الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

السودان وإسرائيل.. تاريخ من العلاقات “غير المتسقة”

اتصالات سرية بدأت في الخمسينيات ولقاءات متعددة بين قادة الحكم ومسؤولين إسرائيليين على مر العقود

كيوبوست

اهتمت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، بتاريخ العلاقات السودانية- الإسرائيلية من خلال مقال نشره الصحفي الإسرائيلي يوسي ميلمان، تحدث فيه عن العلاقات “غير المتسقة”، والتي جمعت بين تل أبيب والخرطوم قبل أن تنتهي باتفاقية السلام التي أعلن عنها برعاية أمريكية؛ من أجل تطبيع العلاقات بين البلدَين.

ووصف كاتب المقال اللقاء الذي جرى في أوغندا بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان عبدالفتاح البرهان، قبل شهور، بأنه فصل في التاريخ المعقد بين البلدَين والمليء بالتقلبات منذ منتصف الخمسينيات عندما التقى ممثلو حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي، سراً، مسؤولين إسرائيليين للمرة الأولى في لندن؛ حيث سعى المبعوثون السودانيون للحصول على مساعدات دبلوماسية واقتصادية من إسرائيل.

اقرأ أيضًا: السودان.. التطبيع مقابل رفع العقوبات.. “صفقة رابحة أم خاسرة”؟

مواجهة عبدالناصر

كان حزب الأمة المعارض يخشى في تلك الفترة من عرقلة الرئيس جمال عبدالناصر استقلال السودان، من خلال تنسيقه مع القوميين السودانيين الذين فضلوا الوحدة مع مصر؛ لكن بعد حصول السودان على الاستقلال واعتراف مصر والمملكة المتحدة به، جرى نقل مهمة العلاقات السرية من وزارة الخارجية إلى الموساد.

الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر – أرشيف

خلال تلك الفترة، لعب رجل الأعمال الإسرائيلي السويسري المولود في السودان، نسيم غاون، دوراً كبيراً في تسهيل العلاقات بين البلدين والقائمة على الشق الاقتصادي؛ لكن هذه العلاقات انقطعت إبان الانقلاب الذي نفِّذ في السودان في نهاية الخمسينيات، وتحولت بعدها إسرائيل إلى دولة عدو للسودان؛ لدرجة دفعت بالخرطوم إلى إرسال وحدة عسكرية لمساعدة مصر في حرب الأيام الستة يونيو 1967، ولم يحدث أي تطور في العلاقات بين البلدَين خلال العقد التالي.

دعم للمعارضة

يشير الكاتب الإسرائيلي إلى أن بلاده عملت بالمقولة المأثورة “عدو عدوي صديقي”، وبدأت بالفعل على العمل في بناء علاقات سرية مع القوى المعارضة للحكومة السودانية، ومن أمثلة ذلك قيام عملاء الموساد بقيادة دافيد بن أوزبيل، المعروف باسم “طرزان”، بالتسلل إلى السودان عام 1969، في مهمة هدفها مساعدة قبائل جنوب السودان التي كانت تقاتل ضد الحكومة المركزية في الخرطوم.

اقرأ أيضاً: ماذا يريد السودان من تطبيع العلاقات مع إسرائيل؟

وقام طيارو القوات الجوية الإسرائيلية بإلقاء الذخيرة والأسلحة لمساعدة قوات المتمردين التابعة للجنرال جوزيف لاغو، عبر استخدام الممرات والقواعد الجوية في أوغندا وكينيا، كما التقى الجنرال لاغو في تل أبيب رئيسة الوزراء جولدا مائير، بينما استمرت جهود “طرزان” وفريقه على الأرض، فقصفوا الجسور على النيل ونصبوا الكمائن للجنود السودانيين.

جولدا مائير – أرشيف

عمليات التهريب

صحيح أن الحرب الأهلية السودانية انتهت في منتصف السبعينيات، إلا أن الدور الإسرائيلي في الداخل السوداني لم ينتهِ كما يذكر يوسي ميلمان؛ حيث أصدر رئيس الوزراء، آنذاك، مناحيم بيجن، تعليمات بتهريب اليهود الإثيوبيين إلى إسرائيل، وبحكم الخبرات المتراكمة لدى الإسرائيليين في السودان تمكن أفراد البحرية الإسرائيلية والموساد من تنفذ المهمة على مرحلتَين بين عامَي 1977 و1980؛ وهي العملية التي تُعرف باسم “عملية الأخوة” واستخدمت فيها القوارب الإسرائيلية لإنقاذ اليهود الإثيوبيين الذين تم انتشالهم من ساحل البحر الأحمر.

جرت العملية بطريقة مبتكرة وجريئة من خلال تنكُّر مجموعة عملاء للموساد في مهمة مدربي غوص، وقاموا بتأسيس منتجع للغوص استخدم كمركز للقيادة والتحكم لنقل نحو 17500 يهودي إلى إسرائيل، أما في المرحلة الثانية فجرى تقديم رشاوى إلى الزعيم السوداني جعفر النميري، ورئيس جهازه الأمني عمر أبو الطيب، عام 1984.

هذه المرة تم نقل اليهود الإثيوبيين ليلاً إلى مطار الخرطوم، ومنه إلى إسرائيل عن طريق بروكسل، وجرت عملية السفر من خلال شركة الخطوط الجوية الأوروبية التي يمتلكها رجل الأعمال جورج جوتلمان، وهو يهودي بلجيكي قام بتقديم العديد من المساعدات إلى الموساد، بينما عُرفت هذه العملية باسم “عملية موسى”؛ حيث وصل نحو 30 ألف يهودي إثيوبي، لكن هذه العملية لعبت دوراً في سقوط نظام النميري الذي اتُّهم بالتعاون مع إسرائيل، ليصل إلى الحكم الصادق المهدي، الصديق القديم لإسرائيل.

اقرأ أيضاً: السودان يقترب من التطبيع مع إسرائيل بعد لقاء نتنياهو والبرهان

السودان وإيران

يذكر يوسي ميلمان في استعراضه للعلاقات الإسرائيلية- السودانية قبل التطبيع، محاولات استغلال الخرطوم في مواجهة إيران؛ فقد حاولت إسرائيل استخدام السودان لمواجهة طهران عام 1981؛ حيث كان وزير الدفاع أرييل شارون، يخطط دون علم الموساد لتحويل الخرطوم لتكون مستودعاً لنقل الأسلحة المخصصة للإطاحة بنظام آية الله الخميني في طهران؛ لكن الموساد عندما علم بالعملية أبلغ بيجين وقام بإحباطها.

وبعد انقلاب البشير ووصوله إلى السلطة وتحويل السودان إلى دولة دينية، سمحت الخرطوم باستخدام أراضيها كمخزن لتخزين الأسلحة التي يقوم بتهريبها فيلق القدس الإيراني إلى حركة حماس في قطاع غزة؛ وهو ما استدعى تدخلاً إسرائيلياً تحديداً منذ عام 2009 عندما ذكرت تقارير أجنبية عديدة توجيه الموساد وسلاح الجو الإسرائيلي سلسلة ضربات جوية ضد قوارب وشاحنات تحمل أسلحة إيرانية ومستودعات أسلحة داخل الأراضي السودانية.

الرئيس السوداني المعزول عمر البشير

صحيح أن استقلال جنوب السودان وتعاون نظامه مع إسرائيل من أجل شراء الأسلحة هو نتاج للعلاقات السابقة التي جمعت بين الإسرائيليين والزعماء في جنوب السودان، إلا أن البشير في الشمال وخلال سنوات حكمه الأخيرة فضل خيانة إيران والتحالف مع السعودية، بل وقام بمغازلة إسرائيل؛ محاولاً استغلال النفوذ الإسرائيلي لتحسين سمعته، بعد إدانته بجرائم الحرب من قِبل المحكمة الجنائية الدولية، مستشهداً بالتقارير التي نُشرت عن لقاءٍ جمع بين رئيس الموساد ونظيره السوداني قبل إزاحة البشير من السلطة.

يرى الكاتب الإسرائيلي أن الظروف في الوقت الحالي أصبحت مهيئة لتحقيق نهضة في العلاقات بين تل أبيب والخرطوم؛ خصوصاً بعد اتفاقيات السلام الموقعة بين إسرائيل والإمارات والبحرين، وسط سعي إسرائيلي لتحويل السودان إلى دولة عربية صديقة؛ لكن الرحلة لن تكون سهلة، فالمعارضة السودانية أبدت اعتراضاً فورياً على اجتماع البرهان ونتنياهو، واتهمت رئيس المجلس السيادي السوداني بأنه تعاون مع العدو.

يختتم يوسي ميلمان مقاله بالتأكيد أن اتفاق السلام بين إسرائيل والسودان يعد انتصاراً دفاعياً وأمنياً لتل أبيب، التي نجحت في تحويل دولةٍ معادية بشكل علني منذ عدة سنوات إلى دولة صديقة ستتخلى عن إيران وحركة حماس؛ لكن التاريخ غير المتسق في العلاقات بين البلدين يشير إلى أن هذا التغيير قد لا يكون دائماً.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة