الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون عربية

السوق الخليجية المشتركة.. ماذا تعني؟ وما ثمارها المحتملة؟

كيوبوست- منير بن وبر

بحثت لجنة السوق الخليجية المشتركة، في فبراير الماضي، مستوى الإنجاز والجهود المبذولة لتحقيق مشروع السوق المشتركة، والذي يعد إحدى الخطوات نحو الوصول إلى الوحدة الاقتصادية بين دول المجلس. وبحث المجتمعون عدة موضوعات ذات صلة؛ منها التحول الرقمي، والنافذة الإلكترونية (تكامل)؛ الهادفة إلى معالجة شكاوى مواطني دول المجلس واستفساراتهم ومقترحاتهم ذات الصلة. ومن أهداف السوق خفض التكاليف لكل من المستهلكين والمنتجين وزيادة التجارة بين البلدان الموقِّعة، كما تساعد على إيجاد مجال متكافئ للشركات، وتوفير الفرص لزيادة التجارة والاستثمار؛ فتقليل الحواجز أمام التجارة والاستثمار يقود إلى زيادة استفادة الشركات من مكاسب الكفاءة والموارد المشتركة وتوسيع نطاق عملياتها؛ مما يدعم توفير المزيد من فرص العمل والنمو في الاقتصاد. 

اقرأ أيضاً: التطلع لمستقبل أفضل في الخليج العربي

من جانب آخر، تسهل السوق الاقتصادية المشتركة على الناس التنقل بين البلدان للعمل أو الدراسة أو العيش؛ مما يعزز التبادل الثقافي والتفاهم ويساعد على خلق مجتمع أكثر تماسكاً. ولا تقتصر منافع التكامل الاقتصادي على الجانب الاقتصادي للدول المعنية فحسب؛ بل تمتد آثاره إلى الجوانب السياسية، إذ يمكن أن يساعد التكامل في تعزيز السلام والاستقرار -خصوصاً في المناطق المعرضة للصراع والتنافس- وتعزيز التعاون السياسي والتفاهم بين الدول المعنية، وتوفير قوة تفاوضية أكبر على المسرح العالمي. 

علاوة على كل ذلك، يقلل التكامل الاقتصادي اعتماد التكتل على الدول الأخرى؛ مثل الشركاء التجاريين الرئيسيين، ويُسهم في تأمين إمدادات السلع والخدمات المهمة، وهو أمر مهم بشكل خاص في أوقات الأزمات. تُعد كل تلك المنافع المرجوة، والسعي الدؤوب إليها، مؤشرات مهمة على ما يمكن أن يكون سياسة متزنة وصبورة تنتهجها دول مجلس التعاون الخليجي نحو عالم تعددي وسياسة خارجية توازن بين القوى العالمية المتنافسة.

مراحل طويلة.. لكن ضرورية

عادة ما تكون المرحلة الأولى نحو التكامل الاقتصادي بين البلدان هي تشكيل منطقة تجارة حرة، والتي تسمح بحرية حركة البضائع بين الدول المشاركة. وغالباً ما يتبع ذلك إنشاء اتحاد جمركي، والذي يخطو خطوة إلى الأمام من خلال تنسيق التعريفات واللوائح التجارية الأخرى بين الدول الأعضاء. أخيراً، يمكن تحقيق التكامل الاقتصادي من خلال إنشاء سوق مشتركة أو حتى اتحاد اقتصادي ونقدي.

ناقلة نفط في ميناء الفجيرة- “بلومبرغ”

لتحقيق التكامل الاقتصادي، أقرت دول مجلس التعاون الخليجي أولاً تحقيق “المواطنة الاقتصادية”؛ والتي تعني المساواة في المعاملة بين مواطني دول المجلس في المجالات الاقتصادية كافة. وقد مرَّ مفهوم المواطنة الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي بعدة مراحل منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي حتى اليوم؛ إذ توسعت مجالاته من أربعة مجالات فقط إلى عشرة مجالات. ومن تلك المجالات  على سبيل المثال تحقيق المساواة في المعاملة بين مواطني دول المجلس في التنقل والإقامة، والعمل في القطاعات الحكومية والأهلية، ومزاولة جميع الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية والخدمية، وتنقل رؤوس الأموال، والمعاملة الضريبية.. وغيرها من المجالات.

في الأغلب يكون السير نحو تحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول -والتي غالباً ما تكون متجاورة- رحلة طويلة. ويُعد الاتحاد الأوروبي أحد أكثر الأمثلة وضوحاً على طول الطريق؛ إذ مر الاتحاد بالعديد من المراحل المؤسِّسة للتكامل الاقتصادي منذ الخمسينيات، حتى تم تأسيس الاتحاد الأوروبي في عام 1993، ثم تبني العملة الأوروبية المشتركة من قِبل أغلب أعضائه منذ عام 1999. وفي حين أن انسحاب بريطانيا والحرب الروسية- الأوكرانية فرضا تحديات على تماسك وقوة الاتحاد، إلا أن المنافع لا تزال مثيرة للاهتمام.

بشكل عام، وعلى الرغم من طول الطريق وصعوبته؛ فإن منافع التكامل الاقتصادي -كما يجادل الخبراء- تستحق كل تلك الجهود؛ وتشمل تلك المنافع خفض تكلفة التجارة، وتحسين توافر السلع والخدمات وفرص العمل وزيادة القوة الشرائية. إضافة إلى كل ذلك، يمكن أن يؤدي التكامل الاقتصادي إلى تحسين التعاون السياسي بين الدول؛ بسبب العلاقات الاقتصادية الأقوى، والتي توفر حافزاً لحل النزاعات سلمياً؛ حيث توازن الدول بين المنافع والأضرار الاقتصادية بشكل أكثر عقلانية.

توقيع اتفاقية ماستريخت المؤسسة للاتحاد الأوروبي- الصحافة الأوروبية

إن الحوافز الاقتصادية المفيدة في دعم وحدة القرار السياسي وتأثيره على الاستقرار قد لا تقتصر على الدول المنخرطة في اتفاقيات للتكامل الاقتصادي فحسب؛ بل يمكن أن تمتد آثاره إلى الدول المجاورة -من غير الأعضاء- التي تتعامل معها؛ حيث يعني التكتل الاقتصادي الكبير سوقاً أكبر وفرصاً أكثر للمستثمرين، ويمكن أن يكون للإضرار به عواقب وخيمة على الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

تأكيدات مستمرة وإنجازات دبلوماسية

في ديسمبر 2021، أكد البيان الختامي لـ”إعلان الرياض”، الصادر عن أعمال اجتماع الدورة الـ42 للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج، التكاملَ الاقتصادي بين الأعضاء، والتعبير عن التطلعات الاقتصادية للدول الأعضاء، والتي يُؤمل أن تمنحها المزيد من المكانة العالمية ومضاعفة المنافع الاقتصادية والسياسية ومواجهة المنافسين وموازنتهم. 

وفي العام التالي، ديسمبر 2022، أكد بيان قمة الرياض للتعاون والتنمية بين دول المجلس والصين، تعزيز الشراكة الاستراتيجية بينهما، و”دفعها نحو آفاق جديدة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية”. كما تم الاتفاق على استمرار الحوار الاستراتيجي بين الصين ودول مجلس التعاون، ومناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك وتنسيق المواقف حيالها. لم يمضِ الكثير من الوقت على انعقاد القمة حتى توصلت الصين والسعودية إلى تقدم دبلوماسي لافت في علاقات طهران بالرياض.

اقرأ أيضاً: كيف ستؤثر قوة الصين المتزايدة على العلاقات الخليجية- الصينية؟

تعطينا تلك البيانات المزيد من الأدلة على الدور الريادي الذي تتطلع إليه دول مجلس التعاون الخليجي؛ إذ لا يمكن إنكار أهمية الاقتصاد والدبلوماسية في التقريب بين الدول. في الواقع، من خلال السعي نحو تحقيق الاستقرار الاقتصادي وبناء العلاقات الدبلوماسية؛ فإن الدول -حتى المتنافسة منها- غالباً ما تكون قادرة على إيجاد أرضية مشتركة والعمل من أجل تحقيق أهداف مفيدة لجميع الأطراف.

يُعتقد على نطاق واسع أن يكون التعاون الاقتصادي فعالاً في الحد من التوترات بين البلدان بسبب مكاسبه. وبالمثل، تؤدي الدبلوماسية دوراً حيوياً في تخفيف التوترات بين الدول وتعزيز التفاهم بينها؛ لأنها توفر آلية تمكِّنها من نقل مخاوفها بطريقة بناءة، بما يُسهم في منع سوء التفاهم من التصعيد إلى صراعات كاملة. من الواضح إذن أن الاقتصاد والدبلوماسية هما أداتان أساسيتان في تعزيز السلام والاستقرار بين الدول، ومن الأهمية بمكان تعزيزهما من خلال التكامل الاقتصادي والسياسة الخارجية المتوازنة والتعاون المشترك.

مخاطر يجب أخذها بعين الاعتبار

وعلى الرغم من المنافع المتوقعة للسوق الاقتصادية المشتركة؛ فإنها بطبيعة الحال لا تخلو من إشكاليات، ومن ذلك التنمية غير المتكافئة عبر الدول الأعضاء، والتي يمكن أن تؤدي إلى اختلالات في التجارة، ومشكلة البطالة، التي يمكن أن ترتفع خلال فترات الانكماش الاقتصادي. ومن بين الإشكاليات الأخرى أيضاً الاختلاف بشأن الأولويات بين الدول، واحتمالية نقل التجارة من خارج الدول الأعضاء على حساب الدول الأعضاء، وهجرة العمالة إلى الدول التي تقدم أجوراً أفضل أو هجرة الشركات إلى حيث تكون العمالة أرخص.

عقبة أخرى مهمة قد تواجه السوق الاقتصادية المشتركة؛ هي احتمالية تعرض السوق إلى الصدمات الخارجية والمخاطر الجيوسياسية، وتأثيرها على الجميع، مثل الكوارث الطبيعية أو النزاعات الدولية والهجمات الإرهابية والأوبئة. لمواجهة مثل تلك التحديات، من الضروري تعزيز النمو الاقتصادي والاستقرار في جميع الدول الأعضاء، والعمل الجماعي البنَّاء والشفاف مع الدول المجاورة من غير الأعضاء؛ من أجل إيجاد الأرضية المشتركة للحفاظ على النظام العالمي القائم على القواعد والهادف لتحقيق الازدهار والتعايش بين الأمم والشعوب، وتبني المزيد من السياسات الخارجية التي توازن بين المتنافسين، وتتبنى التعددية والشراكات الاستراتيجية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة