شؤون عربية

الزعامة والمصالح والخطاب المزدوج: رصاصات قد تقضي على إخوان الجزائر

تشتت الزعامات وكثرة الانشقاقات أبرز ما يواجه الإخوان

كيو بوست – علي ياحي

مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الجزائرية، تواجه جماعة الإخوان في الجزائر جملة من الانشقاقات، كان آخرها تأسيس الرجل القوي أبو جرة سلطاني لتنظيم “منتدى الوسطية”، الأمر الذي دفع رئيس حركة مجتمع السلم، عبد الرزاق مقري، إلى الخروج عن صمته.

وقال مقري إن حركة انشقاقية داخل الحركة يتم التحضير لها، وإنه سيتفاعل معها برد الفعل وليس الفعل، بالإضافة إلى تصريحات أصدرها “فيلالي غويني”، زعيم حركة الإصلاح الإخوانية -المنشقة عن حركة مجتمع السلم- بدعم استمرار حكم الرئيس بوتفليقة، التي جاءت ضد قرارات “مقري” الرافض لعهدة خامسة. وستؤدي هذه الخلافات والتنافس على المصالح في المحصلة إلى مزيد من التراجع بعد انتكاسة الانتخابات البرلمانية والبلدية.

اقرأ أيضًا: إخوان الجزائر: تشتت وصراع من أجل المصالح والزعامة

إن الحديث عن فشل أحزاب التيار الإخواني في الجزائر على مختلف الجبهات، سواء في تحقيق إجماع بين قياداته أو الوصول إلى السلطة، يفتح أبواب التساؤل حول أسباب هذا “الانكسار” على مصراعيها، إذ أكدت التجربة أن الانشقاقات والاختلافات الداخلية التي يشهدها التيار إحدى أهم الأسباب. ورغم أنهم عملوا على الارتباط بالسلطة والعمل تحت جلبابها، إلا أن هذه الخطة عزلتهم عن الشارع الجزائري، ليتفرغوا إثر ذلك للصراعات الداخلية وتصفية الحسابات بين الزعماء، ما أفضى إلى تشكيل أحزاب كثيرة تقوم على الولاء للشخص.

وتراهن أحزاب التيار الإخواني في الجزائر خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة على الأوضاع التي سادت العهدة الرابعة للرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، التي عرفت انتشار الفساد وتدهور القدرة الشرائية وتدني مستوى المعيشة ودخول البلاد في دوامة من الأزمات على جميع المستويات مع غياب الرئيس بسبب المرض، وهي وضعية يحاول الإخوان استغلالها لكسب ود الشارع الجزائري من جهة، وأطراف في السلطة ضمن المعركة الجارية حول خلافة بوتفليقة من جهة أخرى.

لقاء زعيم الإخوان بشقيق الرئيس السعيد بوتفليقة

وكشفت التجارب أن الإخوان في الجزائر ليسوا كيانًا ضخمًا كما يروج أنصار التيار، بدليل النتائج الكارثية في الانتخابات البرلمانية والبلدية الأخيرة، وفشل حزبهم في تحقيق إجماع -مع أكثر من 20 حزبًا بغالبية من الإسلاميين- على مرشح توافقي لمواجهة مرشح السلطة، فمنهم من اتجه إلى تأجيل البت في الملف إلى الأيام القادمة، ومنهم من يدرس إمكانية تقديم مرشح من قياداته، فيما ذهب آخرون إلى البحث عن المقاطعة أو تقديم شخصية وطنية من خارج التيار الإسلامي، في مشهد يكشف عن انشطار لم يسبق له مثيل في مسيرة إسلاميي الجزائر.

اقرأ أيضًا: هل يسعى إخوان الجزائر إلى زج الجيش في الصراعات السياسية؟

حمزة عقون

ويقول المحلل السياسي حمزة عقون، في تصريح إلى “كيو بوست”، إن “أسباب شتات الإخوان تتمحور حول عامل رئيس هو معركتهم مع الزعامة، رغم تفنيد قياديي هذا التيار لهذه المعضلة في تصريحاتهم الإعلامية وعدم استفادتهم من تجاربهم السابقة، والدليل هو استمرار الشروخ بين مكوناته الحزبية، رغم أن المرجعية واحدة والأهداف المعلنة -على الأقل شكليًا- واحدة”، مشيرًا إلى انقسام الحزب الإخواني الأم في الجزائر الذي أسسه المرحوم “محفوظ نحناح”، إلى أحزاب عدة هي “البناء”، و”تجمع أمل الجزائر”، و”التغيير”، و”النهضة”، و”الإصلاح”، و”العدالة والتنمية”.

وأضاف حمزة عقون أن المشيخة لم تبلغ مرحلة النضج لوضع حدود فاصلة بين العمل السياسي الحزبي والعمل الدعوي، فأحزاب التيار الإخواني تنغلق داخل خطاب وممارسات باتت هي أسباب شتاتها وانقسامها الدائم على نفسها.

وفي السياق ذاته، ذكرت المحللة السياسية الجزائرية بالمركز العربي الديمقراطي بألمانيا، الدكتورة فريدة روطان، في تصريح إلى “كيوبوست”، أن “ظاهرة تراجع التيار الإسلامي في الجزائر لفتت انتباه الكثير من المحللين والمهتمين بالحركات الإسلامية، وفي الوقت نفسه أسيل الكثير من الحبر من الإعلاميين المحليين والدوليين في البحث عن تداعيات ودوافع ذلك التراجع ومآلاته المستقبلية، خصوصًا أن البلاد مقبلة على موعد انتخابي حاسم في تاريخها السياسي”. وقالت روطان إن أهم أسباب التراجع والانكسار هو عدم قدرة الإخوان على تسيير شؤونهم الخاصة داخل أحزابهم قبل شؤون العامة، مشيرة إلى أن الأحزاب الإسلامية تشهد أزمات نظامية داخلية، بسبب الصراعات المحتدمة بين أجنحتها حول مصالح ضيقة ومزايا ظرفية.

فريدة روطان

إن المتابع لمسيرة إخوان الجزائر، منذ الانفتاح السياسي إلى الآن، يرصد بوضوح ظاهرة الانشقاقات المتكررة في صفوفهم بحجج مستنسخة، تحمل في كل مرة المبررات نفسها تقريبًا، وهي تصحيح المسار والفرار بالمنهج وانحراف المسيرة واستهلاك الرصيد وتجديد النضال بوسيلة مختلفة شكلًا ومضمونًا، بدون تجديد أو تطوير أو تغيير أو تصحيح أو إصلاح في سلوك من انشق عن الأصل أو الفرع، أو انشق عن المنشق، وإنما الوجوه والبرامج واللغة والخطاب والمسار نفسها مستمرة، ما يؤكد أن معركة الزعامة هي أهم أسباب الانشقاقات داخل تيار الإخوان.

اقرأ أيضًا: رئاسيات الجزائر 2019: الإخوان المسلمون يبحثون عن منفذ

من جهته، أبرز المحلل السياسي، الخبير في الجماعات الإسلامية، باسل ترجمان، أن “جماعات الإسلام السياسي التي تجيد التلاعب بمشاعر الشارع تصطدم دائمًا بواقع ولاءاتها للآخر؛ فاليوم، يلمس الجميع حالة توسع وتعدد ولاءات قيادات الإخوان لغير الجزائريين، بل إنهم هم مستعدون للتخلي عن كل ما يهم الجزائر وسيادتها ومصالحها الوطنية لخدمة مشاريع وهمية لا أسس عقلانية أو واقعية لها، يستخرجونها من تاريخ انتهى زمانه ويريدون إعادة التاريخ للخلف ليعيشوا فيه، منها وهم دولة الخلافة التي تحولت فيها قبلتهم باتجاه تركيا، وهو ما خلق تنافسًا وصراعات بين قياداتهم في من يوالون ويبايعون على حساب وطنهم”.

باسل ترجمان

وواصل ترجمان تصريحاته قائلًا: “إن أزمة الولاءات والتنافس على القيادة وغياب فهم واقعي وطني لدى جل هذه المجموعات تجعل من عجزها على التموقع داخل المشهد السياسي -برؤى وطنية مصلحية تقنع الرأي العام- أمرًا صعبًا”، موضحًا أن “كل ما تقوم به هو التجييش لصالح قضايا تستوردها من خارج الحدود بغض النظر عن مشروعيتها، فتارة تتنافس في لعب ورقة غزة، وأخرى في دعم حماس، رغم أن الجزائر وقفت مع فلسطين بعد أشهر قليلة من استقلالها ولم تتاجر بذلك، تمامًا كما هو الحال في سوريا بعد هجوم العصابات التكفيرية عليها”.

وأكد باسل ترجمان أن هذه الجماعات المنقسمة على نفسها لا تملك رؤية أو مشروعًا يمكنها من التوحد للحكم أو المشاركة فيه، فكل أهدافها هي الوصول للسلطة والتمكين لإعادة أسلمة الجزائر حسب ما يرونه إسلامًا يختلف عما عرفه الشعب الجزائري على امتداد تاريخه.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة