الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

السودان.. أنماط غامضة في مقابر إسلامية ترجع إلى العصور الوسطى

تشتمل المواقع الأثرية في منطقة كسلة شرقي السودان على قبور وشواهد تموضعت بنمط شبيه بالمجرات في الفضاء

كيوبوست- ترجمات

أوين جاروس

تم تنسيق الآلاف من قبور المسلمين التي ترجع إلى القرون الوسطى في شرق السودان بأنماطٍ يصعب تتبعها؛ حيث تضم قبوراً رئيسية تنبثق منها مدافن ثانوية، وفقاً لعلماء الآثار الذين درسوا هذه الآثار الجنائزية بطريقةٍ صُممت لتلائم علم الكونيات.

استخدم الفريق صوراً التُقطت بالأقمار الصناعية؛ لتحديد مواقع أكثر من عشرة آلاف موقع أثري في منطقة كسلة شرقي السودان. وتشمل المواقع الأثرية شواهد قبور قليلة الارتفاع نسبياً صُنعت من الحجر كانت منتشرة في عصور ما قبل التاريخ في إفريقيا، والقباب؛ وهي مصطلح يشير إلى القبور والأضرحة الإسلامية في العالم العربي، كما كتب فريق من الباحثين في بحث نُشر في السابع من يوليو في مجلة “بلوس ون”.

وبعد أن قام أعضاء الفريق برسم خريطة لهذه المدافن، واجهوا صعوبة في تفسير البيانات؛ لأن بعض القبور قد تم نبشها.

اقرأ أيضاً: تخريب التماثيل التاريخية بين الشرق والغرب.. هل تحرّم الديانات الآثار حقاً؟

قال ستيفانو كوستانزو، طالب الدكتوراه في علم الآثار في جامعة نابولي لورينتال في إيطاليا، والمؤلف الرئيسي للبحث: “لقد واجهنا تحدي تفسير إنشاء هذا الموقع الجنائزي في ظل عدم وجود بيانات أثرية تقليدية؛ ولكن كان لدينا ما يكفي من البيانات لنفترض وجود عملية معقدة على المستويين المحلي والإقليمي”.

وأضاف كوستانزو: “كان من الواضح للعين المجردة أن عوامل الطبيعة قد تركت أثرها على القبور العنقودية؛ ولكن ربما يكون هنالك معنى أعمق لترتيبها المكاني”. وقد بحث هو وأعضاء الفريق الآخرون عن تقنيات النماذج الإحصائية التي يمكن أن تساعدهم على تتبع هذه الأنماط، وفي النهاية قرروا استخدام طريقة تسمى “عملية تجميع نيمان سكوت”، التي تم تطويرها لدراسة الأنماط المكانية للأجرام السماوية والمجرات. وعلى حدِّ علم أعضاء الفريق، فإن هذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها علماء الآثار هذه التقنية.

صورة للقباب (الأضرحة) المنتشرة حول جبل مامان في منطقة كسلة شرقي السودان- “واتس نيو توداي”

قال كوستانزو: “تكمن كبرى ميزات هذه التقنية في كونها قادرة على التعامل مع البيانات الأثرية التي تفتقر إلى بيانات التنقيب والسجلات التاريخية؛ ولكنها تتألف من عددٍ كبير جداً من العناصر التي تشكل أساس التحليلات المنطقية”.

وقد كشفت تقنيات النمذجة أم القبور الإسلامية “كانت تخفي العديد من المجموعات الفرعية التي تدور حول قبور رئيسية غير محددة تلعب دور مركز الجذب لعمليات الدفن اللاحقة، التي كانت على ما يبدو مدفوعة بالقدسية العامة للموقع، وبالمسارات الاجتماعية للمجموعات البشرية المتنقلة التي لا تزال موجودة”، على حد تعبير كوستانزو. وقد أكدتِ الدراسة أيضاً أن المناطق التي تتوفر فيها مواد البناء كانت تميل إلى احتواء المزيد من المقابر، وأن العوامل البيئية مثل التضاريس وطبيعة الأرض يمكن أن تؤثر أيضاً على أماكن تموضع القبور.

اقرأ أيضاً: تواطؤ إعلامي عربي ودولي.. القصف التركي طال المقابر والمساجد والآثار التاريخية!

وذكر الفريق، في البحث الذي نشرته المجلة، أن منطقة كسلة يقطنها شعب “البجاة” الذي لا يزال قسم كبير منه يعيش حياة البداوة. “مجموعات القبور المحلية هي على الأرجح مقابر قبلية/ عائلية لشعب البجاة”. وهنالك حاجة إلى المزيد من الدراسات لتحديد مواقع القبور الرئيسية، وربما لمعرفة لمَن تعود هذه القبور، وما الذي أعطاها هذه الأهمية.

وقد اعتبر علماء غير مشاركين في الدراسة أن الطريقة التي استخدمها الفريق مثيرة للاهتمام. وقال ديريك ويلسبي، أحد أمناء المتحف البريطاني، الذي أجرى أبحاثاً أثرية موسعة في السودان: “إن النهج الذي اتبعه الفريق يتناسب تماماً مع المجموعات البدوية التي تتنقل في مساحاتٍ شاسعة من الأراضي”. ويرى أن البحث سوف يسهل إجراء المزيد من عمليات التنقيب الأثري في المنطقة.

الآلاف من القبور الإسلامية التي ترجع إلى القرون الوسطى منسقة بطريقة تشبه المجرات- “واتس نيو توداي”

قال ديفيد ويتلي؛ أستاذ علم الآثار في جامعة ساوثهامبتون في المملكة المتحدة: “إن تقنيات علوم الكونيات التي استخدمها الفريق تبدو مثيرة للاهتمام، ويمكن أن تكون إضافة مهمة إلى ترسانة الطرق الإحصائية التي يستخدمها علماء الآثار للتوصل إلى فهم أفضل لمواقع أثرية مشابهة”.

ويوفر البحث أيضاً معلوماتٍ قيمة عن الشعوب التي عاشت في المنطقة. قال جيوفاني روفيني؛ أستاذ التاريخ في جامعة فيرفيلد في كونيكتيكت: “توفر هذه الدراسة دعماً كبيراً من الناحية الكمية للتاريخ القديم لشعب البجاة”. وأضاف روفيني، الذي سبق أن قام بأبحاث مكثفة عن السودان في العصور الوسطى: “يعتمد العلماء المعاصرون على مراجع متفرقة في النصوص الأدبية التي كتبت حول تاريخ البجاة، والنتائج التي توصلوا إليها لا تزال غير مرضية”.

اقرأ أيضاً: الحضارة السودانية المسروقة.. كنوز أثرية في المتاحف الأوروبية

صور بالأقمار الصناعية توضح أماكن تموضع القبور في منطقة كسلة- “واتس نيو توداي”

ومع ذلك، فقد أشار أحد العلماء إلى وجود قصور في الدراسة؛ حيث أعرب فيليب ريريس، المحاضر في النمذجة الأثرية والبيئية القديمة، في جامعة بورنماوث في المملكة المتحدة، عن قلقه من كون الفريق قد درس قبوراً من فتراتٍ تاريخية متباعدة إلى حد كبير في النموذج نفسه. وقال: “ينطوي هذا الأمر على محاذير كبيرة؛ لأنه يتعاطى مع تقاليد جنائزية مختلفة بالطريقة نفسها”.

المصدر: لايف ساينس

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة