الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

الرئيس المصري في جنوب السودان.. زيارة مهمة في وقت لافت

مراقبون ومحللون يرون تحت (رماد) البيانات الرسمية خلال الزيارة وميضاً ذا صلة بالخلافات المصرية- الإثيوبية العميقة حول سد النهضة

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

في ظروفٍ شديدة التعقيد ووقت حرج، وبينما تشتعل الحرب الأهلية في إثيوبيا؛ بسبب الحملة العسكرية التي يشنها رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد علي، الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 2019، على الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي؛ تحت عنوان (إنفاذ القانون)، جاءت زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسي، الأولى من نوعها لرئيس مصري منذ استقلال جنوب السودان في 9 يوليو 2011، الأمر الذي جعلها قابلة للتفسير والتأويل من عدة أوجه ومستويات.

عقب وصول السيسي مطار جوبا عاصمة جنوب السودان، 28 نوفمبر الماضي، تضاربت الأخبار حول أجندة الزيارة الرسمية، وما يمكن أن تنطوي عليه من أخرى سرية،  قبل أن تقطع التصريحات الرسمية من الطرفَين كلَّ التكهنات بأن الزيارة ستتناول الملفات المتعلقة بالتعاون المشترك وسبل تعزيز وتطوير العلاقات الثنائية بين البلدين؛ خصوصاً على الصعيدَين الاقتصادي والتنموي.

اقرأ أيضاً: 500 بقرة و3 سيارات فارهة ومال: مزاد علني لفتاة في جنوب السودان علىفيسبوك

إلا أن مراقبين ومحللين يرون تحت (رماد) البيانات الرسمية، وميضاً ذا صلة بالخلافات المصرية- الإثيوبية العميقة حول سد النهضة الإثيوبي، وأن وراء أكمة التصريحات الدبلوماسية الباردة والناعمة الصادرة عن القاهرة وجوبا، ما وراءها من أجنداتٍ خفية وترتيبات من شأنها استغلال الوضع الهش في إثيوبيا، والضغط عليها من أجل تقديم مزيد من التنازلات في هذا الصدد.

رسائل في بريد دول عديدة

أتيم سايمون

يقول أتيم سايمون، الصحفي والمحلل السياسي الجنوب سوداني، لـ”كيوبوست”: الزيارة في هذا التوقيت يُراد لها أن تبعث برسائل محددة إلى دول الجوار الإقليمي؛ خصوصاً السودان وإثيوبيا، فربما ترى الإدارة المصرية تقارباً بين الموقفَين السوداني والإثيوبي، فضلاً عن أن التوترات الجارية في إثيوبيا حالياً، ربما تُمهد الأرض للرئيس السيسي لتكوين تحالف بين القاهرة وجوبا، وربما بين القاهرة وجوبا وكمبالا في هذا التوقيت المهم والحاسم.

يضيف أتيم سايمون: “يريد الرئيس المصري أن يقول إن مصر موجودة ومؤثرة في هذه المنطقة التي تمثل ظهيراً استراتيجياً لأمنها القومي، وربما يريد أن يقول أكثر من ذلك، من قبيل: أنا متحرك ويمكنني التأثير على المنطقة؛ ما لم يتم حل مشكلة سد النهضة بالتفاوض البناء بين الأطراف وتقديم مزيد من التنازلات من الجانب الإثيوبي”.

اقرأ أيضاً: هل تنهي العقوبات الأمريكية الحرب الأهلية في جنوب السودان؟

يستطرد سايمون: أعتقد أن هذا هو الهدف الرئيسي من الزيارة؛ لكنه ليس الوحيد. فرغم أن السيسي، أول رئيس مصري يزور جنوب السودان بعد استقلاله؛ فإن العلاقات بين البلدَين ظلت في تنامٍ وتطورٍ مُطرد منذ استقلال الجنوب، وهذا ما أراد الرئيس سلفاكير الإشارة إليه عندما وصف الزيارة في كلمته الترحيبية بالسيسي، بالتاريخية، مؤكداً أن آفاقاً رحبة من التعاون بين البلدين الشقيقين لا تزال قائمة ومفتوحة في العديد من المجالات؛ لا سيما على الصعيد الاقتصادي، مشيراً إلى جهود ومساهمة الشركات المصرية الخاصة في أعمال التنمية الجارية في بلاده، ومؤكداً حرصه على توفير كل التسهيلات وتهيئة المناخ الداعم لذلك، لافتاً إلى أن مصر أسهمت في تقديم الدعم الفني والتدريب وبناء القدرات للكثير من الكوادر الإدارية من جنوب السودان.

جانب من المناورات العسكرية السودانية- المصرية في منطقة مروي شمال السودان- وكالات

خطوة ذكية

من جهتها، عدَّت هديل علي؛ الباحثة السودانية في علم الاجتماع السياسي لمنطقة القرن الإفريقي، زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، إلى جوبا، خطوة ذكية ومحسوبة بدقة بالذات في هذا التوقيت الذي تشهد فيه منطقة القرن الإفريقي توترات كبرى؛ بسبب الحرب الأهلية الدائرة في إثيوبيا المتنازعة مع مصر في قضية سد النهضة، تضيف هديل: هذه الزيارة بالتأكيد لها ما بعدها؛ خصوصاً وقد سبقتها مناورات عسكرية مصرية- سودانية، في منتصف نوفمبر الماضي، ولم يمضِ عليها أسبوعان، حتى طار السيسي إلى جنوب السودان، وهو بالتالي إنما يوجه عدة رسائل إلى اتجاهات مختلفة؛ أهمها تلك المتعلقة بسد النهضة. فرغم أن الرئيسَين السيسي وسلفاكير، شدَّدا على ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني مُلزم في ما يتعلق بملء وتشغيل السد، دَاعِيينِ إلى تعزيز التعاون بين دول حوض النيل بما يحقق مصالح شعوب المنطقة؛ فإن الرسالة غير المباشرة المخفية طي هذا الحديث الدبلوماسي، واضحة أيضاً؛ إذ تستبطن إشارات تحذيرية قوية لإثيوبيا، فجنوب السودان ليس بعيداً عن سد النهضة، وبإمكان مصر إذا ما أرادت توجيه ضربة إليه من هناك، لكن هذا الخيار غير مطروح الآن؛ بل ليس مُرحباً به من المجتمع الدولي ولا من شعوب المنطقة.

اقرأ أيضاً: مصر تبدأ تدويل قضيةسد النهضة

هديل علي

تختم هديل علي تعليقها قائلةً: الأمر المهم في هذه الزيارة أنها ربما تكون ضربة البداية لإحياء مشروع قناة جونقلي بجنوب السودان؛ وهي قناة كانت مصر شرعت في إقامتها على نهر الجبل، أحد أهم فروع النيل الأبيض بجنوب السودان؛ للتقليل من نسبة تبخر المياه بفعل المستنقعات، وهو مشروع قديم ذو أهمية حيوية لكل من جنوب السودان، والسودان، ومصر، تم التخطيط له قبل الاستعمار البريطاني للسودان، وبدأ العمل فيه عام 1974؛ حيث أُنجز معظمه، نحو 260 كيلومتراً من جملة 360 كيلومتراً، لكنه توقف عام 1983؛ بسبب التوتر بين الحركة الشعبية لتحرير السودان والحكومة السودانية، وإذا ما تم إنجازه سيضخ إيرادات إضافية لمياه تقدر بنحو 55 مليون متر مكعب، سيكون نصيب مصر منها نحو 14 مليوناً.

جانب من سد النهضة الإثيوبي- وكالات

 هل ستنشئ مصر قاعدة عسكرية في جنوب السودان؟

إلى ذلك يُشار إلى أن العلاقات بين القاهرة وجوبا بدأت تشهد تطورات كبيرة منذ اندلاع الخلاف بينها وبين إثيوبيا على ملف سد النهضة، وكانت تسريبات سابقة وجدت رواجاً كبيراً وتصدرت عناوين الأخبار، في يونيو من العام الجاري، مفادها أن مصر حازت على موافقة من حكومة جنوب السودان على بناء قاعدة عسكرية في أراضيها؛ ما اضطر السفير الجنوب سوداني في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، جيمس بيتيا مورغان، إلى نفيها قائلاً: الخبر الذي تم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأن جنوب السودان وافق على الطلب المصري بإنشاء قاعدة عسكرية في منطقة (باجاك) لا أساس له من الصحة، قبل أن تصدر وزارة الخارجية والتعاون الدولي ما يؤكد تصريحه ببيانٍ مقتضب، وهذا ما أكدته السلطات المصرية لاحقاً.

بيد أن كثيراً من الشواهد تشير إلى أن ثمة تعاوناً عسكرياً ينمو باطراد بين مصر وجنوب السودان؛ حيث تواترت معلومات كثيرة بأن المباحثات بين مصر وجنوب السودان حول التعاون العسكري، وصلت إلى مرحلة متقدمة، خصوصاً في أعقاب زيارة رئيس المخابرات العامة المصرية اللواء عباس كامل، جنوب السودان، في وقتٍ سابق.

جانب من مشروع قناة جونقلي- وكالات

اقرأ أيضاً: كيف تكون مصائب سد النهضة في إثيوبيا فوائد ثمينة لمصر؟

بعض المصادر العسكرية السودانية (شمال السودان) التي تحدثت إلى “كيوبوست”، قالت: إن زيارة السيسي لجنوب السودان ليست لها علاقة بالمناورات العسكرية المصرية- السودانية التي نُظِّمت مؤخراً، كما أن الأمرَين ليست لهما علاقة بما يجري في إثيوبيا من أحداث؛ فعلاقة السودان وجنوب السودان بمصر لا ينبغي اختزالها في أمور آنية، كونها ضاربة بجذورها في التاريخ؛ لكن ذات المصادر أكدت أن على إثيوبيا التفكير مرتين قبل المضي قدماً في جعل مشروع سد النهضة أمراً واقعاً، وأن البلدين لن يسكتا على التعنت الإثيوبي إلى الأبد؛ لكنهما لن يستغلا الظروف الحرجة التي تمر بها إثيوبيا، بل لن يتوانيا عن تقديم المساعدة لها إذا ما طلبت منهما ذلك.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة