الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

السر في التفاصيل.. Portrait of a Lady on Fire

كيوبوست- عبيد التميمي

Portrait of a Lady on Fire“، هو فيلم فرنسي من كتابة وإخراج سيلينا سياما، ومن بطولة نايومي ميرلانت وأديل هاينل. يتحدث الفيلم عن “ماريان”، رسامة في نهاية القرن الثامن عشر، مكلَّفة برسم لوحة للفتاة المخطوبة حديثًا “إيليويز”؛ حيث كان من المتعارف عليه وقتها أن يتم رسم لوحات للمخطوبين قبل زواجهم. إيليويز بدورها ترفض الزواج؛ بحجة أنها لا تعرف شيئًا عن خاطبها، وترفض أن يتم رسمها من قِبَل أي شخص؛ فتتلخص مهمة ماريان في قضاء وقتها مع إيليويز خلال اليوم، والرسم في الليل عن طريق تذكُّر شكل إيليويز فقط؛ مما ينتج عنه علاقة عاطفية بين الفتاتَين.

خالفت سياما الأسلوب المعتاد في رواية القصص الرومانسية، ولم تجعل من الشخصيات تنغمس في كليشيهات عاطفية متكررة أو أن تؤدي لفتات مسرحية ضخمة. على العكس من ذلك، تطورت العلاقة وتم بناؤها بشكل كامل اعتمادًا على التفاصيل الصغيرة فقط، النظرات المتبادلة بين الشخصيتَين والاحتكاكات العشوائية كانت أكثر من كافية لنجاح هذا الأسلوب. وما أسهم في نجاح هذا الأسلوب بشكل أكبر هو أن الكاميرا لم تبدِ اهتمامًا خاصًّا بهذه التفاصيل أو أن تسلِّط عليها ضوءًا، وبذلك تصبح مسؤولية الاقتناع بهذه العلاقة وملاحظة تفاصيلها تقع بشكل كامل على المُشاهد ودقة ملاحظته.

مشهد من الفيلم

نجح الفيلم في خلق جو عزلة متكامل لشخصية إيليويز، ونفهم تمامًا مدى عزلتها وابتعادها عن الحياة الطبيعية المليئة بالبشر والموسيقى والفنون وكل نوع من أنواع الترفيه. فأول مشاهد الفيلم نحن نشاهد وصول ماريان إلى الجزيرة الصغيرة التي تبدو نائية تمامًا، ولم تصادف أي شخص في طريقها إلى المنزل، والشخص الوحيد الذي قابلته هو صوفي الخادمة. وحتى يتم تعزيز فكرة العزلة هذه لم نشاهد أي شخص آخر على سطح الجزيرة حتى مُضِي أكثر من ساعة على بداية الفيلم، ولم يكن هناك أي مشاهد لتجميل المنزل الضخم الذي تعيش فيه إيليويز، بل كان دائمًا يبدو خاليًا من الروح تمامًا، خاليًا من أية لمسة بشرية، خاليًا من الفنون وحتى الأثاث.

اقرأ أيضًا: Once upon a time in Hollywood.. عندما يجتمع الكبار في فيلم واحد

وتصرِّح إيليويز بذلك في أكثر من مرة؛ فأول ما طلبته من ماريان هو استعارة كتاب منها، وهي تذهب إلى قداس يوم الأحد حتى تستمع إلى الموسيقى، وتفتقد الأيام التي قضتها في الدير؛ لأنها كانت تحتوي على مكتبة ويمكنك الغناء أو الاستماع إلى الموسيقى. وفي ظل احتياج إيليويز الصارخ إلى هذه العناصر، نلاحظ الغياب الكامل لأي موسيقى في الفيلم، وجميع الأصوات التي نسمعها هي أصوات الطبيعة المحيطة بالشخصيات؛ أبرزها صوت أمواج البحر.

مشهد من الفيلم

يعد ارتباط إيليويز بماريان ارتباطًا بالحرية؛ فهي لم تستطع الخروج من المنزل حتى وصلت ماريان إلى الجزيرة، ومباشرة شاهدنا التحول من زوايا التصوير الضيقة التي تهمِّش كل أبعاد المنزل لتُظهر الشخصيات فقط، إلى زوايا التصوير الواسعة التي تُظهر الشخصيات كنقاط صغيرة في صورة بديعة تشمل البحر والشاطئ، وتبدو تمامًا كلوحة مرسومة عوضًا عن مشهد في فيلم، وهذا التوجه لاحظناه يتكرر في عديد من المشاهد؛ أعني تحويل المشهد إلى ما يشابه لوحة فنية مرسومة وثابتة.

المشاهد التي جمعت الشخصيتَين كانت مشحونة للغاية منذ البداية، مع كون الحوارات في الفيلم قليلة نسبيًّا وبطيئة حتى؛ لكن الجو مشحون لدرجة أن حتى النظرات من طرف واحد كان يمكن تحميلها أكثر من معنى، كل جملة تُقال بحذر مكثَّف وكأن إيليويز وماريان تخوضان حربًا باردة لا يمكن التنبؤ بنتائجها، والانفجار بينهما محتوم. وأعتقد أن هذا الشحن الموجود في جميع مشاهد البطلتَين أسهم في تسريع نسق الفيلم مع أن الأحداث قليلة بشكل واضح؛ لكن في كل مشهد كان المحك عاليًا، وكنا أمام طرفَين يلعبان بكل حذر ولا يُبديان أية نية لخسارة المعركة.

اقرأ أيضًا: Succession.. تأثير المال والسلطة

الارتكاز على التفاصيل وجعل الفيلم شخصيًّا للغاية لم يكن لينجح لولا الأداء الاستثنائي من بطلتَي الفيلم؛ لأن أهم التفاصيل التي تم عرضها يتمثل في ملامح الوجه ولغة الجسد.. أديل هاينل بدور “إيليويز”، نجحت بشكل استثنائي في إيصال كل مشاعر الغضب والحنق الناتجة عن عزلتها المفروضة، مشاعر الخوف من المجهول والانغماس في اللحظة وتجاهل المستقبل. والأهم من ذلك كله مشاعر الجوع تجاه التواصل البشري والفني. نايومي ميرلانت بدور “ماريان” لم تقلّ جوهرية عن زميلتها؛ دور ماريان المعقد كان يتطلب الانهيار التدريجي تحت وطأة مشاعر خارجة عن إرادتها، وهذا الانهيار أو الانفجار العاطفي لم يكن ليمتلك نفس التأثير لولا البرود السابق في تعاملها وملامح وجهها الذي يعكس حاجزًا يدفع كل متطفل عليها.

تجتمع في الفيلم عناصر مذهلة كثيرة؛ لكن ما يذهلك فعلًا هو الدراسة الدقيقة لطبيعة تطور العلاقة البشرية والمشاعر العاطفية؛ الانعكاس الواقعي الذي يجعل كل مُشاهد يربط أحداث الفيلم بذكرياته وتجاربه، ولا يستطيع المُشاهد منع نفسه من تذكر النظرات والاحتكاكات المخزنة في ذكرياته، لا يستطيع وقف السيل الهائل لكل تلك الذكريات الخاصة التي تم تخزينها بشكل عشوائي دون أي تبرير منطقي. يمكن تصنيف الفيلم تحت مظلة الدراما أو الرومانس؛ لكن هذا الفيلم هو فيلم إنساني شخصي بحت قبل أن يكون أي شيء.

إيميل الكاتب: [email protected]

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة