الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

الشاي عبر التاريخ.. مشروب تحاربت لأجله الدول

كيوبوست

ليس مستغرباً أن يكون الشاي المشروب الأكثر استهلاكاً حول العالم بعد الماء؛ فهو إلى جانب طعمه المحبب وأصنافه المتنوعة، له فوائد صحية عديدة؛ إذ يساعد على التقليل من احتمالية الإصابة بالأمراض المعرفية والسرطانات ومرض السكري من النوع الثاني، كما أنه مقاوم للالتهابات ومعزز لوظيفة الجهاز المناعي. وللشاي تأثير على المزاج؛ فهو يخفف القلق ويزيد اليقظة والانتباه، بسبب احتوائه على الكافيين.

وإلى جانب فوائده الصحية، للشاي دور في التنمية الريفية وسبل العيش المستدامة، فإنتاجه وتجهيزه يسهمان في القضاء على الفقر والجوع، كما يساعد في تمكين المرأة؛ لذلك تقود منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، الاحتفال بيوم الشاي العالمي سنوياً في 21 مايو، وذلك منذ عام 2020م.

البداية من الصين

من الصين انطلق الشاي إلى العالم؛ لذلك فإن تسميته “”tea باللغة الإنجليزية، مستمدة من اسمه في بعض المناطق في الصين te””، أما كلمة “شاي” بالعربية فتعود إلى تسميته “cha” في مناطق أخرى منها.

اقرأ أيضاً: 6 طرق تحسّن تأثير الكافيين على إنتاجيتك

وبدأت رحلة الشاي، الذي تنتجه نبتة كاميليا الصينية، عندما اكتشفه الإمبراطور “شين نونغ” عام 2737 ق.م؛ حيث كان يجلس تحت شجرة شاي ويغلي الماء لأعشابه، فهبت رياح أسقطت بعض أوراق الشاي في الوعاء، فاستساغ الإمبراطور طعم الشاي واعتمده كعشبة طبية؛ ليصبح الشاي بعدها مشروباً ملكياً.

لكنه في عهد أسرة تانغ، خلال القرن السابع الميلادي، انتشر كمشروب شعبي، واكتسب الشاي شعبية عريضة في الصين؛ لدرجة أن قصائد ومؤلفات كُتبت عنه، أولها كان كتاب حول أساسيات الشاي بعنوان “Cha Jing- Classic of Tea” من تأليف “لو يو” في عام 760م، كما أخذ شرب الشاي طابعاً طقسياً في الصين ضمن حفل الشاي “غونغ فو تشا”.

أدوات حفل الشاي “غونغ فو تشا”- wudang international

وكون الصين كانت المصدر الأول لزراعة الشاي، أصبحت المورد الوحيد له حتى القرن التاسع عشر؛ لدرجة أن طرقاً تجارية خصصت له؛ مثل “طريق الشاي والحصان” من سيشوان في جنوب الصين إلى التبت، التي ابتكر سكانها الشاي بالزبدة، ولشدة ولعهم به بادلوا أحصنتهم بصناديق الشاي التي كانت تُحمل عبر آلاف الكيلومترات على البغال عبر وديان الأنهار المتعرجة والممرات الجبلية المغطاة بالثلوج.

إلى اليابان عبر الرهبان

وبينما كان الشاي في الصين مشروب الإمبراطور المفضل، كان في اليابان مشروب الرهبان المفضل؛ فقد وصل إلى اليابان متخطياً حدود الصين لأول مرة، عبر المعلم البوذي “سايشو” الذي أحضره عند عودته من رحلة إلى الصين في عام 805م، وقد لاقى الشاي استحسان الرهبان البوذيين؛ لأنه حافظ على يقظة أذهانهم خلال ساعات من التأمل المكثف.

وكان وجود الشاي في اليابان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالرهبان؛ فبعد أن وصلت أوراقه أولاً، وصلت بذوره عن طريق المعلم البوذي “إيساي” في عام 1191م، ومن هناك بدأت زراعته في اليابان، ثم انتشر الشاي خارج المعابد واتخذ مكانة رفيعة؛ فقد اعتمده النبلاء والتجار في الحفلات، التي كانت تُجرى خلالها مسابقة تذوق لاختبار القدرة على تمييز الشاي عالي الجودة من ذلك الرديء أو المزيف.

اقرأ أيضًا: “الشاي” مشروب عالمي: البداية في الصين.. والسحر في مصر.. والمعلمون في اليابان

وعلى غرار الصينيين، ابتدع اليابانيون في القرن الرابع عشر؛ حفل الشاي الياباني، الذي يُعرف بـ”تشانويو”، ويتسم بطقوس أكثر تعقيداً وصرامةً من نظيره الصيني “غونغ فو تشا”.

الشاي في أوروبا.. شراب الملوك

واكتشف الأوروبيون الشاي، وكان أولهم المبشرين البرتغاليين الذين وصلوا إلى الصين؛ إلا أن أول شحنة شاي وصلت إلى أوروبا رتبتها شركة “داتش إيست” الهولندية، عام 1610م.

وسرعان ما تعرف الأوروبيون على الشاي، حتى أصبح شائعاً بينهم؛ فقد كان الشاي أساسياً في حانات هولندا ومقاهي إنجلترا، التي زاد ولع مواطنيها به؛ لأن البرتغالية “كاثرين براغانزا” زوجة الملك البريطاني تشارلز الثاني، كانت من عشاق الشاي. أما “شاي بعد الظهر” فقد ابتكرته دوقة بيدفورد الإنجليزية “آنا ماريا راسل”، التي كانت تتناوله مع الكعك.

رسم لدوقة بيدفورد “آنا ماريا راسل”- أرشيف

وفي فرنسا، اكتسح الشاي على قصر لويس الرابع عشر، بينما استحدثت السيدات الفرنسيات الأرستقراطيات الشاي مع الحليب؛ ولأنه اعتُبر مشروب الملوك والأثرياء أصبح الشاي منبوذاً في فرنسا بعد الثورة الفرنسية.

تجارة الشاي.. سجل دموي

وبعد أن راج الشاي في أوروبا، وتدخل الأوروبيون في تجارته، اتسم تاريخه بالدموية؛ فقد عملت بريطانيا على احتكار تجارة الشاي من الصين، وطلبت من شركة “الهند الشرقية البريطانية” دفع أثمان الشاي المستورد للصين، عن طريق تصدير الأفيون الذي كانت تزرعه في الهند، ولما حاولت الصين وقف صادرات الأفيون تلك التي أدخلت سكانها في حالة إدمان لم يتعافوا منها حتى القرن العشرين، اندلعت “حروب الأفيون” التي ارتكبت خلالها بريطانيا جرائم بربرية بحق الصينيين.

اقرأ أيضاً: جواسيس وحروب ومغامرات.. ماذا نعرف عن التاريخ السري للشاي؟

كما فرضت بريطانيا ضرائب عالية على الشاي وصلت إلى 100٪ من قيمته؛ مما أدى إلى ظهور شبكات تهريب واسعة، على يد “عصابات الشاي”. كما قادت الضريبة الباهظة تلك إلى نشوب واقعة “حفلة شاي بوسطن” عام 1773م، التي هاجم خلالها مستعمرون أوروبيون أسطولاً من السفن البريطانية في ميناء بوسطن، وألقوا بحمولاتها من الشاي في البحر، لتكون تلك الحادثة إحدى مقدمات “حرب الاستقلال الأمريكية”.

لوحة لواقعة “حفل شاي بوسطن”- نقلاً عن HISTORY

وفي رحلته حول العالم، وصل الشاي إلى الشرق الأوسط عبر المستعمرين الفرنسيين والبريطانيين، والذي أصبح جزءاً من الفطور في بعض دول المنطقة؛ إذ يستهلك كل شخص تركي من الشاي، أكثر من أي شخص في دولة أخرى. وفي دول عربية يُضاف إلى الشاي أعشاب كالميرمية والنعناع والزعتر الجبلي، كما يُحلى بالسكر أو العسل، ويشرب خلال الوجبات أو منفرداً، كما يقدم كضيافة للزوار، وفي إيران والعراق يضاف إلى الشاي الهيل.

واليوم يبلغ إجمالي استهلاك الشاي في العالم نحو 6.3 مليار كيلوجرام سنوياً، وتتصدر الهند الدول الأكثر استهلاكاً للشاي عالمياً.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات