الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الرجل الذي وراء قوة بوتين العسكرية

سيرغي شويغو مهَّد الطريق للغزو الروسي لأوكرانيا

كيوبوست- ترجمات

أندريه سولداتوف♦

تتركز التغطية الإعلامية للحرب في أوكرانيا على شخصَي الرئيسَين الروسي والأوكراني. إلا أن مقالاً بقلم أندريه سولداتوف، نشره موقع “فورين بوليسي”، يركز على الدور الذي لعبه وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، في الإعداد للهجوم الروسي الذي نجح في غضون 24 ساعة بالوصول إلى مشارف كييف. كانت سرعة التقدم مذهلة واستخدمت فيها القوة العسكرية الساحقة بقوة وكفاءة عالية.

اكتسب الجيش الروسي في عهد بوتين احتراماً ودعماً شعبياً كبيراً في روسيا. فبعد أن كان يراه الروس مؤسسة ضعيفة الإرادة والتمويل تعاني الترهل والتخلف، أصبح واحداً من أهم المؤسسات في روسيا بعد أن تمكن من بناء ترسانة مجهزة بجيل جديد من التكنولوجيا ومدعومة بمؤسسة صناعية متطورة، وقام بدور كبير في السياسية الروسية الداخلية والخارجية على حد سواء. ويقود هذا التحول سيرغي شويغو، أحد أكثر المقربين لبوتين، والرجل الطموح الذي حقق سلسلة من النجاحات المستمرة منذ الاستيلاء على شبه جزيرة القرم في عام 2014 والتدخل في سوريا بعد ذلك بعام. ولا شك في أن تحول الجيش الروسي تحت قيادته هو الذي شجع بوتين على الإقدام على غزو أوكرانيا.

اقرأ أيضاً: السفير البريطاني السابق في موسكو لـ”كيوبوست”: الروس لم يفوا بوعودهم وغزو أوكرانيا لا يحمل أي انتصار

تاريخياً، لم يشارك الجيش الروسي في صنع القرار السياسي، وكانت القيادة السوفييتية تخشى من اكتساب الجيش الكثير من القوة وتبقيه خاضعاً لمراقبة جهاز الاستخبارات السوفييتي كي جي بي. وقد اتبع بوتين النهج نفسه في بداية حكمه، حيث أبقى على هيمنة الأجهزة الأمنية على الجيش أثناء حربه الأولى في الشيشان التي خاضها بمعدات سوفييتية قديمة؛ ولكن عندما تم تعيين شويغو وزيراً للدفاع عام 2012 بدأت أوضاع الجيش تتغير بهدوء.

برز شويغو إلى الصدارة في أوائل التسعينيات وأصبح وزيراً لحالات الطوارئ، واكتسب صورة المسؤول الحيوي الشجاع الذي يزور دائماً مواقع الكوارث على رأس فرق الاستجابة السريعة التابعة له، سواء داخل روسيا أو في أنحاء أخرى من العالم، مما حقق له شعبية كبيرة بين المواطنين الروس وفي صفوف القيادة الروسية.

سيرغي شويغو عندما كان وزيراً لحالات الطوارئ في روسيا- أرشيف

سِجل شويغو المهني المشرق وشخصيته العامة المحبوبة جعلا منه حليفاً طبيعياً لبوتين. وفي عام 1999 اختاره بوتين ليكون أحد قادة حزبه -حزب روسيا الموحدة- مما أتاح له القيام بجولات في البلاد وبناء قاعدة شعبية؛ لكن الأمر الأكثر إثارة للدهشة كان قرار بوتين تعيينه وزيراً للدفاع.

بعد فترة من توليه منصبه، أمر شويغو بنقل ضابط أركان رفيع الرتبة إلى الخدمة في سيبيريا؛ لأنه كان يرتدي بدلة مدنية بدلاً من الزي العسكري. كانت تلك رسالة واضحة من شويغو. وفي عام 2017 قام بتغيير الزي العسكري ليجعله مشابهاً للزي السوفييتي الذي كان يعرف باسم زي المنتصرين. لكن الأهم من ذلك كان نهج شويغو في ما يتعلق بالاستراتيجية العسكرية. فقد تبنى الابتكار عالي التقنية وأسس قيادة إلكترونية، ودمج القوات الجوية بالقوة الفضائية، ورفع رواتب الضباط والجنود، وجعل التهرب من الخدمة العسكرية أمراً شبه مستحيل؛ ولكن ما عزز مكانة شويغو في الكرملين كان تحقيقه نجاحَين عسكريَّين كبيرَين.

اقرأ أيضاً: هل ستنجح روسيا وأوكرانيا في التفاوض؟

الأول كان في أوكرانيا عام 2014 عندما اندلعت ثورة الميدان الأوروبي ضد الرئيس يانوكوفيتش الموالي لروسيا. في البداية، اختار بوتين الأداة المعتادة؛ حيث كلف جهاز الاستخبارات الروسية للمساعدة في قمع الانتفاضة، وعندما فشل في إيقاف المتظاهرين أو في ثني يانوكوفيتش عن الفرار من العاصمة، لجأ بوتين إلى الجيش. وتحت قيادة شويغو نجح الجيش الروسي حيث فشلت الاستخبارات وتم ضم شبه جزيرة القرم بسرعة وكفاءة.

كانت فرصة شويغو الثانية لتحقيق نجاح جديد في صراع أبعد بكثير. ففي الحرب السورية لم يتمكن دبلوماسيو بوتين من تحقيق الكثير، ومرة أخرى لجأ بوتين إلى الجيش، حيث بدأ تدخلاً عسكرياً حاسماً في سوريا عام 2015 تمكن من خلاله من تحويل مسار الحرب لصالح الرئيس السوري بتكلفة منخفضة نسبياً.

قوات روسية في سوريا- أرشيف

أدى نجاح الجيش في القرم وسوريا إلى اكتساب شويغو شعبية كبيرة في الشارع الروسي وفي الكرملين، كما أسهم هذا النجاح في تقريب الأوليغارشية الروسية من الجيش. ومن المفارقات أن العقوبات التي فرضت على النخبة الروسية بعد ضم شبه جزيرة القرم قد أسهمت في هذا التقارب؛ حيث دفعت خسارة الأموال والعقود في الغرب رجال الأعمال الروس للاستثمار في الداخل، إذ سارعت الحكومة الروسية لمساعدتهم من خلال منحهم عقوداً عسكرية ضخمة. وبفضل الدعم الشعبي والعلاقة القوية مع النخبة أصبح الجيش الروسي بحلول عام 2017 واحداً من أهم وأقوى المؤسسات في الدولة. وخلال العام الماضي، عندما بدأ بوتين يخطط لغزو أوكرانيا كان واضحاً أنه لم يلجأ إلى جهاز الاستخبارات، بل إلى الجيش الذي أمضى شويغو معظم سنوات العقد الماضي في تحديثه وتحويله إلى قوة سياسية، وبدا واثقاً ومستعداً لقيادته في المعركة.

اقرأ أيضاً: كلارك كوبر لـ”كيوبوست”: روسيا فوجئت بوحدة حلف الناتو في دعم أوكرانيا

ويخلص كاتب المقال إلى أن الأمر الذي شجع بوتين على القيام بخطوته العسكرية الأخيرة في أوكرانيا هو عسكرة المجتمع الروسي وإعادة تشكيل الجيش في عهد شويغو. وهذا إغراء لا يمكن أن تحد منه مخاوف أجهزة الاستخبارات أو الاعتبارات الدبلوماسية. والآن وبعد أن بدأ الهجوم بعنف شديد أصبحت التداعيات الكاملة لاستراتيجية الكرملين العسكرية الجديدة واضحة تماماً. فهذه الحرب لا يشنها جيش يؤمن بالقوة الغاشمة فحسب، بل يقوده شويغو، الرجل الذي حقق نجاحات فقط حتى الآن، ويفتقد التدريب والخبرة العسكرية الكافية لفهم حقيقة أن النصر في ساحة المعركة يمكن أن يؤدي في بعض الأحيان إلى هزيمة سياسية أكبر بكثير.

♦صحفي استقصائي يراقب أنشطة المخابرات الروسية

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة