الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

الرقص التاهيتي.. كيف يؤثر الاستعمار على ثقافة المكان؟

كيوبوست

وَفقًا لإحدى الفرضيات العلمية، فإن الإنسان ابتكر الرقص قبل ابتكاره اللغات المكتوبة، واتخذه أداة للتعبير ونقل القصص باستخدام الجسد، ويُعتقد أن الرقص كان عاملًا مبكرًا في التطور الاجتماعي للحضارات؛ لذلك يعتبر مكونًا ثقافيًّا لأية حضارة.

ويتنوع الرقص، حسب الحضارة المنبثق عنها أو البقعة الجغرافية التي ينتمي إليها؛ بما في ذلك “الرقص التاهيتي” نسبة إلى جزيرة تاهيتي، وهي واحدة من 118 جزيرة مرجانية وبركانية ضمن مجوعة جزر بولينيزيا في المحيط الهادئ، التي اكتشفت من قِبَل الإسبان والبرتغاليين والهولنديين والبريطانيين على التوالي. عام 1880 استعمرت فرنسا تاهيتي، ولاحقًا احتلت جزرًا أخرى لتشكل مستعمرة أوقيانوسيا الفرنسية.

عن الرقص التاهيتي

استخدم التاهيتيون طريقتهم المميزة في الرقص، وأعطوه أبعادًا عاطفية وسياسية وحتى دينية؛ مثل الرقص لجذب الحبيب وتحدي العدو وعبادة الإله والصلاة، فقد كان تعبيرًا فنيًّا أصيلًا له جذور عميقة في التقاليد البولينيزية القديمة، وأداةً لتصوير حياة الناس المنتمين إلى الثقافة التاهيتية، وطرحًا أسطوريًّا للمرأة البولينيزية “فاهين” الأكثر إثارة وأنوثة وجمالًا؛ حيث تعتمد الرقصات على حركة الورك والخصر المرنة والسريعة، بالتماشي مع حركة باقي أجزاء الجسد وأطرافه؛ ومنها رقصة “أباريما”، وهي رقصة تمثيلية إيمائية ذات بعد تاريخي، تضم خلفيتها الموسيقية آلالات إيقاعية أو وترية.

أما رقصة هيفيناو، فخلالها يدور الراقصون إناثًا وذكورًا ضمن مجموعات حول قائد الفرقة، وتتكون الأوركسترا المرافقة لها من طبول مختلفة. ورقصة “Pa’o’a”، التي تستند إلى حركات يقوم بها الراقصون خلال صناعة التابا -وهي رقائق تستخدم كمخطوطات أو قماش مصنوعة من مواد نباتية- في نصف دائرة، وفيها يؤدِّي زوج من الراقصين رقصة قصيرة، وتتعلق قصص الرقصتَين بالبحر وصيد السمك.

وللرجال حصتهم، فرقصة “أوتيا” العسكرية مخصصة لهم، وترافقها موسيقى “pehe” الإيقاعية.

ولأن الرقص كان جزءًا مهمًّا من تاريخ التاهيتيين، كان تعلمه وتناقله بين الأجيال ضروريًّا؛ عن طريق التدريب الطويل والشاق منذ الطفولة كجزء من نمط الحياة اليومي، إضافة إلى تعلمه شفهيًّا، لذلك يرتبط ارتباطًا وثيقًا باللغة. وكان للرقص أزياء خاصة؛ فصنع التاهيتيون التنانير من العشب والقش، وقبعات ابتكروها بألوان زاهية، وأدخلوا على أزيائهم الأزهار التي عبرت، إلى جانب العشب، عن حبهم للأرض، أما موسيقى الرقصات فقد ارتكزت على الطبول التاهيتية.

الطبول التاهيتية

رقص محظور

غيَّر المبشرون البريطانيون، الذين وصلوا إلى جزر بولينيزيا خلال القرن الثامن عشر، طبيعة مكونات الثقافة الأصلية لتاهيتي، عبر الحد من الممارسات الدينية المحلية ومظاهر العُري والرقص، بينما هُمّشت اللغة التاهيتية الأصلية واستبدل بها لاحقًا “الفرنسية”.

وبفعل التأثيرات التبشيرية تغيَّرت الرقصات التاهيتية مع مرور الزمن، فمع وصولهم إلى تاهيتي، وصف المبشرون الرقص “أوري تاهيتي” بأنه شيطاني وفاحش، فمنعوه؛ لأنه لا يتماشى مع القيم المسيحية من جهة، ولأسباب ثقافية أخرى وعامة؛ أهمها محاولة أي استعمار لإحلال ثقافته في مكان الثقافة الأصلية، لتسهيل احتواء الشعب المُستعمر والسيطرة عليه.

اقرأ أيضًا: مفكر ديني مثير للجدل: القرآن لم يحرم الرقص، وهناك أحكام خاصة لارتداء الملابس المحتشمة

استمر حظر الرقص التاهيتي حتى عام 1880، عندما سمح الفرنسيون بعودة الاحتفالات التقليدية أخيرًا ضمن مهرجان “Tiurai” خلال اليوم الوطني الفرنسي من كل سنة فقط، إلا أن كبار السن هناك يقولون إن الحركات التي يشاهدونها اليوم ليست مثل الرقصات الأصلية التي شاهدوها خلال شبابهم.

وفي محاولة لإحياء الرقص كموروث ثقافي، أسَّست سيدة تُدعى مادلين موا أول فرقة رقص تاهيتي تُدعى “هيفا” عام 1956، وتمكنت من وضع معايير وأُسس واضحة للرقصات. مع بداية الثمانينيات اكتسبت الرقصات التقليدية شعبية عالية، وافتُتحت مدارس لتعليم هذا الرقص، وتطورت الرقصات والأزياء في ظل زيادة العروض والمسابقات الدولية المرتبطة بمهرجان هيفا.

تركت التدخلات الاستعمارية لحد يومنا هذا تأثيرها على الرقص التاهيتي، فبعد منعه عاد كمادة قابلة للاستهلاك؛ لذلك أخذت السياحة في تاهيتي طابعًا تجاريًّا بدلًا من أن تأخذ منحًى ثقافيًّا، على الرغم من غنى الموروث الفلكلوري التاهيتي المتمثل في الرقص والموسيقى الإيقاعية والأزياء؛ حيث يعنى السواح في تاهيتي بمشاهدة الفرق الراقصة هناك كجزء أساسي من الزيارة. وفي هذا السياق تشير مريام خان، أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة واشنطن، خلال وجودها مع طلبتها في تاهيتي، إلى القدرة على رؤية تأثير الاستعمار في كل مكان؛ على اللغة والسياسات البيئية ونظام التعليم والرعاية الصحية والطبية والدين والسياحة.

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات