الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

السودان في ذكرى الانقلاب.. 30 عاماً من الفساد والإرهاب بسبب الإخوان

رغم أنهم أصبحوا خارج المعادلة السياسية ولا يمكنهم العودة إلى المشهد السياسي.. فإن ذيولهم وخلاياهم النائمة في مؤسسات الدولة والأمن لا تزال نشطة

كيوبوست- عبد الجليل سليمان

في مثل هذا اليوم من عام 1989م، نفَّذت الجبهة الإسلامية القومية (إخوان مسلمون) بزعامة حسن عبدالله الترابي، انقلاباً عسكرياً على الحكومة المنتخبة برئاسة الصادق المهدي. ورغم أن الانقلاب كان شبه مكشوف بالنسبة إلى بعض الدوائر المحلية والخارجية، حد وصول الأمر إلى إبلاغ رئيس الوزراء به قبل وقوعه، عبر ضباط من الجيش والأمن وتقارير استخبارية؛ فإن المهدي لم يأبه بها واعتبرها محض مخاوف لا أكثر ولا أقل، مع أن السلطات الأمنية كانت أفشلت محاولة انقلابية سابقة، قادها اللواء الزبير صالح، أول نائب للبشير بعد انقلاب 30 يونيو 1989.

ليس ذلك فحسب؛ بل إن عدد يونيو 1989 من مجلة “الدستور” التابعة لحزب البعث العربي الاشتراكي، أورد تسريباً مفاده أن الإخوان المسلمين يخططون لانقلاب عسكري خلال هذا الشهر بقيادة عميد اسمه عمر البشير، كما أن مدير الأمن الداخلي في إدارة الصادق المهدي اللواء صلاح مطر، أعدَّ تقريراً أمنياً خاصاً، سلَّم نسخاً منه إلى رئيس الوزراء ووزيرَي الدفاع والمالية في 26 يونيو 1989. وحسب ما ورد في كتاب (السودان.. سقوط الأقنعة) للصحفي فتحي الضّو، أن التقرير تضمن تفاصيل من الخطة الانقلابية؛ لكن كعادة المهدي، لم يهتم؛ ربما لأنه كان يثق في الإخوان بحكم علاقة المصاهرة بينه وبين الترابي (الأخير متزوج من شقيقة الأول(.

اقرأ أيضاً: السودان يطارد فلول الإخوان في الخارج.. فهل ينجح؟

التشريد والتمكين

الرقصة الأخيرة للرئيس المخلوع عمر البشير أمام مؤيديه قبل أيام من الإطاحة به

بشهادات متواترة ومُكررة أدلى بها حسن الترابي، زعيم الإخوان المسلمين في السودان وعرَّاب الانقلاب، إلى أكثر من وسيلة إعلامية، وتحدث بها في ندوات عامة داخل السودان وخارجه، فإن “الحركة الإسلامية” رتَّبت للانقلاب، وجاءت بالعميد الركن عمر حسن البشير، ليتولى قيادة الانقلاب تمويهاً، وقد أطلق له الترابي حينها عباراته الشهيرة، مخاطباً البشير “اذهب إلى القصر رئيساً، وسأذهب إلى السجن حبيساً”.

يقول المحلل السياسي عمر حسنين لـ”كيوبوست”: منذ ذلك الوقت ولثلاثين عاماً، أحكم الإخوان المسلمون قبضتهم على مقاليد السلطة، عبر خطة أطلقوا عليها “سياسة التمكين”؛ إذ تم إقصاء كل الكوادر العسكرية من القوات المسلحة، والإدارية من الخدمة العامة، واستبدال كوادر إخوانية بهم، عملاً بمبدأ الولاء مقدم على الكفاءة، وقد تم تشريد مئات الآلاف من أفضل موظفي الخدمة المدنية؛ ما أفسد جهاز الدولة وأضعفه وسهَّل الاعتداء على المال العام، فانتشر الفساد واستشرى بشكل غير مسبوق، كما طالَتْ حملةُ التطهير رجالَ المال والأعمال، وإحلال عناصر إخوانية قليلة الخبرة محلهم، بدعم من الحزب والحركة الإسلامية، والمالَ العام.

اقرأ أيضاً: السودان دولة علمانية.. وجماعة الإخوان تشعر بالمرارة!

جهاد المواطنين

الرئيس المخلوع البشير يكرم الصادق المهدي رغم انقلابه عليه- وكالات

يواصل حسنين: أنفقت الجبهة الإسلامية القومية “إخوان مسلمون” سنوات حكمها البالغة ثلاثين، في شنِّ الحروب الداخلية على المواطنين السودانيين تحت عنوان (الجهاد)، فأشعلَتِ الحروبَ الأهلية من الجنوب إلى الغرب والشرق، واتخذت الكثير من القرارات الخاطئة تجاه القضايا الخارجية، فأدخلت البلاد في حالة عداء مع محيطها العربي والإفريقي، وانخرطت في خصومة لا معنى لها مع المجتمع الدولي باستضافتها إرهابيين من مختلف أنحاء العالم؛ على رأسهم أسامة بن لادن وكارلوس، رغم أنها قلبت لهم ظهر المجن وخانت عهدها معهم، فنجا “بن لادن” ولاذ بالهرب إلى جبال أفغانستان، بينما تم الغدر بكارلوس وسُلِّم تحت التخدير إلى السلطات الفرنسية عام 1994؛ حيث لا يزال محبوساً في سجونها.

اقرأ أيضاً: السودان.. محاسبة الإخوان بعد سنوات من سرقة ثروات الشعب!

عُمر حسنين

يستطرد حسنين: رغم أنهم أصبحوا خارج المعادلة السياسية الآن، ولا يمكنهم العودة إلى المشهد السياسي في المدى المنظور؛ فإن ذيولهم وخلاياهم النائمة في مؤسسات الدولة والأمن لا تزال تعمل بين الفينة والأخرى، من أجل تخريب المرحلة الانتقالية. وقد كشف مقرر “لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 وإزالة التمكين واسترداد الأموال العامة” صلاح منّاع، لوسائل الإعلام، أن خطة إخوانية تهدف إلى إثارة الفوضى ونسف الفترة الانتقالية والإجهاز على الثورة، يتم الإعداد لإطلاقها بالتزامن مع ذكرى انقلاب الإخوان، 30 يونيو، وأنه تم ضبط 20 هاتفاً جوالاً تم تسريبها إلى رموز النظام المعتقلين على ذمة التحقيق، وأن اتصالات واجتماعات عبر تقنية الواتس آب، جرت بين هؤلاء؛ وعلى رأسهم الرئيس المخلوع عمر البشير، وعناصر إخوانية بالداخل والخارج؛ من أجل إثارة القلقلة والبلبلة وإضعاف المرحلة الانتقالية، إلا أنه من وجهة نظري -يضيف حسنين- فإن هذه الأمور رغم خطورتها؛ فإنها لن تعيد الإخوان مجدداً إلى الحكم، لأن الشعب يرفضهم بشكل قاطع وحاسم.

تخبط داخلي وعشوائية خارجية

صورة مركبة: (البشير/ بن لادن/ الترابي)- وكالات

وفي السياق ذاته، قالت الصحفية والمحللة السياسية الدكتورة آمنة عمر، لـ(كيوبوست): إن الإسلاميين السودانيين (الإخوان) لم يدخروا جهداً لتدمير البلاد إلا بذلوه؛ لكن ذلك لم يحُلْ دون انقسامهم حزبَين، بعد عشر سنوات فقط من حكمهم، في ما عرف في أدبياتهم بـ”مفاصلة الإسلاميين” التي انتهت إلى عزل عرابهم وزعيمهم حسن الترابي عام 199، من قِبل تلاميذه؛ وعلى رأسهم الرئيس المخلوع عمر البشير، ونائبه علي عثمان طه، فأسس الترابي حزب المؤتمر الشعبي، وتم اعتقاله مرات عديدة.

 تضيف عمر: أما بالنسبة إلى السياسة الخارجية؛ فقد أوصل الإخوان المسلمون السودان إلى مرحلة العزلة الدولية الكاملة؛ بسبب قلة خبرتهم وهوسهم، فعندما اندلعت حرب الخليج الثانية 1990، اختار نظام الإخوان بالسودان، برعونة يُحسد عليها، الموقف الخطأ بوقوفه إلى جانب صدام حسين. وبسبب ذات الرعونة استضاف “بن لادن” (1990- 1996)، كما استضاف إرهابي بحجم كارلوس، ثم جاء بالطامة الكبرى في المحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، برعاية وتمويل وتدريب إخواني سوداني، وفي نفس العام أشعل نظام الإخوان الحربَ في إقليم دارفور، وها هو الرئيس المخلوع البشير يواجه بسببها اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية.

اقرأ أيضاً: ما الدوافع خلف حملة الاعتقالات ضد عناصر الإخوان في السودان؟

فساد وسرقات

آمنة عمر

فضلاً عن ذلك، تستطرد عمر، فقد بدَّد نظام الإخوان عائدات النفط (600 ألف برميل) يومياً، في تمويل حروب داخلية عبثية ضد المواطنين في دارفور وجنوب السودان الذي أصبح لاحقاً دولة مستقلة بسبب حماقات حكومة الإخوان المسلمين عندما حوَّلوا الحرب الأهلية في جنوب السودان، ذات الطابع المطلبي، إلى حرب بين المسلمين والكفار، وأعلنوا الجهاد على المواطنين الجنوبيين؛ ما أدى إلى قتل أكثر من مليونَي شخص وتشريد مثلهما داخل وخارج السودان.

وبعد استقلال الجنوب عبر استفتاء شعبي في 2011، فقَدَ السودان أكثر من 85% من موارده النفطية والكثير من الموارد الطبيعية والمائية والثروة الحيوانية؛ بل فقَدَ ثُلث سكانه ومساحته، فدخلت البلاد في أزمة اقتصادية مستعصية بعد توقف الإنتاج، وتم الاعتماد على نفط الجنوب.

بطبيعة الحال، لم يستسلم الشعب السوداني ولا الجيش إلى نظام الإخوان الانقلابي؛ فقد قام بعض الضباط يوم 28 رمضان/ أبريل 1990 بمحاولة انقلابية مضادة لإعادة الأمور إلى نصابها، وأدَّى فشل المحاولة إلى إعدام 28 ضابطاً دون محاكمة وإخفاء جثثهم وأماكن دفنهم، وظلت الاحتجاجات الشعبية تطل برأسها وإن كانت بشكل متقطع؛ بسبب القمع الوحشي الذي كان يمارسه ضدها زبانية الإخوان، إلى أن بلغت ذروتها في سبتمبر 2013، حيث واجهتها الأجهزة الأمنية بعنف مفرط أسفر عن قتل 100 متظاهر وإخفاء أضعافهم في السجون والمعتقلات.

اقرأ أيضاً: السودان يسحب الجنسيات من 3548 شخصاً غالبيتهم إخوان

ترافق كل ذلك مع تفشي الفساد بشكل غير مسبوق؛ فقد كشف موقع “ويكيليكس” عام 2010 أن الرئيس السوداني عمر البشير، أودع 9 مليارات دولار في مصارف لندن، كما صنَّفت صحيفة ماليزية في نفس العام، الأموال السودانية المودعة في المصارف الماليزية في المرتبة الثانية للأموال الأجنبية في البلاد، هذا بجانب تقارير المُراجع العام عن الفساد الكبير في كل أجهزة الدولة المدنية والعسكرية.

كل تلك العوامل وضعت الشعب السوداني مباشرة أمام خيار واحد لا غير، وهو مقاومة هذه الجماعة بقوة عبر الوسائل السلمية، فكان أن أُطيح بها، مرة وإلى الأبد في 11 أبريل 2019، “ولا أعتقد بإمكانية عودتها مرة أخرى إلى الحكم، وما تفعله فلولها بين الفينة والأخرى لا يعدو فرفرة مذبوح”، وفقاً لـعمر.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة