شؤون خليجية

السعودية والغرب: الرأسمالية و«التفوق الأخلاقي» 5\5

كيف تتصور الرأسمالية الآخر؟

كيو بوست – د. منصور المرزوقي

سلسة من 5 حلقات تتبع علاقة السعودية بالغرب، بالاستناد إلى الأزمة الأخيرة مع كندا، تركز على تحليل الحملات الغربية التي تستهدف السعودية والصور النمطية حيالها، وفكرة الرأسمالية والتفوق الأخلاقي، ومحاور أخرى يستعرضها د. منصور المرزوقي في هذه السلسلة.

ادعاء “التفوق الأخلاقي” كان رأس حربة الاستعمار الغربي في الماضي، واستمرار الادعاء نفسه الآن هو رأس حربة الرأسمالية. فخلال المفاوضات الخاصة باتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج العربي والاتحاد الأوروبي، استخدم الأخير ورقة تعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية بطريقة براغماتية من أجل انتزاع التنازلات الاقتصادية من دول مجلس التعاون الخليجي، خصوصًا في صناعات الألمنيوم والبتروكيماويات، بحسب ما قاله أحمد قاسم حسين.

وعلاوة على ذلك، هناك ما يسميه أميتاف أتشاريا (subsidiarity norms)، الذي يمكن ترجمته إلى “الأعراف المُفوضة”، وهي تشير إلى وضع دول العالم الثالث معايير خاصة بها، أو أعراف، كاستجابة إقليمية للمشكلات الإقليمية، في منأى عن هيمنة مؤسسات النظام الدولي المُهيمن عليه غربيًا. ووفقًا له، أدت الأعراف المُفوضة إلى أثرين؛ الأثر الأول هو المقاومة والتحدي للتحيز الغربي. ثانيًا، لا تدعم الجهات الفاعلة المحلية إلا أعراف “المجتمع الدولي” التي يُعتقد أنها مفيدة في الحفاظ على الاستقلال الذاتي لدول العالم الثالث، المعروفة باسم “قواعد الجميع، وعبر الجميع، ومن أجل الجميع”. وتشمل هذه القواعد السيادة والمساواة بين الدول وعدم التدخل.

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: مقدمة حول الهجوم الغربي 1/5

هذه القواعد خاضعة لعلاقات القوة بين الدول. فكما أشار العديد من الخبراء، يواجه ميثاق الأمم المتحدة مشكلة التوفيق بين مبادئ مثل السيادة من جهة، وحماية حقوق الإنسان من جهة أخرى. ونتيجة لذلك، يصبح التوفيق بين المبدأين مسألة مفاوضات مستمرة. وبالطبع، فإن علاقات القوة هي الإطار الوحيد الذي يمكن أن تتم فيه هذه المفاوضات. تحت ذريعة حماية حقوق الإنسان، تقوم الدول الأكثر قوة بانتهاك سيادة الدول الأقل قوة وتتدخل في شؤونها الداخلية.

وينظر أحيانًا إلى انتهاكات السيادة على أنها هجمات منهجية على بعض الأعراف المهمة في العلاقات الدولية التي تساعد الدول الأقل قوة على حماية استقلالها الذاتي. إن تدمير الاستقلال الذاتي لتلك الدول يجعلها أكثر عرضة للقوى الكبرى، وبالتالي من المرجح أن تقدم تنازلات اقتصادية وسياسية، كما كان مُبيتًا له في مفاوضات التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي.

يجب على المرء أن يتذكر دائمًا أن مثل هذا التعدي على السيادة لم يحدث أبدًا للولايات المتحدة في “حياة السود مهمة”، أو جوانتانامو، أو سجن أبو غريب، أو غزو العراق أو حملة الطائرات بدون طيار في إفريقيا. وبشكل ما، هذه الانتهاكات الأمريكية لحقوق الإنسان، وكذلك القانون الدولي، غير مرئية للغرب، بما في ذلك كندا وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة. وهكذا ما يعتبره البقية نفاقًا. وهناك انتقائية في الغرب عندما يتعلق الأمر بتعزيز حقوق الإنسان، كما هو واضح في صمت كندا المُدوي تجاه انتهاكات حقوق الإنسان في الصين وإيران.

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: خطابنا وتعزيز الصور النمطية 2\5

وفي الختام، يجب التذكير بأنه من الأجدى والأنجع أن نميز بين أنواع الهجوم الشرس الذي نتعرض له؛ فهناك هجوم من منظمات المجتمع المدني، وهذا يجب أن نسعى لتوضيح وجهة نظرنا لديها. بينما هناك هجوم شرس تقف خلفه دول وحكومات وأحزاب ومؤسسات وسياسيون، ولهم أهداف ومصالح وخطط كثيرة ومختلفة. وفي الوقت نفسه، يجب أن نتخلص من الميول المتجذرة لدينا، إعلاميًا، وأكاديميًا، ورسميًا، في أن يكون خطابنا دفاعيًا توضيحيًا، يركز على التقدم الذي أحرزناه، ويقارنه بما كانت عليه الأوضاع سابقًا، ويحاول تفريق الدم على القبائل فيما يخص اللوم المتبقي الذي لا بد من مواجهته. ففي هذا مشاكل خطيرة.

بدلًا من ذلك، يجب أن نسائل الخطاب الغربي ونمحص فيه وفي توابعه. من المفيد جدًا أن نقوم بالتركيز على خلفية الخطاب الغربي، وهي خلفية عنصرية فلسفيًا، وكارثية تاريخيًا، وإمبريالية سياسيًا. ويجب أن أعيد وأكرر بأن هناك ثلاث واجبات مقدسة، يجب أن نراعيها بأعيننا:

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: خطابنا وحضارتنا 3/5

أولًا، يجب ألا يختطفنا الهاجس الدفاعي، أو هاجس المؤامرة، فنحيد عن الطريق الصحيح: الهدوء والثقة بالنفس، استغلال طاقاتنا كافة من أجل حماية مصالحنا، والصبر ساعة على مجالدة الصعاب، وتحمل الأذى في سبيل تقدم بلدنا ورفعته. فلا نُختطف فنغير من خططنا وأولوياتنا وتوزيع طاقاتنا وصرف مواردنا.

ثانيًا، يجب ألا ننسى أن التوضيح والشرح ومكابدة المشقة في هذا، هي أمور في غاية الأهمية، دون أن نرمي كل ما في أيدينا لنتفرغ للدفاع، أو نتشنج فيه وتتطاير الحناجر في معارك لا طائل منها. ويجب أن يكون دفاعنا موضوعيًا، واقعيًا، متوازنًا، وقبل كل شيء: هادءًا ومكينًا.

ثالثًا، يجب ألا نتغافل عن مواضع التقصير لدينا. وعلينا أن نحول تحدي الهجوم علينا إلى فرصة لتتبع مواضع الخلل ومعالجتها. فلنحول خصومنا، خصوصًا جارتنا العزيزة المتورطة في الهجمات الغربية بأقلامها المستأجرة ولوبياتها المُتخَمة، إلى مندوبي بلدية في إحدى مدننا، يخبروننا بتقصير ذلك المطعم، وتلاعب ذلك المسلخ.

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: العالمية المتمحورة حول الغرب 4/5

حمل تطبيق كيو بوست الآن، من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة