الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون عربيةمقالات

الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح.. الرجل الذي نحت مكانة للكويت على المسرح الدولي

د. دينيس ساموت♦

لم يقُم أحد بمثل ما قام به حضرة صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أمير البلاد الذي توفي اليوم، لتشكيل صورة الكويت وشقّ مساحة لها على المسرح الدولي. فقد كان في مركز قيادة بلاده منذ استقلالها عام 1962، وبدأ في منصب وزير الإعلام؛ ولكن بعد بضعة أشهر تمت ترقيته لمنصب وزير الخارجية، وهو المنصب الذي تقلده لمدة أربعين عاماً، قبل أن يصبح رئيساً للوزراء، ثم في يناير 2006، أصبح أميراً للبلاد.

وفي عام 1962، قرر البريطانيون، الذين مارسوا الحماية على أراضي الخليج الممتدة من عمان إلى الكويت، أن الكويت ليست مستعدة للاستقلال فحسب؛ بل إن منحها الاستقلال هو أفضل وسيلة للاحتفاظ بمكانة متميزة لها، خصوصاً في ما يتعلق باقتصادها.

اقرأ أيضاً: الإخوان يتمددون في الكويت.. فهل يسيطرون على مفاصل الدولة؟

وقد جعل النفط الكويت غنية بالفعل، وحرص البريطانيون على عزل عائلة آل صباح الحاكمة عن ضغوط القومية العربية، التي كان يمكن الشعور بها في الكويت أكثر من أية منطقة أخرى في الخليج؛ بسبب العدد الكبير من السكان العرب غير الكويتيين الذين انتقلوا إلى هناك وحافظوا على استمرار العمل في البلاد، خصوصاً اقتصاد النفط. وكان من بينهم العديد من الفلسطينيين الذين شرَّدهم الصراع في فلسطين، والذين شعر البريطانيون بأنهم ميالون بشكل خاص إلى التطرف.

اقرأ أيضاً: ما وراء قمة ترامب وأمير الكويت.. هل بدأ التحرك الجدي لإنهاء أزمة الخليج؟

والمشكلة هي أن الكويت منذ اليوم الأول لاستقلالها واجهت تحدياً وجودياً من قِبل العراق الذي كان يزداد عدوانية. وتسببت شائعات هجوم عراقي وشيك في عودة البريطانيين بآلاف الجنود بعد أيام فقط من مغادرتهم. وقد كان إنذاراً كاذباً؛ لكن حدث أمر مماثل عام 1991، وقد كان حقيقياً هذه المرة.

عائلة كويتية تعبر الحدود الشمالية الكويتية- العراقية بعد أن سُجنت في العراق لمدة شهر خلال الحرب.. مارس 1991- “أسوشييتد برس”

واحتل العراق الكويت، ونُفي معظم الكويتيين؛ بما في ذلك الحكومة بأكملها والعائلة المالكة. وقد تطلب الأمر جهداً دولياً كبيراً في حرب الخليج الأولى (1990- 1991)؛ للعودة إلى الوضع السابق. وينبغي ألا ننسى ذلك الجهد؛ فقد شهدنا تعاوناً غير مسبوق بين الولايات المتحدة وروسيا، وشاهدنا القوات السورية تقاتل في الجانب نفسه مع الأمريكيين والبريطانيين.

وفي عام 1962، وبسبب الوضع الهش الناجم عن التهديد العراقي والضغوط القومية، نصح البريطانيون عائلة آل صباح بشدة بضرورة الخروج وتكوين صداقات مع العالم. وبصفته وزيراً للخارجية، كان سمو الشيخ صباح هو الذي قاد هذا الجهد على مدى أربعين عاماً، بين 1963- 2003، ثم بعد ذلك بتوليه منصب رئيس الوزراء، ثم أميراً في وقت لاحقٍ.

اقرأ أيضاً: الكويت على أعتاب أزمة جديدة

وكجزء من هذه السياسة، أنشأتِ الكويت في وقتٍ مبكر شبكة واسعة من السفارات -وهو ليس بالأمر السهل بالنسبة إلى دولة ذات عدد قليل من السكان، ولا تتمتع بخبرة دبلوماسية كبيرة- كما أنشأتِ الصندوق الكويتي للمساعدة الإنسانية والتنموية، وكان من المفترض أن يصبح الصندوق في وقتٍ لاحق نموذجاً يحتذى به في بلدان الخليج الأخرى الغنية بالنفط.

وقد تم الاعتراف في مناسبات عديدة بكرم سمو الشيخ صباح والتزامه الشخصي بالمساعدة الإنسانية من قِبل الأمم المتحدة، وغيرها من الحكومات والساسة. وكان سمو الشيخ صباح أيضاً مهندساً لسياسة جعلت من الكويت وسيطاً نزيهاً في النزاعات الدولية، وغالباً من خلال مبادرات بسيطة. وبعد عام 2003، كان على سمو الشيخ صباح أن يركز بشكل أكبر على القضايا الداخلية؛ أولاً بصفته رئيساً للوزراء، ثم بعد ذلك بشكل غير متوقع إلى حد ما بوصفه أميراً، عقب مشكلة الخلافة بعد وفاة الأمير الثالث، الشيخ جابر، واعتبار ولي العهد الشيخ سعد مريضاً جداً، وبعد أيام قليلة من التوتر أُعلن الشيخ صباح أميراً ليحل محله.

قوات التحالف خلال دخولها الكويت في مارس 1991- “الشرق الأوسط”

كما دفعت تلك الأزمة الدستورية القصيرة الكويت إلى الظهور بمظهر سياسي فريد؛ حيث تتقاسم الأسرة الحاكمة السلطة مع برلمان منتخب، خلافاً لبعض دول الخليج الأخرى. وقد تم تقديم شيء مشابه عقب استقلال عام 1962؛ ولكن بعد استعادة السلطة عام 1991 في أعقاب حرب الخليج الأولى أصبح الأمر بارزاً بشكل أكبر، حيث إن وجود نظام سياسي ديناميكي، يتميز في كثير من الأحيان بطابع الخصومة، ويعمل بالتوازي مع أسرة حاكمة قوية، ليس بالأمر السهل ولا البسيط.

اقرأ أيضاً: كيف توازن الكويت موقفها بين إيران وأشقائها الخليجيين؟

وبالنسبة إلى الآخرين في الخليج، غالباً ما يبدو النموذج الكويتي فوضوياً، وكثيراً ما اصطدم البرلمان مع وزراء من عائلة آل صباح الحاكمة؛ أحياناً من خلال الامتناع عن التصديق عليهم أو إجبارهم على الاستقالة. وكثيراً ما يتنافس الإسلاميون والقوميون واليساريون داخل البرلمان بعضهم ضد بعض. وفي حين أن سمو الشيخ الصباح كان بعيداً جداً عن أية شبهات، فإن إدارة هذا التوتر بين الأسرة الحاكمة والبرلمان كانت أكبر مهمة يضطلع بها كأمير، ومن المرجح أن يكون الأمر كذلك بالنسبة إلى خليفته أيضاً.

وبسبب هذا، أو ربما حتى على الرغم منه؛ فإن القيادة الكويتية تتصف بالروح الجماعية، حيث يتعين استيعاب مختلف فروع عائلة آل صباح عند تقاسم الكعكة الوطنية؛ لا سيما في توزيع المناصب الرئيسة في الحكومة والقوات المسلحة. لكن العائلة الحاكمة تعلمت أيضاً كيفية بناء تحالفات مع القوى السياسية والدينية والاجتماعية.

العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز (يمين) مع أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد وسط قادة دول مجلس التعاون الخليجي خلال قمة المجلس في الرياض.. ديسمبر 2019- “رويترز”

وهذا أمر من شأنه أن يجعل عملية صنع القرار مرهقة في بعض الأحيان؛ لكنه يعزز استمرارية النظام. فالأمير الجديد، نواف الأحمد الجابر الصباح، البالغ من العمر 83 عاماً، وهو الأخ غير شقيق للشيخ صباح، وقد كان ولياً للعهد منذ عام 2006، عندما تم تعيينه في هذا المنصب بموجب مرسوم أميري بالمخالفة لتقاليد عائلة آل صباح، والتي بموجبها تتناوب مناصب الأمير وولي العهد بين فرعَي الجابر والسالم.

اقرأ أيضاً: التكنولوجيا النووية تساعد في تطوير أنواع جديدة من الشعير في الكويت

ومن غير المرجح أن يقوم الأمير الجديد بتغييرات كبيرة في السياسة على المدى القصير؛ ولكن مثلها كمثل الأُسر الحاكمة الأخرى في الخليج، تواجه أسرة آل صباح العديد من التحديات في الداخل والخارج، وتثار التساؤلات حول متى ستقوم الكويت بإجراء هذا النوع من التغيير في الأجيال في الأسرة الحاكمة، كما رأينا في بعض دول الخليج الأخرى. وبالتالي فإن تعيين ولي العهد القادم سوف يحدد هوية الحاكم الجديد بقدر أي شيء آخر.

وفي الوقت الراهن، ستكون الأولوية بالنسبة إلى الأمير الجديد تتلخص في تعزيز الأوضاع الداخلية؛ بما في ذلك مواجهة الضغوط الاقتصادية مع انهيار أسعار النفط، ومحاولة العالم السيطرة على جائحة فيروس كورونا وعواقبها. أما على الصعيد الخارجي، فإن التحدي المباشر الذي يواجه الأمير الجديد هو العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى. وقد حاولتِ الكويت في عهد الشيخ صباح أن تنأى بنفسها عن النزاع بين قطر ودول الخليج الأخرى؛ بما في ذلك المملكة العربية السعودية والإمارات. وبدلاً من ذلك، حاولت أن تلعب دور الوسيط، وإن لم يكن ذلك بنجاح كبير؛ فقد حاول الكويتيون عموماً أن ينحتوا مكانتهم الخاصة ضمن السياسات المعقدة للعائلات العربية الحاكمة في الخليج العربي.

اقرأ أيضاً: السعودية والكويت تُعيدان إنتاج نفط “المقسومة”

ولا يتمتع سمو الشيخ نواف بخلفية دبلوماسية كالتي كان يتمتع بها سمو الشيخ صباح؛ فقد كانت خبرته في وزارة الداخلية والحرس الوطني. وهذا ليس بالضرورة عائقاً في السياسة الخليجية. وما زال علينا أن نرى ما إذا كان أمير الكويت الجديد ستتوفر لديه الطاقة والإرادة السياسية للاستثمار في رأب الصدع في المنطقة والإسهام في عملية التعاون الإقليمي.

لقراءة الأصل الإنجليزي: Sheikh Sabah al Ahmad

♦مؤرخ بحث في نهاية الفترة البريطانية في الخليج، ويكتب بانتظام عن قضايا الأمن الأوروبي المعاصرة وشؤون الخليج، وهو مدير منظمة “لينكس أوروبا” ومقرها لاهاي.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة