شؤون خليجية

السعودية والغرب: العالمية المتمحورة حول الغرب 4/5

التمحور الغربي حول الذات من أخطر ما يواجهنا

خاص كيو بوست – د. منصور المرزوقي

سلسة من 5 حلقات تتبع علاقة السعودية بالغرب، بالاستناد إلى الأزمة الأخيرة مع كندا، تركز على تحليل الحملات الغربية التي تستهدف السعودية والصور النمطية حيالها، وفكرة الرأسمالية والتفوق الأخلاقي، ومحاور أخرى يستعرضها د. منصور المرزوقي في هذه السلسلة.

قلت سابقًا إنه عندما يحدثنا الغرب عن حقوق الإنسان، هنالك ميول لدينا، إعلاميًا، وأكاديميًا، ورسميًا، أن يكون خطابنا دفاعيًا توضيحيًا، يركز على التقدم الذي أحرزناه، ويقارنه بما كانت عليه الأوضاع سابقًا، ويحاول تفريق الدم على القبائل فيما يخص اللوم المتبقي الذي لا بد من مواجهته.

وهنا لدينا مشكلتان؛ الأولى أن خطابنا هذا يعزز الصور النمطية عنا. وأخطر هذه الصور النمطية الخاطئة هو أننا «بلا تاريخ ولا عمق حضاري». وقد ناقشت في المقالات السابقة هذه المشكلة. والمشكلة الثانية التي سأناقشها هنا هي أننا لا نُسائل الخطاب الغربي ولا نمحص فيه وفي توابعه. وعدم المسائلة هذا يمنعنا من التركيز على خلفية الخطاب الغربي، وهي خلفية عنصرية فلسفيًا، وكارثية تاريخيًا، وإمبريالية سياسيًا.

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: مقدمة حول الهجوم الغربي 1/5

هناك فجوة بين الدول الغربية (الغرب) وبقية دول العالم (البقية). وهناك تشكيك كبير لدى البقية تجاه الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان. هذا التشكيك يقوم على مبررات مفاهيمية، وعلى أحداث ماضية ومعاصرة، وعلى الأعراف الدولية التي توفر إطارًا لعمل العلاقات الدولية. وتشير هذه المبررات إلى اعتقاد الغرب بتفوقه الأخلاقي، كما أنها تشير إلى أن الغرب يقوم على نحو منهجي باستغلال هذا “التفوق الأخلاقي” المُتوهم من أجل ضمان المكاسب الداخلية، لا سيما في الانتخابات، وكذلك المكاسب الخارجية، مثل الامتيازات السياسية والاقتصادية.

يمكن العثور على مثال لهذه المبررات في بعض جوانب الأزمة الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وكندا. وبالتالي، فإن عرضًا موجزًا لهذه الجوانب –وليس لكل جوانب الأزمة– سيكون مفيدًا. أخيرًا، قد يكون عرض اقتراح للمضي قدمًا في هذه الأزمة نقطة انطلاق جيدة، ليس فقط لهذه الحالة بعينها، بل أيضًا بالنسبة للفجوة بين الغرب والبقية بشكل عام.

يوجد مستوى كبير من الاختلاف بين الدول الغربية. ومع ذلك، يمكن للمرء أن يقول بأنهم يظلون كيانًا موحدًا بشكل كبير على مستوى الخطاب عند مقارنتهم مع بلدان أخرى في العالم، أي مع “البقية” (divide West/Rest). لو نظرنا إلى الخطاب العلمي في العلوم الاجتماعية، يلاحظ المرء هذه الفجوة بين “المركز”، أي الغرب، و”الهامش”، أي بقية العالم. في بداية العلوم الاجتماعية في القرن التاسع عشر، دُرس (المركز) من قبل العلوم السياسية والاقتصاد وعلم الاجتماع. أما (الهامش)، فقد تمت دراسته من قبل الأنثروبولوجيا والاستشراق. على الرغم من أن هذا النهج قد تغير كثيرًا، فإن الإرث والعديد من أفكار هذه الحقبة ما تزال مستمرة. ولو نظر المرء إلى الخطاب السياسي، سيلاحظ الفجوة نفسها بين “العالم الحر” و”العالم غير الحر”. توفر الحرب الباردة والحرب على “الإرهاب” أمثلة وافرة على هذا.

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: خطابنا وتعزيز الصور النمطية 2\5

يبدو أن هناك نزعة في الحديث عن حقوق الإنسان لأن يكون حديثًا أحادي الجانب: من الغرب إلى البقية. بمعنى آخر، يبدو كإلقاء محاضرة وليست عملية حوار. وهي ليست مجرد مسألة غطرسة وتظاهر بالفضيلة، بل هي أيضًا على علاقة بموقف إستراتيجي له سياق استعماري عمره أكثر من أربعة قرون.

كموقف إستراتيجي، هذه النزعة تتعلق بالنظام العالمي. كما لاحظ هيدلي وآخرون: ببساطة، النظام الدولي في فترة ما بعد الحرب هو في الأساس نظام الدول الأوروبية بعد أن تمت توسعته. ويعاني هذا النظام الدولي الأوروبي في أساسه مما يسميه جوليان دي سانكتيس “العالمية المتمحورة حول الذات”. ووفقًا له، يحاول الغرب فرض نظام قِيَمه على العالم، بطريقة لا تأخذ في الاعتبار الحدود السياقية والتاريخية والحضارية. فقط الادعاء بـ”التفوق الأخلاقي” يمكن أن يبرر تجاوز تلك الحدود، الذي على الرغم من أن أصوله تعود إلى عصر التنوير، إلا أنه لا يزال قائمًا.

لكل من النظام العالمي و(العالمية) المذكورة آنفًا، مسارات تاريخية تركت سمات دائمة، مثل “التراكمات الاستعمارية”. تظهر هذه التراكمات بشكل جلي في الاحتفاظ بمناطق النفوذ في المستعمرات السابقة كجزء من الثمن المدفوع مقابل استقلالها. بالفعل، في فترة تاريخية معينة، ساعدت مجموعة من الظروف التي منحت القوة للغرب على تأمين مجموعة من الآليات التي تحمي وتعزز الامتيازات والمصالح الغربية – التي تراكمت خلال الفترة الاستعمارية. نقد هذه العالمية المتمحورة حول الذات، ووجود نقاش ثنائي الأطراف، يعني بالضرورة نقدًا للتراكمات الاستعمارية، أي الامتيازات والمصالح الغربية. وهنا يكمن الدافع الحقيقي وراء استمرار ادعاء “التفوق الأخلاقي” الذي يجعل من الحديث أحادي الجانب، من الغرب إلى البقية، أمرًا مبررًا. هذا الحديث أحادي الجانب هو أداة، من بين أدوات أخرى عدة، تُستخدم للدفاع عن التراكمات الاستعمارية.

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: خطابنا وحضارتنا 3/5

يبدو أنه يوجد في الغرب ترسيخ عميق فيما يتعلق بالجانب الأحادي، هو الإصرار بإلحاح على عدم الرغبة في النظر إلى الأشياء بمنظور مختلف. وهو شيء يمكن أن أسميه “التهاب تضخم الذات” (selflitis). التهاب تضخم الذات هذا يجعل من الصعب على الغرب أن يستمع أو يفكر أو يفهم. وفي خضم هذه الصعوبة، يصدر الغرب الأحكام.

إن صعود الحركات الشعوبية واليمينية المتطرفة في جميع أنحاء الغرب ليس صدفة ولا ظاهرة عابرة، بل هو نتاج العديد من العوامل المعقدة، واحد منها هو التهاب تضخم الذات. وإن أعظم ما يخشاه المرء هو أن يتحول هذا المرض في يوم ما ليصبح “الحل النهائي” بشكل ما. لقد فعل الغرب ذلك مرات عدة من قبل – والأمثلة على ذلك موجودة في معسكرات اعتقال الشعوب الأصلية في الأمريكيتين، والمذابح في الكونغو، والفظائع التي ارتكبت في أوشفيتز. وليس هناك أي ضمانات، على الإطلاق، بأن الغرب لن يفعل ذلك مرة أخرى.

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: الرأسمالية و«التفوق الأخلاقي» 5\5

حمل تطبيق كيو بوست الآن، من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة