شؤون خليجية

السعودية والغرب: خطابنا وتعزيز الصور النمطية 2\5

كيف تعزز ردودنا الصور النمطية عنا؟

كيو بوست – د. منصور المرزوقي

سلسة من 5 حلقات تتبع علاقة السعودية بالغرب، بالاستناد إلى الأزمة الأخيرة مع كندا، تركز على تحليل الحملات الغربية التي تستهدف السعودية والصور النمطية حيالها، وفكرة الرأسمالية والتفوق الأخلاقي، ومحاور أخرى يستعرضها د. منصور المرزوقي في هذه السلسلة.

جزء مهم من الهجمات الغربية علينا يتعلق بسؤال حقوق الإنسان والحريات الفردية. وعندما يكون الحديث عن حقوق الإنسان، هنالك ميول لدينا، إعلاميًا، وأكاديميًا، ورسميًا، أن يكون خطابنا دفاعيًا توضيحيًا، يركز على التقدم الذي أحرزناه، ويقارنه بما كانت عليه الأوضاع سابقًا، ويحاول تفريق الدم على القبائل فيما يخص اللوم المتبقي.

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: مقدمة حول الهجوم الغربي 1/5

وهنا لدينا مشكلتان؛ الأولى أن خطابنا هذا يعزز الصور النمطية عنا. وأخطر هذه الصور النمطية الخاطئة هو أننا «بلا تاريخ ولا عمق حضاري». والمشكلة الثانية هي أن خطابنا لا يُسائل الخطاب الغربي ولا يمحص فيه وفي توابعه. وعدم المسائلة هذا يمنعنا من التركيز على خلفية الخطاب الغربي، وهي خلفية عنصرية فلسفيًا، وكارثية تاريخيًا، وإمبريالية سياسيًا.

سأركز في هذه المقالة على المشكلة الأولى، التي تحدثت عنها مرارًا وتكرارًا. أبتُلي خطابنا بمعضلة تكاد أن تكون ظاهرة، وهي أن يتم القول للرأي العام العالمي بشكل منهجي ومنظم بأن السعودية عمرها ٨٦ سنة وبأننا كنا نركب الجمال ونسكن الخيام، قبل التوحيد. هذا القول يهدف إلى مقارنة الكثبان الرملية التي كانت قبل ٨٦ سنة بناطحات السحاب التي حلت محلها في الرياض، حتى يُقال: «ما أعظم الإنجاز!».

إذا قيل لبعضنا «ما أعظم الإنجاز!» ظن أنه حاز على مكسب عظيم. ولكن في واقع الأمر هو شعور عابر بالزهو، يتلوه خسارة عظيمة وحسرة وعواقب وخيمة وندامة. إنها مسألة في غاية الخطورة، لأنها تخاطب رأيًا عامًا عالميًا مثقلًا بصور نمطية، مفادها أننا أناس بلا تاريخ وبلا حضارة، وبأننا إلى عهد قريب كنا حفاة عراة نهيم على وجوهنا في الأرض، بين الكثبان الرملية.

وهذا القول أبعد ما يكون عن الواقع. ولدي قائمة طويلة من الكتب والرسائل العلمية التي تثبت حجم التطور الذي تمتع به إنسان هذه الأرض من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب في الماضي. بالإضافة، يجب أن نتذكر أن الظروف المعيشية للناس في العالم الغربي كانت مشابهة لما كنا عليه، في ذلك الوقت نفسه، أي قبل ٨٦ سنة. ولن أبذل أي جهد في الحديث عن واقع العالم العربي والإسلامي قبل ٨٦ سنة، فلا حاجة لذلك، أبدًا أبدًا.

إن من يطلع على كتاب (إقامة في رحاب شريف مكة) للرحالة الفرنسي شارل ديدييه ليُصاب بالذهول من وصفه الدقيق للجغرافيا الاجتماعية لمدن الحجاز، التي زارها في عام ١٨٥٤، والطرز المعمارية والنوافذ الخشبية ذات الألوان الزاهية، والشوارع النظيفة، وحال الموانئ الآمنة والمزدهرة، وتطور الأسواق وثراء الحياة الفكرية والثقافية في الحجاز. إن نادي جدة الأدبي الذي كتب عنه أمين الريحاني في (ملوك العرب)، في مطلع القرن العشرين، لعلامة بارزة على التقدم. بل إن البنية الإدارية للدولة السعودية الثالثة اتخذت من المؤسسات الإدارية الحجازية نواة لها. 

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: خطابنا وحضارتنا 3/5

فهل كان يمكن لمن كانوا يهيمون على وجوههم بين الكثبان الرملية أن يشكلوا نواة ونموذجًا للإدارة؟

كما أن من يقرأ كتاب «تاريخ المخلاف السليماني» للأديب الراحل محمد العقيلي ليشعر بدهشة غامرة لمستوى الرقي والتطور الذي وصلته مناطق جنوب الوطن الغالي. الأدب والفكر والرقي الإنساني، كما تطور البنيان والعمران والخدمات! ومنطقة الأحساء الحبيبة كان بها محاكم متنقلة بعد إصلاحات حاكم بغداد العثماني مدحت باشا في منتصف القرن التاسع عشر. كما كانت طرق جباية الضرائب والعناية بالموانئ ومجالس الإيالات والنواحي (حسب اللغة البيروقراطية العثمانية) تدل على حجم التطور والتقدم، قانونيًا وإداريًا وعلى مستوى الثقافة السياسية. ولقد كانت تلك المجالس تتكون من أعضاء منتخبين من قبل السكان وآخرين معينين. ومجالس الدرس في مسجد المصطفى، والتي كانت تؤمها وتحج إليها نخبة العالمين العربي والإسلامي، يأتون من كل فج عميق، لأعظم دليل على حجم رقي وتطور إنسان هذه الأرض، وتواصله المستمر مع ثقافات وحضارات العالم. 

ولولا ضيق المساحة لفصلت في جوانب الرقي الثقافي والأدبي والحضاري للإنسان العظيم، في هذه الأرض العظيمة. 

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: العالمية المتمحورة حول الغرب 4/5

لكن البعض منا وقع في المأزق نفسه الذي وقع فيه مؤرخو حركة التدوين في القرن الثاني والثالث هجرية. فمن أجل أن يعظموا مكانة الإسلام، وهو غني عن هذا، بالغوا في تصغير وتحقير فترة الجاهلية مما تسرب إلى الأدب والفكر بشكل قُتل فيه الإنسان الجاهلي مجازيًا، وقتلت معه ثقافته وحضارته. وتسرب هذا للغرب، فتراكمت لديهم أفكار فندها إدوارد سعيد في (الاستشراق) حينما ناقش تعظيم الغرب لفارس واستهتارهم بحضارات العرب.

وكأني ببعضنا لم يقرأ حديث «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق» الذي يعني فلسفيًا بأن بنيان الأخلاق شارف على الكمال، وبأن مجيء البعثة كان لإكمال الطوبة الأخيرة في هذا القصر العربي الشامخ. فبأي حق وأدوا الإنسان الجاهلي؟ أتذكر هذا وأنا أنظر لحجم التصغير لما سبق فترة التوحيد، من أجل تعظيم حالة التقدم التي نتمتع بها حاليًا.

أما فيما يتعلق بأحوال العالم الغربي في الفترة نفسها، أي قبل ٨٦ سنة، فإنها تستحق وقفة على عجالة. كان الأمريكيون في مدينة ماديسون، عاصمة ولاية ويسكانسون، في الشمال، وفي فينكس، عاصمة أريزونا في الجنوب، وفي سيلم عاصمة أوريقون، في أقصى الغرب، يعيشون في ظروف مزرية. وكانت الغالبية العظمى تتنقل على الأقدام والبغال. وكانوا يسكنون في أعشاش متناثرة في حقول المزارع والبيوت الخشبية، في مناطق الـ (plantations). ومن يطلع على القصص القصيرة التي كتبتها الأديبة الأمريكية الراحلة ماري إلينور فريمان عن حياة المناطق القروية في الولايات المتحدة، سيرى بأن ظروف الإنسان الأمريكي في تلك الفترة كانت مقاربة لنا، أكثر مما نظن. أنصح بالاطلاع على كتاب نيلي لومبارد (Looking at Life Through American Literature).

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: الرأسمالية و«التفوق الأخلاقي» 5\5

كما أن الشيء ذاته ينطبق على الأوروبيين أيضًا؛ ففي فرنسا مثلًا، كان وضع النظافة والصرف الصحي في حالة مزرية في منتصف القرن التاسع عشر، مما تسبب في انتشار الأمراض والأوبئة. وقد صدر في عام ١٨٥٠ نظام «الصرف الصحي للمساكن ‘غير النظيفة’» (la loi du 13 avril 1850 sur l’assainissement des logements insalubres). وحتى بعد صدوره بقي تطبيقه شبه محدود على باريس، بينما الظروف فيما يعرف بـ «فرنسا العميقة» كانت مزرية. روايات أدباء تلك الحقبة شاهد على فظاعة الأمر.

ثم يأتي بعد كل هذا من يلهث وراء نزوة عابر ونشوة نصر زائفة وزائلة هي «ما أعظم الإنجاز!».

 

حمل تطبيق كيوبوست الآن، من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة