الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

السودانيون يثمنون جهود الإمارات في دعمهم مسارهم السياسي والاقتصادي

الإمارات أقنعت الكثير من الحركات المسلحة بالجلوس إلى طاولة المفاوضات.. ثم تابعت مساراتها الشائكة إلى أن كُلِّلت بالنجاح

السودان – عبد الجليل سليمان

شهدت جوبا عاصمة جنوب السودان، السبت 3 أكتوبر الماضي، التوقيع النهائي على اتفاق السلام بين الحكومة السودانية الانتقالية، وبعض فصائل الجبهة الثورية التي تضم عدداً من الحركات المسلحة، إيذاناً بإنهاء عقودٍ من الصراع في أقاليم دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق؛ ما أدى إلى تهجير ملايين الأشخاص وإزهاق مئات الآلاف من الأرواح، وذلك بمشاركة العديد من الرعاة؛ وأبرزهم دولة الإمارات.

وبينما كان رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان، يُعبِّر عن فرحته بطريقته الخاصة، مردداً مقاطع من أغنية قديمة “سودان بلدنا وكلنا إخوان”، طالباً من الحضور الغناء خلفه، كان صدى قصيدة “إيمي محمود” اللاجئة الدارفورية بالولايات المتحدة الأمريكية، والتي صُنِّفت ضمن أكثر 100 امرأة مُلهِمة لعام 2015، يتردد بين أرجاء ساحة الحرية بعاصمة جنوب السودان؛ حيث تم التوقيع على الاتفاق:

كُنَّا نحترق مثل أخشاب جافة.. أول ما أخذوه كان نومي

عيوني ثقيلة.. لكنها مفتوحة على مصراعيها

أفكر ربما فاتني شيء.. ربما لا يزال الجنجويد قادمين

أتمنى أن لا يأتوا.. لذلك اشتريتُ وسائد أكبر

توقيعات على نهاية المأساة

وضعَ الاتفاق نقطة على آخر سطر للمأساة الإنسانية التي امتدت عقوداً في الأقاليم السودانية المأزومة؛ إنها مأساة بلغت حد الإبادة الجماعية، إذ ينتظر الرئيس المخلوع عمر البشير، وكبار مساعديه ممن ارتكبوا الفظائع هناك، لحظة إرسالهم إلى (لاهاي)؛ حيث المحكمة الجنائية الدولية.

شاهد: فيديوغراف: السودان يثمن دعم الإمارات جهود السلام

يقول المحلل السياسي محمود نورين، متحدثاً إلى “كيوبوست”: “إن الاتفاق أنصف متضرري الحرب، بمنحه منطقتَي جنوب كردفان والنيل الأزرق حكماً ذاتياً، فضلاً عن حقهما في سَن تشريعات خاصة بهما، والتمتع بـ40% من مواردهما لعشرة أعوام قادمة، كما أقر بتخصيص 20% من وظائف الخدمة المدنية والسلطة القضائية والنيابة العامة والسفراء والبنوك والشركات العامة لأبناء دارفور، على أن يتم ذلك بقرارٍ سياسي خلال 45 يوماً من تاريخ توقيع الاتفاق. كما نصّ على إعفاء طلاب إقليم دارفور من الرسوم الدراسية الجامعية لعشرة أعوام و20% من المنح الدراسية الخارجية”.

وأشار نورين إلى أن الاتفاق ألزم الحكومة بتوفير 750 مليون دولار أمريكي سنوياً، لمدة 10 أعوام قادمة لصندوق دعم سلام دارفور، و100 مليون أخرى بعد شهر من توقيع هذا الاتفاق، فضلاً عن 40% من عائدات دارفور للإقليم لمدة 10 سنوات قادمة، وكشف عن أن دولاً كثيرة -وصفها بالصديقة- على رأسها الإمارات العربية المتحدة، ساندت الاتفاق وموَّلت المفاوضات وأسهمت في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء، ولولا جهودها لاستغرقت المباحثات وقتاً أطول؛ إذ إن الضمانات المالية التي أقرت بها الحكومة لصالح الأقاليم المتأثرة بالحرب، لن تستطيع الإيفاء بها في ظل الظروف الاقتصادية المأزومة التي تمر بها البلاد، وستتكفل بها في الغالب دولة الإمارات، ودول عربية وأوروبية أخرى.

مخاطر وتهديدات

من جهتها، لفتت الباحثة السياسية سامية الجاك، في تعليقٍ خاص لـ”كيوبوست”، إلى أن الاتفاق سيواجه مخاطر جمة ربما تُهدِّد بنسفه، إذا ما استمر رفض أكبر حركتَين بالإقليمَين المأزومَين (دارفور وجنوب كردفان) التوقيع عليه، أو على آخر مماثل.

من مراسم توقيع اتفاق السلام في السودان – وكالات

وأضافت الجاك: “لكن احتمال استمرار زعيمَي حركتَي (تحرير السودان) و(الشعبية لتحرير السودان) في رفض الاتفاق يتضاءل مع مرور الوقت؛ خصوصاً بعد أن حظي اتفاق جوبا الأخير بدعم إقليمي ودولي كبير، وكذلك بمساندة شعبية جارفة”، متوقعةً أن ينضم عبدالعزير الحلو؛ رئيس الحركة الشعبية، إلى ركب السلام قريباً؛ خصوصاً أنه وقَّع اتفاق مبادئ من 6 بنود في سبتمبر الماضي، مع رئيس الوزراء عبدالله حمدوك بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بينما من الصعب التكهن بمواقف عبدالواحد نور، رئيس حركة تحرير السودان التي ظلَّت تراوح مكانها رافضةً أي حوار إلا على تفكيك الدولة القديمة والعقليات التي تديرها، حسب تعبيراته الشائعة.

إلا أن سامية الجاك أكدت، لـ”كيوبوست”، أن السودان يعوِّل أكثر من دعم “الترويكا” المعنوي المرحب بالاتفاق ودعوتها رافضيه إلى بدء محادثات مع الحكومة من أجل تحقيق سلام شامل، على دعم الدول العربية الشقيقة بمستوياته كافة؛ إذ إنه لا اتفاق سيصمد ما لم تخصص ميزانية لتنفيذه، وأشارت إلى دور دولة الإمارات المحوري في هذا الصدد، قائلةً: إن هذا ظل ديدنها منذ سنوات طويلة، مثمنةً تصريحات وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي، بأن دولة الإمارات وشعبها سيدعمان الجهود السودانية المخلصة من أجل ترسيخ هذه الخطوة التاريخية، ونجاحها من أجل السلام والتنمية والاستقرار، وإنهم لن يترددوا في تعزيز هذا الإنجاز بالدعم والرعاية على كل المستويات.

اقرأ أيضًا: رسالة إلى الكونغرس الأمريكي: لا تهدروا فرصة مكافحة الإرهاب في السودان!

الإمارات… الضامن والداعم

يُذكر أن مراسم التوقيع بساحة الحرية في جوبا عاصمة جنوب السودان، شهدت حضوراً إقليمياً ودولياً مقدراً، وكان الحضور الإماراتي ممثلاً في وزير الطاقة سهيل المزروعي؛ إذ لعبت الإمارات دوراً كبيراً في الدعم والمساندة والتمويل وتقريب وجهات النظر، وهذا ما جعل عضو فريق الوساطة ضيو مطوك، يشيد في مؤتمر صحفي، بالجهود الإماراتية التي وصفها بأنها أثمرت عن نجاح، مشيراً إلى أنها الضامن لتنفيذ الاتفاق.

العلمان الإماراتي والسوداني

من جهته، أعرب رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك، في كلمته خلال حفل التوقيع على الاتفاق، عن تقديره للدور الإماراتي في التوصل إلى الاتفاق، وهذا ما أكده كلٌّ من عضو مجلس السيادة السوداني محمد الحسن التعايشي، والمستشار الأمني لرئيس جنوب السودان توت قلواك، ومني أركو مناوي رئيس حركة تحرير السودان الموقعة على الاتفاق، ورئيس حزب الأمة السوداني مبارك الفاضل المهدي، الذي كشف عن أن الإمارات هي التي موَّلت المفاوضات لوجيستياً لمدة عام كامل، ولولا ذلك لربما تعثَّرت.

شاهد: فيديوغراف.. شحنة إمدادات طبية جديدة من الإمارات إلى السودان

إلى ذلك، أشاد السفير السوداني لدى أبوظبي محمد أمين الكارب، بالدور الإماراتي الكبير والمهم في التوصل إلى “اتفاق جوبا للسلام” بين الحكومة الانتقالية وبعض فصائل الجبهة الثورية المعارضة، وكشف عن أن الإمارات أقنعتِ الكثير من الحركات المسلحة بالجلوس إلى المفاوضات، ثم تابعت مساراتها الشائكة إلى أن كُلِّلت بالنجاح.

وكشف مصدر حكومي سوداني رفيع، فضل حجب اسمه، لـ(كيوبوست)، عن أن الدعم الإماراتي للسودان ظل متواصلاً منذ عقود طويلة، ولم ينقطع لحظة؛ فقد ضخَّت في البنك المركزي السوداني خلال الأعوام الماضية ما يعادل 7.6 مليار دولار، كما دعَّمتِ الحكومة الانتقالية بشكلٍ مستمر، وأسهمت في تأهيل الكثير من المرافق والمدارس، فضلاً عن 3 مليارات دولار مناصفة مع المملكة العربية السعودية؛ لدعم التحول الديمقراطي عقب انتصار الثورة، التي كانت أول المساندين لها، وقدمت أكثر من 80 طناً من المستلزمات الطبية إلى وزارة الصحة السودانية إبان جائحة كورونا؛ لذلك -يواصل المصدر- ليس غريباً على السودانيين أن يروا الإمارات في مقدمة الدول التي أسهمت بإخلاص في تمكين الأطراف المتنازعة من التوصل إلى اتفاق جوبا؛ ما جعلها تختارها ضامناً له.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة