الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفةشؤون دولية

الرجل الذي أرسل نفسه بالبريد في صندوق

كيوبوست- ترجمات

تمارا هاردينغهام

لم يمضِ وقت طويل على وصوله إلى أستراليا قبل أن يشعر المراهق برايان روبسون، بأنه ارتكب خطأً كبيراً بالهجرة من ويلز إلى الجانب الآخر من العالم. ولسوء حظه، لم يكن الشاب ذو التسعة عشر عاماً يمتلك ما يكفي من النقود لتغطية نفقات تخليه عن برنامج الهجرة المدعوم الذي جاء من خلاله أو لدفع قيمة تذكرة الطائرة للعودة إلى الوطن. وبعد أن أدرك أن خياراته محدودة للغاية، وضع روبسون خطة لتهريب نفسه على متن طائرة في صندوق صغير يعيده إلى بيته في عنبر الشحن.

واليوم، وبعد 50 عاماً على رحلته الخطيرة، التي انتشرت صورته خلالها في الصحف حول العالم، يأمل روبسون في تعقب صديقَيه القديمين جون وبول، وهما الشابان الإيرلنديان اللذان وضعاه في الصندوق وأرسلاه في رحلته.

يقول روبسون: “آخر مرة تحدثت فيها مع جون وبول كانت عندما نقر أحدهما على جانب الصندوق، وسألني إذا كان كل شيء على ما يرام، قلت له نعم، فقال أتمنى لك حظاً طيباً. واليوم أتمنى أن أراهما مجدداً”.

اقرأ أيضاً: هل تنسحب “جوجل” من أستراليا؟

التفكير ضمن صندوق

ممثل شركة “بان أميريكان” يتفحص الصندوق الذي وجد فيه برايان روبسون عام 1965- “سي إن إن”

قبل نحو عام من قراره بإرسال نفسه بالبريد، كان روبسون يعمل مساعداً لسائق حافلة في ويلز، وكان قد تقدم بطلب للحصول على وظيفة في مؤسسة “فيكتوريان رايلوايز” التي كانت في ذلك الوقت تشغل معظم الخطوط الحديدية في ولاية فيكتوريا الأسترالية. بعد أيامٍ قليلة من عيد ميلاده التاسع عشر، صعد على متن طائرة أقلته في رحلة طويلة ليبدأ حياته الجديدة في ملبورن، مروراً بطهران ونيودلهي وسنغافورة وجاكرتا وسيدني. قال روبسون: “لقد كانت رحلة شاقة للغاية؛ ولكنها كانت أفضل كثيراً من رحلة العودة”.

وفور وصوله إلى المدينة الأسترالية اكتشف روبسون أن النُّزُل الذي وضعوه فيه كان “حفرة موبوءة بالفئران”. ومع أنه لم يكن قد باشر عمله الجديد بعد، فقد قرر روبسون أنه في تلك اللحظة لن يبقى في أستراليا. قال روبسون: “بمجرد أن أحسم أمري فلن يغير أي شيء قراري، لقد كنت مصراً على العودة إلى الوطن”.

قال روبسون إنه عمل في شركة الخطوط الحديدية نحو ستة أو سبعة أشهر قبل أن يترك عمله والنُّزُل الذي كان يقيم فيه. ثم قضى بعض الوقت في السفر في أصقاع أستراليا قبل أن يعود إلى ملبورن ليعمل في مصنعٍ للورق. ولكنه في جميع الأحوال لم يتأقلم مع الحياة هناك، وكان لا يزال مصمماً على العودة؛ ولكن كانت أمامه عقبة تتمثل في تسديد نفقات هجرته للحكومة الأسترالية، بالإضافة إلى حاجته إلى النقود لشراء تذكرة العودة.

قال روبسون: “كنت بحاجة إلى نحو 700 إلى 800 جنيه؛ ولكنني كنت أكسب 30 جنيهاً في الأسبوع، لذلك كان الأمر مستحيلاً”.

وسط شعوره بالإحباط الشديد، قرر روبسون التوجه إلى النُّزل الذي أقام فيه عند وصوله؛ كي يرى إذا ما كان أي شيء قد تغير، وهناك التقى جون وبول اللذين كانا قد وصلا مؤخراً إلى أستراليا. سرعان ما جمعت الصداقة الشبان الثلاثة، وأثناء زيارتهم إلى معرض تجاري، كانت تشارك فيه شركة النقل البريطانية “بيكفورد”، التي وضعت لافتة كبيرة تقول: “يمكننا نقل أي شيء إلى أي مكان”. قال روبسون ممازحاً رفيقيه: “ربما يمكنهم نقلنا”. ولكن هذه المزحة لم تكن لتغادر عقل روبسون بعد ذلك اليوم.

الهروب في صندوق

يحاول روبسون العثور على الرجلَين الأيرلنديين اللذين ساعداه في تهريب نفسه في صندوق- “سي إن إن”

في اليوم التالي، توجه إلى مكتب الخطوط الجوية الأسترالية “كانتاس” في ملبورن؛ ليستعلم عن إجراءات إرسال صندوق إلى الخارج، وسأل عن الحجم والوزن الأقصى المسموح به، وعن الوثائق المطلوبة، وفي ما إذا كان من الممكن تسديد أجور الشحن في نقطة التسليم. وبعد أن حصل على كل المعلومات التي يحتاج إليها، عاد إلى النُّزل وأخبر جون وبول أنه وجد حلاً لمشكلته.

وعندما سألاه من أين سيأتي بالمال، قال لهما: “لقد وجدت طريقة، سأرسل نفسي بالبريد”. فقال بول ضاحكاً: “انتظر لحظة، سأخرج لشراء الطوابع البريدية”.

يتذكر روبسون: “عندما شرحت خطتي لهما قال بول إنني أحمق؛ ولكن جون كان أكثر تساهلاً. أمضينا ثلاثة أيام ونحن نتحدث حول الأمر، وفي نهاية المطاف نجحتُ في إقناعهما بفكرتي”.

اشترى روبسون صندوقاً خشبياً أبعاده 76×66×96 سنتيمتراً، وأمضى ما لا يقل عن شهر وهو يخطط لمشروعه مع صديقَيه.

تأكدا من أن الصندوق يتسع لروبسون وحقيبته التي أصر على أن يصطحبها معه في رحلة العودة، بالإضافة إلى وسادة، ومصباح يدوي، وزجاجة ماء، وزجاجة فارغة ليتبول فيها، ومطرقة صغيرة ليفتح بها الصندوق عند وصوله إلى لندن. ثم قام الثلاثي بتجربة كاملة؛ حيث دخل روبسون إلى الصندوق وقام رفيقاه بإقفاله.. وأحضروا شاحنة لنقل الصندوق إلى مطار ملبورن القريب.

وفي اليوم التالي دخل روبسون إلى الصندوق مجدداً قبل أن يغلقه جون وبول بالمسامير ويودعا صديقهما الذي سيمضي الأيام الخمسة التالية في هذا الصندوق.

قال روبسون: “كانت الدقائق العشر الأولى جيدة؛ ولكن ركبتَي بدأتا بالتشنج وهما مضمومتان إلى صدري”. وبعد نحو ساعتين من وصول الصندوق إلى المطار، تم وضعه على متن طائرة. “بحلول ذلك الوقت كنت أعاني التشنج، أقلعت الطائرة، وعندها فقط بدأت أفكر في الأكسجين. لم تكن هذه الطائرات تحتفظ بالضغط المناسب، ولذلك كانت كمية الأكسجين في الهواء قليلة جداً”. استمر الجزء الأول من الرحلة 90 دقيقة وصلنا بعدها إلى سيدني. كان الأمر في غاية الصعوبة.

رحلة العذاب

ولكن محنة روبسون المؤلمة كانت على وشك أن تزداد سوءاً؛ فعندما وصل الصندوق الذي حشر نفسه فيه إلى مطار سيدني، تم وضعه على مدرج المطار مقلوباً رأساً على عقب. يقول روبسون: “الآن أنا أجلس على رقبتي ورأسي، وبقيت مقلوباً كذلك لمدة 22 ساعة”.

كان من المفترض أن يتم شحن الصندوق على متن طائرة شركة “كانتاس” المتجهة إلى لندن؛ ولكن تلك الرحلة كانت ممتلئة، وتم تحويل الصندوق إلى طائرة شركة “بان أميريكان” عبر لوس أنجلوس؛ مما زاد من طول الرحلة. يتذكر روبسون: “استغرقت الرحلة خمسة أيام، كان الألم يفوق الاحتمال، ولم أكن قادراً على التنفس، وبدأت أغيب عن الوعي”.

بدأ روبسون يعاني الرعب الشديد، ولم يعد يعرف ماذا يدور في رأسه. “ظننت أنهم سيرمون بي من على متن الطائرة، كنت في حالةٍ يرثى لها”. أمضى معظم الوقت في الصندوق في ظلامٍ دامس، وهو يصارع الألم والارتباك. “في لحظة معينة اعتقدت أنني ألفظ أنفاسي الأخيرة، وتمنيت أن يتم ذلك بسرعة”.

عندما وصلت الطائرة إلى وجهتها النهائية، قرر أن يمضي في خطته إلى نهايتها. “كانت الخطة أن أنتظر حلول الليل، ثم أضرب جانب الصندوق بالمطرقة لأخرج منه، وأمضي إلى بيتي”. ويضيف “هذا هو مدى الغباء الذي كنت عليه”.

سرعان ما افتضح أمره عندما شاهد اثنان من عمال المطار ضوء مصباحه يتسرب من أسفل الصندوق. وغني عن القول أن الرجلَين أُصيبا بالذهول عندما ألقيا نظرة على الصندوق والرجل في داخله. قال روبسون: “كاد المسكين أن يصاب بنوبة قلبية عندما رآني”. اكتشف روبسون أنه في الولايات المتحدة عندما سمع لهجة عمال المطار. كان الرجل يصرخ “هنالك جثة في الصندوق”. ولم يستطع روبسون أن يجيبه.. “كنت عاجزاً عن الكلام وعن الحركة”.

وبعد أن تأكد موظفو المطار أن الرجل في الصندوق لا يزال على قيد الحياة، وأنه لا يشكل خطراً على أحد، سارعوا إلى نقله إلى المستشفى؛ حيث أمضى ستة أيام قبل أن يتعافى.

التقطت وسائل الإعلام قصته، وتدفق المراسلون لسماع قصة رجل الصندوق. ومع أن روبسون كان من الناحية التقنية قد دخل إلى الولايات المتحدة بشكلٍ غير قانوني، لم يتم توجيه أي اتهام ضده. وقامت السلطات بتحويله إلى شركة “بان أميريكان” التي قررت إرساله على أحد مقاعد الدرجة الأولى في طائراتها المتوجهة إلى لندن؛ حيث كانت كاميرات التلفزة في انتظاره في المطار في 18 مايو 1965.

قال روبسون: “كانت عائلتي سعيدة لرؤيتي؛ ولكن ليس لما فعلته”. عاد روبسون مع والديه إلى منزله في ويلز، وكان مصمماً على أن يضع تجربته برمتها وراء ظهره.

الأمل في لقاء الأصدقاء

أمضى روبسون 96 ساعة في صندوق خشبي قبل أن يعثر عليه عمال المطار في لوس أنجلوس- “سي إن إن”

ولكن الاهتمام الذي لاقته رحلته الشائنة كان يعني أن وجهه قد أصبح مألوفاً، وكانت الشهرة غامرة. ويقول روبسون إن الساعات التي أمضاها في الصندوق ما زالت تلاحقه حتى الآن، وإنه يجد صعوبة في الحديث عنها بعد كل هذه السنوات: “بصدق أقول إنني أود أن أنسى هذا الجزء من حياتي؛ ولكنني من الناحية العملية لم أقدر على ذلك، فالأمر مزروع بداخلي”. ويضيف: “حاول أن تقبع في صندوق كل ذلك الوقت لترى إذا ما كان بإمكانك نسيان الأمر؛ أعتقد أن الأمر سيكون أسهل لو كنت في نعش، على الأقل يمكنك أن تمدِّد ساقيك”.

شاهد: فيديوغراف.. كيف استوطنت الإبل في أستراليا؟

ومع ذلك، فقد جلبت هذه التجربة أيضاً بعض الأمور الإيجابية إلى حياته، فقد ألف روبسون كتاباً سيصدر قريباً بعنوان «الهروب في صندوق»، يروي فيه تفاصيل رحلته، كما يجري تحويل قصته إلى فيلم سينمائي.

ومع أنه أرسل رسائل إلى جون وبول فور وصوله إلى ويلز عام 1965، فإنه لا يعرف إذا ما كانا قد استلما رسائله؛ ولكنه سمع أنهما تواريا عن الأنظار بعد افتضاح قصته، واهتمام وسائل الإعلام بها. ولم يخطر ببال روبسون أن صديقَيه كانا سيواجهان تهماً جنائية لو أنه لم يتمكن من النجاة، ويقول: “أريد أن أعتذر منهما؛ لأنني وضعتهما في ذلك الموقف، ولكن وبكل صراحة، لقد كان الأمر جهداً مشتركاً، وقد أسهما فيه؛ ولكنني أشعر بالذنب تجاههما”.

ودون الخوض في التفاصيل، يقول روبسون الذي بلغ السادسة والسبعين إنه قد تلقى أخباراً مشجعة عن صديقيه في الأسابيع الأخيرة، وأنه يأمل في أنه قد يكون على وشك العثور عليهما. فبالنسبة إليه سيكون لقاء جون وبول بمثابة الخاتمة لقصة لم يتمكن من الهروب منها طوال حياته.

ومع أنه سافر إلى عدد من البلدان وعاش فيها، فهو لم يرجع على الإطلاق إلى أستراليا، ومع ذلك هنالك أمر واحد سيدفع روبسون للعودة من أجله. يقول روبسون: “قبل أيام سألني صحفي أسترالي إذا ما كنت أفكر في العودة إلى أستراليا مرة أخرى، فقلت سأفعل ذلك إذا ما قام أحد ما بدفع تكاليف رحلتي، وإذا كانت الرحلة بهدف لقاء جون وبول. في ما عدا ذلك لن أفعل”.

المصدر: سي إن إن

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات