الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

السنة الثورية في إيران

نشر مؤخراً موقع "فورين بوليسي" مقالاً بقلم كاميرون أبادي.. يبحث في العوامل التي دفعت جيل الشباب الإيراني للتظاهر وتلك التي أجبرت قوات الحرس الثوري الإيراني على التراجع

كيوبوست- ترجمات

كاميرون أبادي♦

يشير كاميرون أبادي، في مطلع مقاله الذي نُشر في موقع “فورين بوليسي”، إلى أن عام 2022 كان من المتوقع أن يكون عاماً متميزاً بالنسبة إلى النظام الإيراني الذي كان من المفترض أن ينهي خلاله الجمود الذي ألمّ بالمفاوضات حول برنامج إيران النووي المثير للجدل؛ ولكن هذه الآمال تبددت بحلول نهاية العام، ولا يزال الاتفاق النووي في حالة من الغيبوبة أو موت سريري. ومن أهم أسباب هذا الجمود كانت حركة الاحتجاج الشعبية التي عُرفت باسم “المرأة، الحياة، الحرية” التي اندلعت في سبتمبر الماضي في أعقاب وفاة مهسا أميني وهي قيد الاعتقال لدى شرطة الآداب في طهران. وقد عمَّت المظاهرات شوارع المدن الإيرانية؛ حيث طالب المتظاهرون بالمساواة للمرأة وإنهاء النظام الذي ثبت أنه غير قادر على تحقيق هذه المساواة. وجاء رد الحكومة بقوة غاشمة؛ فقتلت المئات واعتقلت الآلاف من المتظاهرين.

وتعتبر هذه الحركة بمثابة أكبر تحدٍّ لسيطرة النظام على البلاد منذ الأيام الأولى للثورة الإسلامية عام 1979، كما تعتبر الحركة الأطول زمناً منذ الحركة الخضراء التي أعقبت الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2009؛ ولكنها تميزت عنها بأنها بلا قيادة وبطابعها الثوري الواضح. وتعبر هذه الاحتجاجات عن تطور المجتمع الإيراني الذي أصبح أقل تديناً وأكثر ابتعاداً عن نظام الحكم الديني، الذي حاول استرضاء الشباب الثائرين بالادعاء أنه سيحل شرطة الآداب، ولكن على ما يبدو فإن الوقت قد فات لفعل ذلك. ولا يزال من غير الواضح إلى أين ستتجه حركة احتجاجات الشباب الإيراني؛ ولكن قد يكون من المفيد معرفة ما الذي أوصل الحركة إلى ما هي عليه اليوم.

اقرأ أيضاً: الثورة في إيران لن تنجح لكن التغيير قادم

من المعروف على نطاق واسع أن احتجاجات إيران يقودها شباب البلاد، وهم جيل ليست له علاقة تُذكر بالأساطير التي تأسَّس عليها النظام من اضطرابات الثورة الإسلامية وسنوات التضحية التي استغلها النظام لإضفاء الشرعية على حكمه. وكل ما يحملونه في نفوسهم تجاه هذا النظام هو مجموعة من المظالم المتعلقة بالوضع الاقتصادي المتردي والفساد، إلى جانب البراعة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن شعورهم تجاه هذه المظالم. وشباب إيران لا يخشون التعبير عن أنفسهم عبر الإنترنت ولا يخشون تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمها النظام الإيراني، وبذلك أصبحوا القوة التي تزعزع المؤسسة الدينية المتصلبة بطريقة لم تعهدها من قبل.

تراجع النظام الإيراني مع تصاعد وتيرة الاحتجاجات.

وفي أوائل ديسمبر، فاجأ المسؤولون الإيرانيون المراقبين في الخارج والداخل بإعلانهم أن الحكومة ستوقف عمل شرطة الآداب سيئة السمعة؛ ولكن القوانين الإيرانية لا تزال تفرض العقوبات على مَن ينتهك منظومة الأخلاق الإسلامية، وهنالك العديد من المؤشرات التي تدل على أن النظام يبحث بالفعل عن طرق مبتكرة لفرض تطبيق هذه القوانين. ويرى الخبراء بالشأن الإيراني أن استبدال أدوات عقابية أخرى بشرطة الآداب -مثل إغلاق الحسابات المصرفية- من المرجح أنه لن يرضي المحتجين؛ بل يمكن أن يدفع بالمزيد من الناس إلى الشوارع في ظل إيمان الكثير من الإيرانيين بأن النظام الحاكم في طهران بات غير قابل للإصلاح.

إلى جانب العقوبات الاقتصادية التي يفرضها الغرب منذ سنوات، حاولت الحركة الاحتجاجية فرض ضغوط إضافية من جانبها على النظام الإيراني من خلال السعي إلى تنظيم إضرابات عمالية على مستوى البلاد لإغلاق الاقتصاد؛ ولكن هذه الجهود على الرغم من كونها منطقية تماماً فشلت في الممارسة الفعلية. كانت حركة الإضراب العام التي نفذها موظفو الخدمة المدنية وعمال البلديات قد شكلت ضغطاً كبيراً على نظام الشاه؛ لكن الظروف التي سمحت بتعبئة كبيرة عام 1979 قد تغيرت الآن، فمعظم العمال الإيرانيين يعانون غياب الاستقرار في وظائفهم، كما أن عدد موظفي القطاع العام قد تراجع كثيراً بعد أن باتت الحكومة تعتمد بشكل كبير على متعاقدين من القطاع الخاص، ولم يعد عدد المؤسسات الصناعية الكبيرة المملوكة للدولة يتجاوز مئة مؤسسة ويعمل معظم موظفيها بعقود مؤقتة.

اقرأ أيضاً: إيران تعلن غير ما تضمر

وإذا كانت حركة الاحتجاج قد فشلت في تنظيم إضرابات عامة على مستوى البلاد، فقد نجحت في الاتفاق على نشيد واحد وهو أغنية “بارايي” (لأجل ذلك)، وتروي كلماتها عدداً من المظالم الرئيسية التي يمارسها النظام الإيراني ضد حقوق الإنسان الأساسية للمواطن الإيراني من كسب الرزق إلى الاستمتاع بقبلة مع مَن يحب. وتكشف الأغنية عن الطبيعة البسيطة للأشياء التي يعاني الإيرانيون للحصول عليها؛ بل ويموتون من أجلها. وليس فقط محتوى كلمات الأغنية هو الذي يعكس الحركة الاحتجاجية، بل توزيعها أيضاً، وإذا كانت أغنية “بارايي” تعكس على المستوى الوطني مدى قسوة النظام الذي ينكر على الناس مثل هذه المطالب ومدى قسوة الظروف التي يعانيها الإيرانيون اليوم، كما أنها تعكس الهيكل التنظيمي لهذه الحركة الاحتجاجية التي نشأت عبر شبكة الإنترنت دون قيادة، فكلمات الأغنية من تأليف الإيرانيين بشكل عام، وقام بوضع ألحانها وغنائها الشاب الإيراني شيرفين هاجيبور.

تساءل كثيرون عما إذا كانت هذه الحركة الاحتجاجية ستستمر في النمو والتصاعد إلى أن تصل إلى عتبة من شأنها أن تحمل قوات الأمن في البلاد إلى التخلي عن النظام والانضمام إلى المتظاهرين؛ ولكن هذا التساؤل لا يخلو من السذاجة، فقد تم بناء وتصميم أقوى جهاز أمن في إيران -الحرس الثوري الإيراني- بطريقة تضمن عدم التراجع في مثل هذه المواقف. فإبان الثورة الإيرانية كان قرار الجيش التزام جانب الحياد بمثابة الإعلان عن نهاية نظام الشاه بهلوي، ووضع إيران على مسار جديد. ولكن اليوم، فإن مطالبة الشباب بإنهاء النظام الديني تعني تحدي مبرر وجود الحرس الثوري نفسه؛ فهو لا يمكن أن يوجد في ظل حكم لم تعد ترسم معالمه الثورة الإسلامية. ولذلك لا شك في أن الحرس الثوري سيقاتل حتى النهاية.

♦نائب رئيس التحرير في مجلة “فورين بوليسي”

المصدر: فورين بوليسي

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة