التراتبية (الأقوياء والضعفاء، الأغنياء والفقراء..)، أصبح هناك رفض للوصاية المسلطة على الفرد من أي طرف، لا عالم ولا إمام ولا مفتٍ ولا زعيم سياسي، وطبعاً من أبرز ما ترتب على هذه القيمة، هي المساواة بين الجنسين. أما القيمة الرئيسية الثالثة للحداثة فهي العدل الذي نسف بمفهومه الحديث نسف التراتبية التي كانت مُعتمَدة، وعدم المساواة.

عوامل سياسية وثقافية واجتماعية تجعل الفكر الديني الإسلامي أقل استيعاباً للحداثة- (صورة من غوغل)

وكذلك تحدث الشرفي في هذا الجزء عن الحداثة والمجتمعات العربية الإسلامية، معتبراً أن هذه المجتمعات لم تشارك في انتاج هذه الحداثة، بل إنها لم تعرف منها إلا الهيمنة والاستعمار والتسلط والاستغلال، وأن علاقتها بالحداثة إشكالية، لأنها لم تمارس هذه القيم، بقدر ما سلطت عليها انعكاسات المجتمعات الحديثة السلبية لا الإيجابية.

وأن المجتمعات العربية والإسلامية تحترز أو ترفض المنجزات المعنوية للحداثة، لأن المجتمعات الغربية عندما أنجزت هذا النمط الحضاري الذي يقوم على الحرية والمساواة والعدل والديمقراطية، فإنها لم تقبل بهذه القيم إلى المجتمعات التي استعمرتها، بل إنها مارست عكسها تماماً، وهذا ينطبق على أمريكا اللاتينية، وإفريقيا، والعالم العربي والإسلامي.

اقرأ أيضاً: “حدائق الحيوانات البشرية” إحدى جرائم الحقبة الاستعمارية

كما تطرق الشرفي، في هذه الحلقة، إلى الصعوبات التي واجهها الفكر الديني عموماً، والإسلامي خاصة في التأقلم مع الحداثة، مبرراً ذلك بكون كل الأديان نشأت في ظلِّ ظروفٍ تختلف عما تعيشه المجتمعات منذ القرن الخامس عشر، وكل أدبياتها متأثرة بوضعٍ تاريخي قديم، فإنها تجد صعوبة في التأقلم مع القيم الجديدة.

وينفي الشرفي أن يكون للفكر الإسلامي صعوبة خاصة في استيعاب الحداثة، ولكن يقر بوجود ظروف سياسية واجتماعية وثقافية تجعله يجد صعوبة أكثر من الفكر المسيحي. وكانت مظاهر الاختلاف بين المؤسسة الدينية في الغرب، وفي المجتمعات الإسلامية العربية، آخر ما تحدث عنه المفكر. ليواصل في الجزء الثاني المفكر عبد المجيد الشرفي الحوار والذي سيكون محوره أساساً المؤسسة الدينية في المجتمعات العربية الإسلامية، وعلاقتها بالسياسة، وانحسار تأثيرها اجتماعياً بعد ظهور القوانين الوضعية، وأسباب استمرار خضوع المجتمعات العربية والإسلامية لقيود الدين مقارنة بالمجتمعات الغربية.

لقراءة الجزء الثاني: الشرفي: هذه أبرز عوامل عدم التحاق العرب والمسلمين بركب الحداثة (2-3)

لقراءة الجزء الثالث: الشرفي: الغرب تخلى نسبياً عن مؤازرة الإسلام السياسي (3-3)

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة