الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

“الرجل الذي باع ظهره”.. معاناة إنسانية لم تغرق في تفاصيل الأزمة السورية

كيوبوست

في تجربتها السينمائية الجديدة “الرجل الذي باع ظهره”، تقدم المخرجة كوثر بن هنية، معاناة إنسانية بصورة مختلفة عبر قصة الشاب السوري سام (يقوم بدوره يحيى مهايني) الذي يضطر إلى الهرب من بلده سوريا بعد انتشار مقطع فيديو له يتحدث فيه مع حبيبته عن رغبتهما في ثورة للحب، ويعلن خلاله رغبته في الارتباط بها والزواج منها؛ ليكون الحادث العفوي البعيد عن السياسة هو السبب الرئيسي في إجباره على الهرب من بلاده، بعدما يصل مقطع الفيديو إلى قوى الأمن.

في رحلة سام الشاب البسيط الذي لا يرغب في الحياة سوى للارتباط بحبيبته، معاناة كبيرة؛ فأسرة الحبيبة لا تقبل به عريساً لابنتها التي يتقدم لها أحد الدبلوماسيين السوريين في أوروبا. وبعد انتشار الفيديو تزيد معاناته في الداخل ويضطر للهرب إلى لبنان؛ ليحاول بدء حياة جديدة، لكن ثمة مشكلات تواجهه في الحياة التي يواصل فيها العمل ليل نهار لتوفير قوت يومه.

رغم زواج الحبيبة من الدبلوماسي المقيم في أوروبا؛ فإن سام يظل على اتصال بها، اتصالات تجري بينهما عبر “سكايب” بشكل شبه منتظم يخبر فيها كل منهما الآخر بأحواله، في الوقت الذي تتفاقم فيه مشكلات زوجها بعدما أغلق المعارضون السفارة السورية في بلجيكا حيث يعمل، ليبقى في المنزل برفقتها ويستقبل راتبه من الحكومة بشكل اعتيادي.

مشهد من الفيلم

في رحلة سام للعمل داخل لبنان، ومع بحثه عن فرصة للسفر أو العمل بطريقة لائقة، يتردد على المعارض التي ينظمها الفنانون الأجانب في لبنان ليأكل ويشرب في الفعاليات التي يتم تنظيمها، وهناك يلتقي فناناً يغيِّر حياته ويمنحه فرصة السفر إلى أوروبا، بمقابل شراء ظهره ليحوله إلى لوحة فنية، مرسوم عليها تأشيرة شينجن.

في التعاقد الذي يبرمه سام مع الرسام الأجنبي شروط مجحفة؛ فهو سيكون بمثابة اللوحة الصامتة، يجلس في قاعة العرض من دون حديث ولا حركة طوال فترة العرض؛ حتى في الصور التي التقطت لظهره بعد رسم الصورة لم يسمح له بالتقاط صورة بوجهه حتى يقوم بإرسالها إلى والدته في سوريا.

تتحول حياة سام بعد وصوله إلى بلجيكا وبدء تنفيذ الاتفاق؛ فالبلد الذي تعيش فيه حبيبته وأعداد كبيرة من اللاجئين السوريين يصبح اسمه بارزاً فيه، ووسط انتقادات هنا وهناك وأحداث صادمة تتصاعد الأحداث في حياة سام. وعلى الرغم من تعرضه إلى مضايقات كثيرين؛ فإنه عندما تتاح له الفرصة لمساعدتهم لا يتأخر.

اقرأ أيضاً: كيرك دوغلاس.. أيقونة داخل شاشة السينما وخارجها

يُسمح للزوار في المعرض التقاط الصور التذكارية مع ظهر سام، بينما لا يُسمح له بالحركة.. مشاهد كثيرة في الأحداث عكست التناقضات والاختلافات الموجودة لمفاهيم الحرية والشروط التي يجب توافرها لتحقيق الحرية الكاملة بشكل حقيقي وليس كمجرد شعارات.

عكست المخرجة في الفيلم الحياة بين عالمَين؛ العالم الغربي الذي يحصل فيه الإنسان على حريته ويعيش حياة كريمة، والعالم الآخر الذي اختار رسام العالم الغربي الشاب السوري منه ليكون ظهره لوحة متجولة. وعلى الرغم من أن العقد المبرم بينهما يحمل بنوداً غير قانونية ولا تتوافق مع حقوق الإنسان؛ فإن عدم اعتراض سام أمام المحكمة ورفضه الحصول على المساعدات من الجمعيات الحقوقية يجعله يواصل العمل بظهره كلوحة ولا يسمح له بالحركة أو حتى التفاعل مع بعض التعليقات التي تصل إليه من الزوار.

نجحت كوثر بن هنية في الخروج بالعمل من الإطار السياسي بشكل كلي، مع إبراز بعض المواقف السياسية وتعقيداتها التي أثَّرت حتى على حياة السوريين في أوروبا؛ فالتركيز على الأبطال من دون الدخول في تفاصيل الأزمة السورية أو حتى التطرق إليها بشكل لا يخدم العمل، فالجانب الإنساني في حياة الأبطال وما حدث لهم كان العامل الرئيسي الذي منح الفيلم الطابع الإنساني.

وظَّفت كوثر مواقع التصوير والديكورات والإكسسوارات فيها بشكل يخدم سياق الفيلم بصورة كبيرة في إيصال رسائله؛ فصورة الرئيس السوري في مخفر الشرطة بسوريا، ومشهد عبور سام للحدود السورية- اللبنانية وشعوره بالحرية بعد مغادرة بلده، بالإضافة إلى إبراز المعاناة اليومية التي يعيشها في العمل بلبنان مقابل أجر زهيد.

استخدمت المخرجة تفاصيل فنية تعبر عن الحالة التي أرادت إيصالها؛ سواء في اختيار صالة العرض ومكان جلوس سام بظهره للزوار والذي لا يتمكن الحضور من مشاهدة وجهه أو يتمكن هو من رؤيتهم، أو حتى في اختيار أماكن المواجهة بين سام ومَن يحاولون إثناءه أو الانتقام منه، فجاءت زوايا الكادرات على الممثلين؛ خصوصاً عند الاعتماد على تعبيرات الوجه، مميزة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات