الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

السودان وإثيوبيا.. حرب حدودية تقترب وأفق حوار مسدود!

أزمة حدودية ذات جذور تاريخية بين إثيوبيا والسودان.. ومصر دخلت على خط الوساطة.. فما أبرز السيناريوهات المحتملة لإنهاء النزاع؟

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

تصاعدت وتيرة الخلافات على منطقة الفشقة الحدودية بين السودان وإثيوبيا، مع إعلان الحكومة الإثيوبية الحرب على إقليم تيغراي شمالي البلاد، تحت عنوان (عملية إنفاذ القانون) في 4 نوفمبر 2020، على ما اعتبرته تمرداً من قِبل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF) التي حكمت البلاد بقبضةٍ حديدية، تحت مظلة تحالف سياسي عريض باسم الجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا (EPRDF) لنحو 27 عاماً؛ قبل أن تخرج عن المعادلة السياسية، تحت ضغط الشارع الإثيوبي المحتقن جراء استبدادها وانفرادها بالسلطة، وقد تُوِّج هذا الضغط (الحراك الشعبي) بوصول رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد علي؛ إلى سدة الحكم في أديس أبابا منتصف 2018، وتقهقر قادة الجبهة إلى (مقلّي) عاصمة إقليمهم، ليعلنوا معارضتهم الحكومة الجديدة في أديس أبابا.

احتلال وتحذير

منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، وإلى لحظة اندلاع الحرب بين حكومة آبي أحمد، وحلفائه السابقين في جبهة تحرير تيغراي، كانت العلاقات السودانية- الإثيوبية هادئة ومستقرة، رغم احتلال إثيوبيا نحو 600 ألف فدان من منطقة الفشقة السودانية، الواقعة على الحدود مع إقليم أمهرا الإثيوبي؛ والتي تُعد أخصب الأراضي الزراعية في البلاد.

اقرأ أيضاً: كيف سيرد السودان على تهديدات الميليشيات الإثيوبية العابرة للحدود؟

دينا مفتي المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية- وكالة “فانا” الإثيوبية

إلا أن القوات المسلحة السودانية، تمكنت من استعادة جُل هذه الأراضي في عمليات عسكرية متتالية، تزامناً مع نشوب الحرب الأهلية في إثيوبيا؛ الأمر الذي عدته الأخيرة، في تصريحاتٍ متتابعة على لسان الناطق باسم خارجيتها، دينا مُفتي، تعدياً على حدودها.

توتر قديم مُتجدد

في الواقع، بدأ التوتر الحدودي بين البلدَين يتصاعد بوتيرةٍ متسارعة منذ منتصف يونيو 2019، عندما ازدادت اعتداءات ميليشيات الأمهرا القبلية الإثيوبية المدعومةِ من الجيش، ليس على المزراعين السودانيين القاطنين على الحدود بين البلدَين فحسب؛ بل على الجنود السودانيين أنفسهم، حيث تعرضت وحدات للجيش السوداني إلى هجمات وكمائن متتالية بدءاً من مايو 2019، قتل إثرها العديد من الضباط والجنود؛ الأمر الذي دفع برئيس مجلس السيادة السوداني، والقائد العام للقوات المسلحة عبدالفتاح البرهان، إلى زيارة مسرح الأحداث بمنطقة الفشقة بولاية القضارف شرقي السودان، رفقة رئيس هيئة أركان الجيش وكبار قادته، عدة مرات؛ كان آخرها الأربعاء 13 يناير الجاري، عقب هجوم شنته ميليشيات إثيوبية الإثنين 11 يناير على بلدتَي (ليّه) و(ود كولي) على الشريط الحدودي، أسفر عن مصرع 5 نساء وطفل، كما تواترت أنباء أخرى عن تحطم مروحية من طراز أباتشي، تابعة للجيش السوداني بالقرب من مدنية الشواك عاصمة محلية الفشقة، إلا أن القوات المسلحة السودانية وصفت الزيارة الأخيرة على صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي “فسبوك”، بالروتينية التفقدية، ولم تفصح عن أية معلومات إضافية.

اقرأ أيضاً: الأسباب والسيناريوهات المتوقعة للصراع الداخلي في إثيوبيا

نُذر حرب وشيكة

كل هذه المعطيات والحيثيات تؤشر بوضوح إلى أن احتمال نشوب حرب حدودية بين البلدَين أصبحت وشيكة، ما لم يحدث اختراق دبلوماسي مفاجئ، يُعيد الأمور إلى نصابها، ويُعيد الطرفَين إلى طاولة الحوار. بيد أنه من الواضح أن الحكومات الإثيوبية المتعاقبة لا تمتلك ما يكفي من الإرادة السياسية والرغبة، لتستجيب لطلبات السودان المتكررة بالانسحاب من أراضيه المحتلة، رغم أنها ظلت تقر دائماً باعترافها رسمياً باتفاقية الحدود لعام 1902م، التي وقع عليها كل منيلك الثاني إمبراطور إثيوبيا، وموفد بريطانيا إلى أديس أبابا جون هارينغتون، نيابة عن مستعمرة السودان، حينذاك، بينما عرفت لاحقاً باتفاقية (منيليك- هارينغتون)، فضلاً عن ذلك تعترف إثيوبيا  ببروتوكول الحدود لسنة 1903م، واتفاقية 1972م التي أبرمتها حكومة إمبراطورها هيلي سلاسي، مع حكومة جعفر النميري بالسودان.

خريطة منطقة الفشقة محل النزاع- أرشيف

اقرأ أيضاً: قراءة في دفتر أحوال اللاجئين الإثيوبيين الفارين إلى السودان

رغم كل هذه الاتفاقيات، واعتراف إثيوبيا الرسمي بسيادة السودان على منطقة الفشقة؛ فإن مواقف حكوماتها المتعاقبة تقول غير ذلك، فقد ظلَّت منذ خمسينيات القرن الماضي، تبرر الاعتداءات المسلحة المستمرة على الفشقة بأنها من فعل الميليشيات القبلية التابعة لقومية الأمهرا، علماً بأن النخب المنتمية إلى هذه القومية هي التي أسست إثيوبيا الحديثة على يد الإمبراطور منيلك الثاني؛ الذي وقع اتفاق الحدود مع السودان بنفسه؛ لكن يبدو أنه فعل ذلك بيد، بينما سلَّح بالأخرى قبيلته، وأطلق يدها لتحتل الأراضي السودانية، تحت عنوان عصابات خارجة عن القانون.

مشهد من فعاليات حفل توقيع اتفاقية جوبا للسلام بين الحكومة السودانية والحركات المتمردة- “رويترز”

مأزق آبي أحمد

الآن، وبعد استعادة السودان أراضيه المحتلة، مستفيداً من تداعيات الحرب الأهلية الإثيوبية، وجدت حكومة آبي أحمد نفسها في موقف شديد التعقيد؛ فلا هي تستطيع أن تعلن اعترافها بسودانية الفشقة؛ لأن ذلك يضع الجيش الإثيوبي في مواجهة مباشرة مع ميليشيات شعب الأمهرا الذي يدَّعي تبعية الفشقة السودانية تاريخياً له، ولا يعترف باتفاقيات الحدود؛ خصوصاً بعد مشاركة هذه الميليشيات بشكل فعال بجانب الجيش النظامي في حرب إقليم تيغراي، ودعمها آبى أحمد في مغامرته العسكرية، فضلاً عن أنها تجد نفسها عاجزة عن التنصل عن اعترافها وتوقيعها على كل الاتفاقيات الدولية المبرمة في هذا الصدد.

في المقابل، نجد موقف السودان أكثر تماسكاً؛ رغم سيولة الأوضاع السياسية في المرحلة الانتقالية التي يمر بها، فعلاوة على استعادته سيادته على أراضيه المحتلة، فإن موقفه القانوني يبدو أكثر صلابة من جارته، كما موقفه العسكري؛ خصوصاً أن قواته المسلحة غير مشغولة بحروب أهلية ونزاعات داخلية، كما جرت العادة؛ خصوصاً بعد توقيع حكومته الانتقالية اتفاقية سلام مع الحركات المتمردة في جوبا عاصمة جنوب السودان 3 أكتوبر 2020، الأمر الذي سيجعل القوات المسلحة السودانية في وضع أفضل نسبياً من الإثيوبية، إذا ما اندلعت الحرب بينهما.

اقرأ أيضاً: السودانيون يثمنون جهود الإمارات في دعمهم مسارهم السياسي والاقتصادي

بجانب ذلك، يمكن للسودان الاستفادة من الخدمات القتالية لنحو أكثر من 100 ألف من مقاتلي الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي المتمرسين في حرب العصابات، الذين رغم حصارهم؛ فإنهم لا يزالون يقاتلون حكومة آبي أحمد بضرارة في المرتفعات الشمالية، ولا يجدون منفذاً إلى دول الجوار، بعد أن أغلقت عليهم كل من السودان وإريتريا المجاورتَين حدودهما، عبر إتاحة خطوط دعم لوجستي لهم عبر الحدود السودانية، فضلاً عن تدريبهم وتسليحهم ودعمهم سياسياً، وكذلك الحال مع متمردي إقليم بني شنقول- قُمز، الذي يُبنى سد النهضة الإثيوبي على أراضيه، وبالتالي، فإن بإمكان السودان فتح أكثر من جبهة قتالية على إثيوبيا؛ يُمكن أن تصل إلى إقليمَي أروميا والصومال الإثيوبي (أوغادين) سابقاً.

اقرأ أيضاً: هل نجح قادة مصر والسودان وإثيوبيا في تجاوز خلاف سد النهضة؟

آفاق الحرب ومآلاتها

بطبيعة الحال، ورغم أن الظروف الموضوعية تُرجح خسارة إثيوبيا الحرب المحتملة مع السودان؛ فإن الأخير لن ينجو من الإيذاء أيضاً، فالأوضاع السياسية والاقتصادية الماثلة في الخرطوم، شديدة السيولة والهشاشة، ويُمكن لإثيوبيا استغلال التناقضات بين الفرقاء السياسيين في السودان؛ لخلق معارضة مُسلحة، تنطلق من أراضي إريتريا؛ حليفتها في الحرب على إقليم تيغراي، أو عبر خلق نوع من التوترات والصراعات القبلية في شرق السودان؛ الأمر الذي يمكن أن يمثل تهديداً محتملاً للمرحلة الانتقالية برمتها، ويشجع المغامرين العسكريين على القيام بانقلابٍ عسكري يطيح بعملية التحول الديمقراطي الجارية الآن، ويعيد السودان إلى حكمٍ استبدادي جديد.

في نهاية المطاف، تبدو فرص السودان في الصمود وتحقيق الأفضلية، أكبر من إثيوبيا؛ لا سيما إذا ما دعمته جارته الشمالية مصر؛ سياسياً واستخبارياً وعسكرياً.. حينها، لربما انطبق عليها المثل العربي “على نفسها جَنَت براقش”!   

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة