الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

السطمبالي موسيقى توثق رحلة استعباد الأفارقة في تونس

أحاسيس مرتبطة بقصصٍ حقيقية تتمثل في إيقاعات ورقصات موسيقى السطمبالي التي انتعشت إبان حقبة العبودية في تونس

تونس- فاطمة بدري

خرجت موسيقى السطمبالي في تونس منذ مئات السنين، من رحم معاناة الزنوج الأفارقة الرازحين تحت العبودية. فهي موسيقى توثِّق رحلة الاستعباد التي عاش على وقعها الأفارقةُ والأحباش القادمون قسراً من جنوب شرق إفريقيا وبحيرة التشاد، متوجهين إلى أسواق النخاسة لبيعهم، بكل آلامها ومعاناتها وغضبها.

أحاسيس مرتبطة بقصص حقيقية تتحسسها في إيقاعات ورقصات موسيقى السطمبالي التي انتعشت إبان حقبة العبودية في تونس، قبل إلغاء الرق في القرن التاسع عشر، ظلت قائمة حتى بعد تحرير العبيد، ولكنها تكابد اليوم لتحافظ على بريقها. ولهذه الموسيقى مرادفات في مختلف دول المغرب العربي، فهي “القناوة” في المغرب، و”الديوان” في الجزائر، و”المكاري” في ليبيا، و”البوري” في موريتانيا.

اقرأ أيضاً: فيديوغراف: مهرجان سماع للإنشاد والموسيقى.. رسالة سلام

ولا ترتبط موسيقى السطمبالي في تونس فقط فقط بحقبة الرق في إفريقيا، بل كان للتجارة بين القوافل العابرة لصحاري إفريقيا وبلدان المغرب دورها أيضاً في استقرار بعضها في البلاد، خاصة بعد إلغاء العبودية رسميا سنة 1846. وكان لهذه الموسيقى إرهاصات صوفية، ومعالجة الأرواح في البداية، لكنها انفتحت فيما بعد على عوالم الطبيعة.

تقدَّم هذه الموسيقى بلغة غريبة عن اللغةِ العربية، يُقال إنّها من بقايا اللغات الإفريقية التي ترتبط بثقافة عالم الأرواح المنتشرة في القارة السمراء، وهي تعرف بالفودو في غرب إفريقيا، ويعتقد أتباع الفودو باستحضار الأرواح لمساعدتهم في التخلص من الشر المحيط بهم.

العزف على آلة الجمبري من شيم الينا

وفي موسيقى السطمبالي لكل جزء سواء كانت الآلات أو الملابس وحتى الرقصات والإيقاعات تسميات وطقوس خاصة ومميزة، فالشقاشق مثلاً، وهي صفائح معدنية ذات جرس نحاسي تشير إلى صوت الأغلال وطرق الحديد الذي يرافق رحلة العبيد. وآلة الجمبري، وهي آلة وترية وإيقاعية، بالإضافة للطبلة، حاضرة لكي تشحن الأرواح الراقصة لتتحرر من ثقل العالم وفوضاه.

آلات السطمبالي

وتتألف فرق السطمبالي من عديد العناصر كعازفي الشقاشق والطبل والمغنين و”العرايف”، ولكن هناك شخصية محورية تسمى “الينا” (لقب يعني المعلم، ويطلق على المتمرسين والأساتذة الكبار) لها ميزاتها الخاصة. فـ”الينا” هو عازف الجمبري الذي يقع عليه الاختيار منذ الطفولة المبكرة ليكون “ينا”، ويرث موهبة العزف على هذه الآلة بكلِّ ما تحتويه من رمزيةٍ روحانية وقدسية بالنسبة لموسيقيي السطمبالي، حتى أن معلمي السطمبالي الذين لم يتبقَ منهم إلا واحدٌ أو اثنان يشددون على أن لا أحد يطال العزف عليها بمهارة إلا “الينا” لأنها برأيهم عطاء أو هبة تمنح من الأولياء الصالحين لشخص يتم اختياره.

كما تتطلب عملية بلوغ هذه المرتبة إتقان العزف والغناء والقدرة على التأثير في أعضاء المجموعة.

آلات وطبول موسيقى السطمبالي

ويقول بلحسن ميهوب موسيقي سطمبالي شاب ينحدر من عائلة “برنو” التي تعد من أعرق العائلات التونسية التي توارثت موسيقى السطمبالي، “تتعدد آلات موسيقى السطمبالي، وكل تمازج بين هذه الآلات له قواعده وأصوله. إذ نجد آلة الجمبري الوترية والإيقاعية المهمة جداً بالنسبة لموسيقى السطمبالي، وهي القادرة على إحداث اتصال موسيقي مع عالم الأرواح، وكما نجد “البنڨة” وهي الطبلة، و”دندفة” وهي أطول قليلاً من الطبلة و”الكروكوتو” أو النغارات.

بوسعدية

يبلغ الراقص على إيقاعات السطمبالي درجة التخمر والانتشاء، وهي مرحلةٌ أساسية في موسيقى السطمبالي التي ترنو أساساً لتحرير الجسد، حتى أن الباحثين في هذه الموسيقى يذهبون إلى القول إن زنوج إفريقيا حين مارسوا رقصتهم الأولى كانوا يتطلعون إلى التحرر من أغلال العبودية، وكأن الموسيقى تدفعهم للرقص من أجل التحرر بدرجةٍ أولى.

بلحسن ميهوب

وخلال حفلات السطمبالي يتقمص رجل أسود شخصية بوسعدية (أبو سعدية) ويكون محور الحفل الراقص، يرتدي غالباً قناعاً من الأصداف البحرية، ويضع فوق رأسه طيرا كبيراً، وحزاماً وسط جسده مكوناً من عظام الكلاب والثعالب وأصدافاً أخرى عند الكاحلين أو المعصمين. وشخصية “بوسعدية” ليست مسقطة بل لها رواية مرتبطة بدورها بمعاناة العبيد الأفارقة، تنتشر في كل ربوع إفريقيا تقريباً، وخاصة في دول المغرب العربي.

وحسب روايات معلمي السطمبالي، فإن “بوسعدية” هو ملك إحدى القبائل الإفريقية في إفريقيا، جنوب الصحراء، كان يعيش حراً طليقاً سعيداً مع زوجته وابنته المحببة سعدية. وفي أحد الأيام عاد إلى منزله ليجد أن سمسارة أسواق الرق قد سرقوا ابنته وزوجته، وسرقوا بذلك كل سعادته. فقرر البحث عنهما متنكراً في زيٍّ رثٍّ. جاب شوارع ليبيا والجزائر وتونس في رحلته هذه، حيث كان يمر بين الأزقة الضيقة بحثاً عن ابنته، مردداً أغاني تشبه الهذيان، ولكنها في الحقيقة أغانٍ كان يعرف أن ابنته ستعرفها لدى سماعها، متلحفاً بزيه التنكري الذي يبدو في الآن ذاته كمهرج مضحك ووحش مخيف، فهو خليط من الألوان الزاهية، وعظام وريش وأسنان حيوانية، وجلود حيوانات وقناع وأدوات نحاسية وطبل لمشية إيقاعية هي الأخرى في الفرح والحزن في آن واحد.

اقرأ أيضاً: الموسيقى التراثية في الدعاية السياسية.. الغناء اليمني نموذجاً

وارتبط اسمه في تونس بالزوايا ومقامات الصالحين، فهو تارة “سيدي سعد”، وأخرى “لسمر شوشان”، الولي الصالح الأسود، كما قد يدل اسمه على ذلك، لأن “شوشان” تعني العبد الأسود، والأخير له زاوية ما تزال قائمة في إحدى ضواحي العاصمة التونسية.

واستقر مقام “بوسعدية” في تونس بعد رحلةٍ طويلة لسببين، أولاً بأن بحثه الشاق قد كلِّل بالعثور على ابنته سعدية وزوجته، واجتمع شمل العائلة مجدداً، وثانيا لأن تونس سبقت مختلف دول المغرب العربي الأخرى في إلغاء الرق، سنة 1846، بأمر من باي تونس حينها “أحمد باشا باي”.

الراقص بوسعدية

العلاج

ومن المميزات الأخرى لموسيقى السطمبالي أن لها وظيفة علاجية روحانية، تظهر حالات التخميرة، وهي انتشاء روحاني بالموسيقى نتيجة الجذب الذي تمارسه آلات الجمبري والشقاشق والطبلة والرقص المرافق.

وحسب بعض الباحثين في هذه المسألة، فإن ذلك لا يعني أن الموسيقى تقدم شفاء نهائياً للمريض بل إنها تفتح مساحة تفاعل بين الإنسان والأرواح التي تسكنه، عبر وساطة إيقاعية، فتتكلم هذه الأرواح على لسان “العريفة” التي تشخص حالة المريض، وتحدِّد أياً من الأرواح تسكنه، ليعزف بعدها الينا الموسيقى الكفيلة بتأدية الوظيفة العلاجية المناسبة. وثقافة الأرواح في موسيقى السطمبالي تنحدر من ثقافةٍ إفريقية، لا تمت بصلة إلى ثقافة الجن في الموروث الإسلامي.

الألوان جزء من عالم السطمبالي

ويقول الباحث الأمجد رحيم، الذي قام بدراسةٍ تحليلية، بعنوان “طريقة السطمبالي في تونس”، إن “العلاج بالموسيقى على الطريقة التقليدية متداول في تونس”، وبالنسبة للسطمبالي هناك جملة من المراحل التي تمر بها عملية المداواة بهذه الموسيقى. أولها الاستشارة، وهي خطوة تقوم بها ما يسمى بـ”العريفة”، حيث تتولى تحديد أسباب المرض بدقة.

الطبلة مهمة أيضاً

أما الخطوة الثانية، فهي من مشمولات “الينا وعازفي الشقاشق، حيث يتولى هؤلاء العزف بشكلٍ مسترسل أمام المريض حتى يقوم برد فعل معين كالإغماء أو الصراخ، وبناء على ردة الفعل يتم التعرف على طبيعة الجن. ثالثاً يتم تنظيم بعض الطقوس الدينية، ويحدد الحيوان الذي ستتم التضحية به، والذي ستطبخ به الوجبة التي سيتناولها كل الحاضرين في هذا الحفل أو الطقس. وهنا تنتهي عملية التداوي مرفوقة بمظاهر احتفالية”.

لم يتبقَ سوى الينا صالح الورغي

ورغم أن موسيقي “السطمبالي” قد أثرت الرصيد الموسيقي التونسي، عبر الإضافة النوعية على مستوى الإيقاع والألحان والآلات التي نجحت في المزج بين الموسيقى المحلية والوافدة من عمق إفريقيا، فإنها اليوم تكابد من أجل الاستمرار وتجنب الاندثار في ظلِّ عدم التفاتِ السلطات المحلية المعنية بالثقافة لهذا الموروث الفني المتميز، وإيلائه المكانةَ التي يستحق على غرار المغرب الذي يخصص مهرجاناً دولياً سنوياً لموسيقى “القناوة” رديفة السطمبالي.

اقرأ أيضاً: كيف نقل الحضارم واليمنيون الموسيقى إلى جنوب شرق آسيا وأوروبا؟

فبعد رحيل أغلب الـ “ينات” (معلمي السطمبالي الكبار) وأعلام هذه الموسيقى، على غرار عبد المجيد ميهوب، حافظ حداد، والحبيب الجويني، ومحمد بيدالي، وعدم وجود سوى الينا صالح الورغلي، والذي اختار العزلة بعد أن أحزنه التعاطي الرسمي مع هذه الموسيقى، بات هذا الفن يواجه التهميش، خاصة في ظل كثرة الدخلاء الذين أساؤوا بدورهم لهذا الفن.

ورغم ذلك، يؤكد بلحسن ميهوب، سليل أحد أهم عائلات السطمبالي، أنه سيقوم بكل ما في وسعه للحفاظ على موسيقى السطمبالي، حتى وإن لم يجد الدعم اللازم من الدولة للقيام بهذه المهمة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة