الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

السودان يعرف عَدُوُّه مِن صَديقُه

هل نجحت التحركات الشعبية في إسقاط البشير فقط عن الحكم أم دولة الإخوان أيضًا؟

كيوبوست

سقط عمر البشير بعد أكثر من أربعة أشهر من الاحتجاجات الشعبية المتواصلة التي شهدها السودان منذ ديسمبر 2018؛ إذ أعلن المجلس العسكري عزل البشير عن السلطة؛ استجابةً لمطالب الشعب، بعد حكمه السودان ثلاثة عقود اتسمت بالقهر والفقر، بعد أن استولى على السلطة في انقلاب عسكري مدعوم من الإخوان المسلمين تحت شعار حكومة “الإنقاذ الوطني”، دبَّرته الجبهة الإسلامية القومية التي تعتبر من الفروع التابعة لجماعة الإخوان المسلمين في السودان، واستلهمت نظام الحكم من إيران، وكان من المفترض أن يكون حسن الترابي مرشدها الأعلى، ولكن بعد أن استبعده البشير عن السلطة تحوَّل الترابي إلى ألد خصوم البشير وأسَّس حزب المؤتمر الشعبي المعارض، وصار أكثر المعارضين السودانيين شراسةً في مواجهة حكومة البشير.

اقرأ أيضًا: السودان: الشعب يواصل رفضه.. وينفض عنه غبار الإخوان

اندلعت الثورة في السودان من أجل مطالب محددة حيوية وعاجلة، لم تخرج تلك الملايين من المتظاهرين طيلة أشهر متحدين القمع والقتل للحصول على وعود بتوفير فرص العمل وتحسين الصحة والتعليم والحرية فحسب؛ بل خرجت لاقتلاع دولة الإخوان بأكملها وليس رأس النظام فقط المتمثل في البشير ووزير دفاعه ونائبه، بل التخلص من نظام الإنقاذ وممارساته القمعية واستغلاله الفاسد للسلطة واستباحته المال العام وجهاز الدولة لصالح الإخوان المسلمين (الكيزان). اندلعت الثورة ليس فقط بسبب الفساد السياسي، ولكن أيضًا بسبب الفشل الاقتصادي واحتكار الثروة من قِبَل النخبة الإسلامية الحاكمة التي تمثل مكونًا رئيسيًّا في قاعدة قوة النظام. اندلعت الثورة بسبب تضرر الشعب، وبخاصة الطبقة الوسطى، جراء السياسات الاقتصادية الفاشلة التي أدَّت إلى مزيد من البطالة وارتفاع التضخم ورفع الدعم وزيادة الضرائب، مع تردي البنية التحتية والخدمات العامة الحكومية ومصادرة الحريات العامة والقمع والتعذيب.

اقرأ أيضًا: الحركة الشعبية في السودان: أكثر من ثورة خبز

منذ اعتلاء البشير سُدَّة الحكم في السودان وهو يعمل على تمكين أتباع تنظيم الإخوان المسلمين وتغلغلهم في مفاصل الدولة، والآن بعد سقوط النظام يحاول النظامان القطري والتركي، اللذان طالما روَّجا للسودان كنموذج لحكم الإخوان المسلمين لدولة كبيرة في حجمها، فإنهما يُحَمِّلان البشير مسؤولية فشل دولة التمكين والنموذج الإخواني. ولطالما حاولت تركيا وقطر التمدُّد في السودان من خلال الاستثمار أو من خلال رعاية قطر ملف مفاوضات دارفور، أو من خلال إدارة تركية كاملة لجزيرة سواكن التي تقع على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وتبلغ مساحتها نحو 20 كيلومترًا مربعًا، وكانت تستخدم مركزًا للبحرية العثمانية في القرن التاسع عشر، ويمكن عبرها استهداف الداخل المصري؛ ليُشَكِّل المحور التركي- القطري شوكة في خاصرة الأمن العربي عمومًا والمصري والسعودي خصوصًا عبر اختراق مجالات تعتبر حيوية للأمن القومي العربي.

ولم يكن الدعم التركي في ظاهره إلا استغلالًا في حقيقته، فقد اشترت تركيا محصول القطن السوداني بكامله في موسم 2017 وبأسعار تقل عن أسعاره الحقيقية، وتعمل على إقامة قاعدة عسكرية لها في السودان على غرار قواعدها في الصومال والعراق وسوريا وقطر؛ بحيث تمنح لتركيا منطقة نفوذ متزايدة ومنافع للدولة المستضيفة على اعتبار أنها تأتي ضمن سياق أوسع يشمل شراكات سياسية واقتصادية وعسكرية أيضًا؛ إلا أن المجلس العسكري الانتقالي سيصدر قرارًا برفض إقامة قاعدة تركية في جزيرة سواكن، وإنهاء العمل بالاتفاقية الموقعة بين الجانبَين، وذلك بعد منح السودان مهلة لتركيا لإخلاء جزيرة سواكن السودانية، وإنهاء العمل بالاتفاقية الموقعة بين الجانبَين بشأن الجزيرة.

اقرأ أيضا: تميم وأردوغان في إفريقيا: فك العزلة عبر سياسة “الشيكات”

وبالمثل فعلت قطر كراعٍ لتنظيم الإخوان المسلمين؛ إذ أغدقت تمويلها للسودان في مقابل تهريب قيادات جماعة الإخوان المسلمين المحظورة من مصر إلى تركيا وقطر عبر السودان، بعد التسلل من الحدود الجنوبية لمصر إبان ثورة30  يونيو 2013. وانحاز البشير إلى تنظيم الإخوان برعاية وتمويل قطري؛ فنظمت في الخرطوم المظاهرات التي رفعت شعار “رابعة”، وتم حصار السفارة المصرية، وتسليم السفير طلبًا بالإفراج عن الرئيس المعزول محمد مرسي، وإعادته إلى الحكم. كما استخدمت قطر البشير ضد مصر في قضية سد النهضة، ومدى أهميته للسودان، وأن سد النهضة الإثيوبي يخدم مصالح السودان، لتبرير موقف الخرطوم الداعم لإثيوبيا لبناء هذا السد. بل استخدمت قطر السودان لكسر عزلتها عن محيطها العربي والخليجي بعد مقاطعتها من جانب السعودية والإمارات والبحرين ومصر. وقدمت قطر مليارات الدولارات لدعم البشير في صورة استثمارات زراعية، وفي صورة استثمارات في تطوير ميناء بورتسودان.

اقرأ أيضا: ماذا تريد قطر من توسيع مصالحها داخل الدول الإفريقية؟

حقيقة الأمر.. أنه بعد سقوط البشير ونظامه في السودان لم تنحَز إلى السودان وشعبه إلا الدول الشقيقة والصديقة، واختفى المزيفون. ففي الوقت الذي نفضت فيه قطر وتركيا أيديهما عن السودان، أعلنت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة عزمهما إرسال معونات بقيمة 3 مليارات دولار لدعم السودان، وسوف تحول الدولتان 500 مليون دولار إلى البنك المركزي السوداني؛ بهدف دعم موقف السودان المالي وتخفيف الضغوط على العملة المحلية، وتحقيق الاستقرار في سعر الصرف، قبل أن ترسل معونات غذائية وطبية ومنتجات نفطية بقيمة مليارَين ونصف المليار دولار. كما أكدت مصر دعمها الكامل لأمن واستقرار السودان، ومساندة إرادة وخيارات الشعب السوداني في صياغة مستقبل بلاده، والحفاظ على مؤسسات الدولة، كما ساعدت في تخفيف الضغوط على السودان من قِبَل الاتحاد الإفريقي الذي لوَّح بتعليق عضوية السودان ما لم يتخلَّ الجيش عن السلطة، لصالح إدارة سياسية مدنية في غضون 15 يومًا. تأتي هذه المساعدات والدعم غير المشروط من قِبَل مصر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لتؤكد وقوفها قلبًا وقالبًا مع السودان الشقيق ودعمه في عملية الانتقال السلمي للسلطة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة