الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الرجعية الجديدة نبت شرير لليمين المتطرف

كيوبوست – ترجمات

إسحق كفير♦

بداية، اليمين المتطرف هو شبكة متنافرة ومتنوعة، تتألف من العديد من الجماعات والأفراد، وجميعهم يريدون ويطالبون بتغييراتٍ جذرية في المجتمع المعاصر، الذي يرون أنه تضرر من القرارات السياسية المتعلقة بالهوية.

الشبكة الأخيرة التي أفرزها اليمين المتطرف هي الرجعية الجديدة (neoreactionism)، التي يقف وراءها، على الأقل جزئيًا، خبراء التكنولوجيا في وادي السليكون. ترفض الرجعية الجديدة النظام الاقتصادي الليبرالي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، وتبحث عن ماض متخيّل حيث “الرجال يمكن أن يكونوا رجالًا” في مجتمع يحكمه الرجال الأقوياء.

شبكة الرجعية الجديدة هذه تجتذب اليمين البديل، والمؤمنين بنظرية التسارعية (accelerationists)، والتحرريين الرقميين. العديد من الأعضاء هم من خبراء المستقبليات البارعين في التكنولوجيا الذين يرفضون الأيديولوجية السياسية التقليدية السائدة لأنهم – كما يشير فريد تيرنر، مؤرخ الصناعات الرقمية في أمريكا- يؤمنون بالتكنولوجيا وكيف يمكنها تغيير الإنسانية.

اقرأ أيضًا: عندما يخترق اليمين المتطرف أجهزة تطبيق القانون!

الأصول والجذور

تعود جذور شبكة الرجعية الجديدة إلى عام 2007 مع كتابات كورتيس يارفين، مهندس البرمجيات الذي يكتب مدونة باسمه المستعار “منشيوس مولدباج”. في “بيانه الشكلي“، الذي اعتمد بشكل كبير على كتابة كاتب المقالات الذي ينتمي للعصر الفيكتوري توماس كارليل، الذي رأى أن تاريخ العالم هو نتاج لإنجازات الرجال العظماء، ادّعى يارفين أن الديمقراطية كلام فارغ.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الرجعية الجديدة اكتسبت زخمًا بمجرد تغيير اسمها من المدرسة “الشكلية” (formalism) إلى الرجعية الجديدة. في عام 2010، وصف أرنولد كلينج، المدون التحرري، يارفين بأنه رجعي جديد. وقد لاقت أفكار يارفين صدى لدى أشخاص مثل الفيلسوف البريطاني نيك لاند، الذي تبنى لغة الرجعية الجديدة وأفكارها، وأضفى عليها واجهة زائفة من الفلسفة الفكرانية من خلال الاعتماد على قراءات انتقائية للفلسفة السياسية والنظرية النقدية.

الفيلسوف البريطاني نيك لاند – أرشيف

بيان يارفين، بأفكاره الزائفة فكريًا وغير المتبلورة، يقرن عشر كبسولات حمراء (معتقدات) بعشر كبسولات زرقاء. تمثل الكبسولة الزرقاء المنظور الديمقراطي التقليدي، في حين تمثل الكبسولة الحمراء وجهة المنظور الرجعي الجديد. وتهدف هذه العملية إلى توجيه اتهام للديمقراطية، وبالتبعية إلى الرأسمالية المعاصرة.

من خلال كتابات نيك لاند، وباتري فريدمان، وغيرهم، حشدت أفكار يارفين مجموعة جديدة من المتطرفين اليمينيين الذين يرفضون الديمقراطية والرأسمالية لصالح ما يطلقون عليه “الحكومة-الشركة” (gov-Corp)، وهي في الأساس نسخة حديثة من فكرة الدولة-المدينة في القرون الوسطى التي يمكن لسكانها اختيار الخروج (“حق الخروج” هو جوهر أفكار لاند؛ لأنه يسمح بحركة غير مقيدة بحثًا عن واقع أو نظام سياسي أفضل) إذا لم يكن زعيم المدينة يلبي توقعاتهم (وفق الرجعية الجديدة، أولئك الذين يعيشون في الحكومة-الشركة هم المستهلكون، وإذا كانوا غير راضين عن الإدارة فهم أحرار في الخروج والعثور على وطن جديد).

اقرأ أيضاً: كيف تزداد جماعات اليمين المتطرف شيوعاً وخطورة؟

جاذبية اليمين البديل

تكمن جاذبية الرجعية الجديدة المكونة من شبكة من أفراد اليمين البديل في أنها سمحت لهم بنقد النظام الديمقراطي والرأسمالية، دون استخدام الاستعارات الواضحة المعادية للسامية، حيث إن الجانب العنصري أكثر دقة. وقد زعم بيتر تيل، رجل الأعمال والملياردير الألماني-الأمريكي، والرأسمالي الاستثماري، والمؤسس المشارك لشركة “باي بال”، الذي يبدو مهتمًا ببعض عناصر الرجعية الجديدة، أن الحرية والديمقراطية لا يتفقان لأن الأخيرة تحد من حرية الاختيار، ما دفعه وغيره من خبراء التكنولوجيا في وادي السليكون إلى الترويج للنزعة التجارية-التكنولوجية باعتبارها بديلًا للنظام السياسي-الاقتصادي الحالي.

رجل الأعمال بيتر تيل – وكالات

وقد لاقت أفكاره صدى لدى أولئك الذين يعتقدون أن النظام السياسي الليبرالي قد فشل. فعلى سبيل المثال، قلب الفيلسوف السياسي باتريك دنين، فلسفة ألكسيس دو توكفيل رأسًا على عقب، مدعيًا أن التجربة الليبرالية باءت بالفشل لأنها لم تف بوعدها بالتخلص من أوجه عدم المساواة. وبدلًا من ذلك، جادل دنين بأن الليبرالية قد أضفت الطابع المؤسسي على البلوتوقراطية (حكم الأثرياء)، والرداءة، والابتذال. ولعكس هذا الاتجاه، أكد دنين على ضرورة عودة المجتمع إلى النزعة المحلية والمجتمع المحلي.

وترى شبكة الرجعية الجديدة أن الدولة القومية المعاصرة -التي تحركها المُثُل الديمقراطية والاقتصاد الليبرالي في فترة ما بعد الحرب- هي المشكلة. فهي ترى في النظام السياسي والاقتصادي المعاصر أنه يحد من الحرية، والفرص، وهو السبب في التدهور العرقي. يدعو البعض، كوسيلة للالتفاف حول النظام الدولي الحالي الذي تتبعه الدول وهيمنة الديمقراطية الليبرالية، إلى إقامة مدن عائمة في البحر، وهو نوع من نظام المدينة-الشركة المستقبلية التي يحكمها رئيس تنفيذي أو ملك (في البداية يُفترض إقامة هذه المدن في المحيطات بما تمثله من انفكاك تام من الأرض والمجتمع والثقافة السائدة… إلخ، وهذا ما يغري خبراء التكنولوجيا من أمثال بيتر تيل).

اقرأ أيضاً: التكنولوجيا سلاح اليمين المتطرف في ألمانيا

رفض النخبة

من السمات المهمة للرجعية الجديدة عدائها تجاه “الكاتدرائية” أو “المؤسسة المتحكمة”- ويقصد بها هنا نظام هيكلي يتألف من الجامعات ووسائل الإعلام والبيروقراطيات التي تدعم، في رأيهم، نخبة حاكمة فاسدة تعزِّز قيم شبه ديمقراطية مثل المساواة والجدارة التي يرى أنصار الرجعية الجديدة أنها تتعارض مع النظام الطبيعي، ما يقودهم إلى العودة إلى عصر ما قبل الحداثة حيث لم تكن توجد مثل هذه الأفكار، وحيث عاش المجتمع وفقًا للنظام الطبيعي، وفق ما يفهم من صيغة الانتقاء الطبيعي لداروين.

تشارلز داروين

فيما يتعلق بالاقتصاد، لدى شبكة الرجعيين الجدد وجهة نظر متخيّلة للقومية الاقتصادية التي يمثلها فهم محدود وانتقائي لكل من المركنتيلية (النزعة التجارية) والكاميرالية (فن إدارة اقتصاد الدولة). دعت المدرسة المركنتيلية، كما تم تصويرها في الفترة بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر، إلى قيام دولة يقودها زعيم قوي يعمل على توسيع نطاق التجارة، حتى لو كان ذلك يعني الحرب. لقد كانت شكلًا من أشكال القومية الاقتصادية القائمة على المعادن الثمينة (وليس على البنوك والائتمان) وكان يُنظر إلى التجارة التنافسية على أنها لعبة محصلتها صفر، وليست لعبة محصلتها إيجابية. الكاميرالية، التي غالبًا ما يشار إليها باسم الكاميرالية الجديدة، تلبي حاجتهم إلى زعيم قوي يحكم الدولة (الحكومة-الشركة) باعتباره الرئيس التنفيذي-الملك، مستخدمًا موارد الدولة لتحقيق أقصى قدر من التجارة.

العنصرية سمة رئيسة

لا تزال العنصرية سمة رئيسة من سمات الرجعية الجديدة، وتضح هذه بالأساس من خلال مفهوم لاند للنخبة ذات الكفاءة التكنولوجية الصالحة للحكم. بعبارةٍ أخرى، لا يستخدم لاند لغة عنصرية نموذجية، بل يختار بدلًا من ذلك التحدث عن العوامل الاجتماعية والاقتصادية وعلم الوراثة كما يقترح علم تحسين النسل في العصر الفيكتوري بهدف الدفاع عن الحق في تولي الحكم رجال أقوياء ومتفوقين فكريًا.

هناك مفارقة مثيرة للاهتمام في أيديولوجية الرجعية الجديدة. فمن ناحيةٍ، ترفض الحداثة من خلال رغبتها في العودة إلى زمن رومانسي ومثالي وريفي ورعوي حيث “يمكن أن يكون الرجال رجالًا”. ومن ناحيةٍ أخرى، يتطلع أنصارها أيضًا إلى التقنيات الجديدة للمساعدة في إنهاء طغيان السياسة المعاصرة (التي يُنظر إليها على أنها سياسات الهوية والتنوع) ويتطلعون إلى إنشاء الحكومة-الشركة المستقبلية.

اقرأ أيضًا: ما حقيقة العلاقة بين العنصرية والتطرف؟

نشأت من رحم الرجعية الجديدة الفلسفة التسارعية، شبكة عنيفة يريد أتباعها إحداث الفوضى والتوتر السياسي من أجل إحداث ثورة من شأنها أن تنهي النظام السياسي الحالي وإعادة العالم إلى عصر ما قبل الفلسفة الإنسانوية، وما قبل الديمقراطية، وما قبل اللياقة السياسية.

الخلاصة

تكمن خطورة الرجعية الجديدة في أنها تعتمد على التكنولوجيا والخيال والتنافر لجذب جمهور ساخط على النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الحالي، ويبحث عن حل. وتتمدد الرجعية الجديدة بسرعة من خلال المدونات وغرف الدردشة، وتلقى قبولًا لدى المزيد من الأفراد الساخطين الذين يتطلعون لتبرير سخطهم. لغتهم حذرة، تلفها فلسفة فكرية زائفة وقراءات انتقائية للفلسفة السياسية التي تلاقي صدى لدى الأفراد المثقفين البارعين في التكنولوجيا، الذين ينظرون إلى المجتمع المعاصر، ويرون أن وعود المساواة خلقت، في رأيهم، المزيد من أوجه عدم المساواة.

وختامًا، هذا السرد المؤمثل الذي تقدمه الرجعية الجديدة أو “التنوير المظلم” يلاقي هوى لدى هؤلاء الأفراد الساخطين لأنه يُضفي طابعًا رومانسيًا على الماضي، في حين يفتح المستقبل على احتمالات التغيير. وينبغي التحذير من خطورة تجاهل هذا النوع من التطرف نظرًا لأن وادي السيليكون يتمتع بتأثير هائل في المجتمع المعاصر، ومن ثم يجب استكشاف سبل مواجهة جاذبيته لدى الأفراد والجماعات.

______________________________

♦عضو المجلس الاستشاري، والأستاذ المساعد بالمعهد الدولي للعدالة وسيادة القانون، جامعة تشارلز ستورت.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة