شؤون خليجية

السعودية والغرب: خطابنا وحضارتنا 3/5

"تاريخنا في حضارتنا"

كيو بوست – د. منصور المرزوقي

سلسة من 5 حلقات تتبع علاقة السعودية بالغرب، بالاستناد إلى الأزمة الأخيرة مع كندا، تركز على تحليل الحملات الغربية التي تستهدف السعودية والصور النمطية حيالها، وفكرة الرأسمالية والتفوق الأخلاقي، ومحاور أخرى يستعرضها د. منصور المرزوقي في هذه السلسلة.

 

نحن بحاجة لتطوير بُنى تحتية للتأثير في الغرب، ويجب أن ندرك أن هذه البُنى تختلف من بلد لآخر. ودور الدعم الذي يمكن أن نقدمه للنخب والمؤسسات في الغرب يختلف في أهميته وفاعليته من بلد لآخر، وقابلية المجتمعات الغربية تختلف أيضًا؛ فطرق التأثير التي قد تنجح في واشنطن ليس بالضرورة أن تنجح في باريس أو برلين. ولكن شيئًا واحدًا مؤكدًا هو أن الارتكاز على عمقنا الحضاري وتاريخنا التليد وثرائنا الثقافي هو ركن أساسي من أركان أي عملية للتأثير في الغرب خاصة، وفي العالم أجمع عامة. وهذا لا بد أن يتبلور في خطاب حضاري يسند الخطاب السياسي ويعضده.

هذا الخطاب الحضاري يقوم على إبراز الطريقة التي ترى بها السعودية نفسها ومكانتها في العالم. وهو أمر أساسي، بالنظر إلى أنه يوفر الإطار الذي من خلاله تتفاعل المملكة العربية السعودية مع العالم. فلكل دولة «إطار ذهني مسبق»، وهو ما يُعرف بـ«cognitive prior». يمكن تعريف الإطار الذهني المسبق على أنه: مجموعة من الأفكار، والقيم، والمعتقدات، والتصورات التاريخية والحضارية التي ساهمت في صياغة مجموعة من القواعد تحدد وتقيِّد تعاطي الفرد أو الجماعة مع القيم والمعتقدات وطُرق التعاطي القادمة من الخارج.

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: مقدمة حول الهجوم الغربي 1/5

تنظر المملكة العربية السعودية إلى نفسها ومكانتها في العالم على أنها مهد وجسر؛ مهد للحضارات وجسر بين الحضارات. وهناك خمسة أماكن يمكن أن تكون ذات أهمية رمزية فيما يتعلق بفهم المهد العربي والجسر العربي. لا يتسع المجال للحديث عن العمق الحضاري بإسهاب، ولذلك لجأت إلى الرموز التي تذهب بالخيال لما ورائها.

المكان الأول هو قرية الفاو، عاصمة مملكة كندة العربية القديمة، الواقعة جنوب الرياض، التي بنيت في القرن الرابع قبل الميلاد. إنها مثال لا يزال قائمًا على عبقرية وإبداع شعب الجزيرة العربية، كما هو بين في أنظمة الري المتطورة، والأساليب المعمارية البديعة، والحياة الروحية الغنية.

المكان الثاني هو مدينة تيماء، العاصمة القديمة لبابل في الفترة بين 552-543 قبل الميلاد، وتقع في شمال المملكة العربية السعودية. إنها رمز مشع لروابط شبه الجزيرة العربية التي لم تنقطع قط مع حضارات العالم. والمكتشفات الأثرية لا تزال تتوالى لتخبرنا عن ماضي هذه الحاضرة العظيم.

المكان الثالث هو سوق عكاظ، الواقعة غربي المملكة العربية السعودية، التي تمثل مهد الحضارة العربية. إنها عكاظ، حيث تلى العرب قصائدهم، وتجاذبوا فيها الآراء والنقد في قبة الذبياني الحمراء. وفي هذه السوق الثقافية الأدبية خُلق فضاء ثقافي ولغوي مشترك، سمح بنمو وتعميم وعي العرب بوحدتهم في أمة عربية عظيمة، تطايرت أصداؤه إلى المعلقات على أستار الكعبة ونقاشات دار الندوة، والنبل والحمية والأنفة في حلف الفضول، ورُفع في ظله لواء ذي قار الذي جمعنا فيه وعصمنا.

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: خطابنا وتعزيز الصور النمطية 2\5

المكان الرابع هو مدينة مكة التليدة، مهد الحضارة الإسلامية. أشرقت بدستور المدينة والسقيفة وبناء دولة اجتمع فيها العرب، ورحبت بغير العرب إخوة وأهلًا. وترجع النخبتان السياسية والدينية في العالمين العربي والإسلامي بأصولهما إلى هذه المدينة المقدسة. فمن بني أمية في دمشق إلى بني العباس في بغداد، إلى قرطبة وغرناطة وإشبيلية، والعائلات الملكية والدينية في العالمين العربي والإسلامي على مر العصور، كلها ترفع راية مكة، وتسبح بلغتها وتتولاها. وصوب هذه المدينة، يتوجه أكثر من مليار وسبعمائة مليون مؤمن حول العالم بوجوههم وقلوبهم خمس مرات في اليوم.

والمكان الخامس هو مدينة نيوم، مدينة مستقبلية تعمل بالطاقة الخضراء وتديرها روبوتات، وهي تحت الإنشاء في شمال غرب المملكة العربية السعودية. وكما يشير اسمها، تقف على طموحات الغد ووعد المستقبل، وتفتح ذراعيها للعالم أجمع.

وفي هذا السياق الحضاري، نشأت وتبلورت القيم العربية القديمة -مثل الاحترام والتفاعل وجهًا لوجه والتواضع- التي لا نزال نتمسك بها دائمًا وبفخر.

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: العالمية المتمحورة حول الغرب 4/5

بالإضافة، يجب أن نتنبه إلى أهمية دور الشعب عبر آلاف السنين وإلى الآن. يجب ألا يقوم خطابنا الحضاري والسياسي على إحالة كل فعل إلى المؤسسة الرسمية. فهذا قد يخاطب الخارج ليقول له بأن الشعب مهمش عبر التاريخ، منذ مملكة كندة وحتى اليوم. بعض الدراسات التي تناولت خطاب الرئيس أوباما بعد وصوله للبيت الأبيض تشير إلى أن كل أفكاره تحيل إلى مبدأ عام هو أن أي تقدم حققته الولايات المتحدة كان مرده إلى إنجاز وعبقرية المواطن الأمريكي. ولذلك، وهذا حسب تحليلي، كان يصر على عبارة «yes we can» بشكل جماعي، مما يصور المجتمع الأمريكي وكأنه مجموعة مسافرين إلى مستقبل أفضل، على متن حافلة، وما أوباما سوى مسافر على قارعة الطريق، يرجو منهم أن يتكرموا عليه بالتوقف والسماح له بصعود الحافلة والانضمام لهم.   

أي فعل إعلامي أو سياسي نقوم به، ولا يشي بأن الشعب هو من يستقل الحافلة، سيقود حتمًا إلى نتائج عكسية وسلبية في الخارج، لدى الأفراد والمؤسسات على السواء، حتى وإن كان ظاهر المقال تمجيدًا وتعظيمًا لحجم التطلعات والإنجازات السعودية.

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: الرأسمالية و«التفوق الأخلاقي» 5\5

حمل تطبيق كيوبوست الآن، من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة