شؤون عربية

الرئاسيات الجزائرية: الولاية الخامسة والجيش والإخوان على المحك

ما هو مستقبل البلاد بعد الاستحقاق الانتخابي القادم؟

كيو بوست – رشيد العزوزي

دعت رئاسة الجمهورية الجزائرية في بيان لها إلى إجراء الانتخابات الرئاسية في 18 أبريل/نيسان القادم، موقعة مرسومًا رئاسيًا يتضمن استدعاء الهيئة الناخبة.

وأضاف البيان أن “المرسوم ذاته ينص أيضًا على مراجعة استثنائية للقوائم الانتخابية، ستجري بدءًا من يوم 23 يناير/كانون الثاني إلى 6 فبراير/شباط 2019، طبقًا للمادة 136 من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات”.

اقرأ أيضًا: الزعامة والمصالح والخطاب المزدوج: رصاصات قد تقضي على إخوان الجزائر

هذه الدعوة الانتخابية، إضافة إلى الترتيبات التي تلتها، أعادت إلى الواجهة السياسية الجزائرية أسئلتها الحارقة الجديدة القديمة مثل دور الجيش، وحجم الإخوان، وإمكانية ترشح الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، في ظل وضع اقتصادي واجتماعي “حرج”؛ نتيجة الانخفاض الحاد في أسعار النفط وتداعيات ذلك على البلاد، كما سبق وأشار مجلس الشيوخ الفرنسي في تقرير برلماني صدر عن لجنة الشؤون الأوروبية.

 

هل سيترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة؟

يحكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة (81 سنة) الجزائر منذ عام 1999 حتى الآن، بعد تعديله للدستور الجزائري عام 2008، ملغيًا تحديد الولايات الرئاسية في اثنتين، فاسحًا المجال لنفسه لولاية ثالثة عام 2009، ورابعة عام 2014، إذ قدم ترشيحه الرسمي في الأسبوع الأخير من جمع التوقيعات فقط، مما يجعل من استحقاقات أبريل/نيسان مفتوحة على كل الاحتمالات، رغم إصابته بجلطة عام 2013، ما زال يعاني من تبعاتها صحيًا.

هناك تحالف رئاسي يضم أحزاب السلطة ودوائرها، ما فتئ يعلن دعمه الصريح لترشح الرئيس، ولا يرى في ذلك أي حرج بقدر ما يعتبره مناسبة “للحفاظ على مكاسب الاستقرار والتنمية، في ظل جزائر آمنة مستقرة قوية متطورة ورائدة بين الأمم”، كما جاء في بيان لحزب تجمع أمل الجزائر (منشق عن تيار إخوان الجزائر).

اقرأ أيضًا: إخوان الجزائر: تشتت وصراع من أجل المصالح والزعامة

سعيد هادف

في ظل هذا الوضع، قلل الخبير السياسي في الشأن الجزائري سعيد هادف في اتصال مع كيو بوست من “أهمية ترشح الرئيس من عدمها؛ باعتبار ذلك معطى لن يغير من جوهر الوضع السياسي القائم، مرجحًا “انحراف مسار الأحداث إلى تأجيل الرئاسيات، أي إلى تمديد العهدة الحالية”.

وأضاف: “إذا مالت الأمور إلى التمديد فلا خيار لمن يلتفون حول الرئيس سوى فتح نقاش سياسي حقيقي داخليًا وإقليميًا، فالوضع الجزائري والمغاربي لن يبقى على ما هو عليه، ولن يبقى الغرب مكتوف اليدين”.

 

موقف إخوان الجزائر

بعد حوالي شهر على آخر لقاء سري جمع السعيد بوتفليقة (شقيق الرئيس) بعبد الرزاق مقري رئيس حركة مجتمع السلم (إخوان الجزائر)، بمقر إقامة الرئيس بسيدي فرج غربي العاصمة، في إطار مبادرة التوافق الوطني التي أعلنها حزبه، حسب وثيقة داخلية موجهة لأعضاء مجلس شورى حركة مجتمع السلم، كشفت النوايا الحقيقية للحركة. 

#تصريح_صحفي بخصوص ما كتبه الصحفي ح. فنينش في جريدة الخبر هذا اليوم.- لم نرسل أي وثيقة لأعضاء مجلس الشورى الوطني (لا…

Posted by ‎حركة مجتمع السلم – حمس‎ on Thursday, 17 January 2019

الوثيقة، التي كشفت عنها صحيفة “الخبر” واسعة الانتشار، قوبلت بتفاعل إيجابي من طرف الرئاسة والجيش، رغم صعوبة تحقيق توافق بين الفرقاء السياسيين الذين يرون في أنفسهم بدائل لقيادة الجزائر، ما جعل من إمكانية تعديل الدستور وتمديد حكم الرئيس مقترح السلطة من بين الأمور المرجحة، إلا أن بيان الرئاسة الجمعة الماضية وضع حدًا لكل هذه التكهنات وغيرها، دون حسمها.

لم يتأخر رد إخوان الجزائر كثيرًا، إذ عبروا عن “تأهب واستعداد هياكل ومؤسسات الحركة والمناضلين والمناضلات والمنتخبين والمنتخبات لجمع التوقيعات، ولخوض غمار الانتخابات الرئاسية بمرشحها بجدارة واستحقاق، لعدم هدر مزيد من الوقت، في حالة إذا ما قرر مجلس الشورى الوطني ذلك”، ولم لا ولوج الحكم من بابه الواسع والتغلغل في دواليب السلطة لصناعة المستقبل السياسي للجزائر، وتكرار سيناريو حزب الحرية والعدالة في مصر، والنهضة في تونس، والعدالة والتنمية بالمغرب.

اقرأ أيضًا: هل يسعى إخوان الجزائر إلى زج الجيش في الصراعات السياسية؟

هذا الحلم استبعده سعيد هادف معلقًا: “لا مستقبل للمتاجرين بالدين والسياسة، سواء كانوا من اليمين أو من اليسار، ولا مستقبل للضحالة”، لأن “الإخوان بوصفهم تنظيمًا عالميًا ارتبط بسياق تاريخي معين، وساهمت في اصطناعه قوى عالمية علنية وسرية”، منوهًا إلى أن هذا “التنظيم بدأ يفقد مبرر وجوده، وسينتهي مع انحلال العقد التي خلفتها الحرب العالمية الأولى. سيتضح ذلك مع نهاية الربع الأول من هذا القرن”.

 

ما بعد الانتخابات ومستقبل العملية السياسية في الجزائر

أيًا كان خليفة الرئيس الحالي -المستبعد ترشيحه نظرًا لوضعه الصحي- فإن إرث الرئيس عبد العزيز بوتفليقة سيلاحقه حسب متابعين، فرغم اعتماد اقتصاد البلاد على (الغاز والبترول)، إلا أن الجزائر حققت انتعاشًا اقتصاديًا، وإن لم يستمر طويلًا بفعل تقلب أسعار النفط في الأسواق الدولية.

كما أن الرئيس الذي يتمتع -أو تمتع- بشعبية كبيرة في نفوس قاعدة جماهيرية لا بأس بها من المجتمع الجزائري، هو الذي زاوج بين تسلم السلطة عام 1999، وطرح مشروع الوئام الوطني الذي فُعّل مع مشروع المصالحة الوطنية عام 2005.

التحدي الأمني المؤرق الذي ربح معركته بوتفليقة في حين فشل في كسبه، قبله زعماء كثر سكنوا قصر المرادية خلال هذه الفترة الأليمة من تاريخ الجزائر، أمثال محمد بوضياف وعلي كافي واليامين زروال.

وهذا يعني أن بوتفليقة في اعتقاد البعض هو منقذ الجزائر من الفوضى العارمة التي أحدثها إرهاب الإسلام السياسي طيلة عقد التسعينيات من القرن الماضي (العشرية السوداء)، التي راح ضحيتها أكثر من 200 ألف قتيل، بل ونجح في تجنيب بلاده دمار ما عرف بالربيع العربي، رغم أن الجيران تونس وليبيا ومالي والنيجر اهتزوا على إثر هذه الأحداث.

وبالتالي، من سيتقلد سدة الحكم في الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية عليه أن يحافظ على مكتسبات الرئيس الحالي، ويقضي على ما تبقى من جيوب الإرهاب في أعالي الجبال (تنظيم الدولة في بلاد الغرب الإسلامي)، وأن يبقى حذرًا في علاقته بإخوان الجزائر الذين لا شك سيستغلون أي فرصة للانقضاض على السلطة -يعتبرونها مصادرة منهم- مع الانتباه للموضوع الاجتماعي الغارق في التناقضات.

 

الجيش والسياسة: أية علاقة؟

رغم أن الجيش الجزائري ما فتئ يؤكد أنه ينأى بنفسه عن الشأن السياسي في البلاد، ويقف على المسافة نفسها من الجميع، إلا أن الخرجة الإعلامية للجنرال المتقاعد “علي غدير” في صحيفة الوطن (محلية ناطقة بالفرنسية)، وإصرار محسن بلعباس -زعيم حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية المعارض- على تحول الجيش الجزائري إلى حزب سياسي يثيران عديد الاستفهامات.

هذه الاستفهامات أرجعها هادف إلى كون مؤسسة الجيش الطرف الأقوى في ميزان الصراع على الحكم، مما سيزيد من طول فترة الانتقال الديمقراطي، مقارنة بـ”باقي المؤسسات والطبقة السياسية بشقيها الحاكم والمعارض؛ لأنها لا تضطلع بالمهام المنوطة بها ولا تتوفر على الكفاءة المطلوبة”، ما دام “القضاء ينخره الفساد ويتحكم فيه الجهلة، وما دام الأكاديميون يضعون العلم في خدمة الخرافة والشعوذة”، على حد تعبير المتحدث ذاته. ولعل هذا ما جعل الفريق قايد صالح يدعو قائد أركان الجيش الجزائري إلى تحمل مسؤوليته التاريخية بشأن “الوضع السياسي المتأزم في البلاد مع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة”، كما عبر عن ذلك في أكثر من مقال ليومية “الوطن”.

اقرأ أيضًا: رئاسيات الجزائر 2019: الإخوان المسلمون يبحثون عن منفذ

نددت هذه السلسلة من المقالات -بمضمونها- بالمؤسسة العسكرية؛ إذ ذكرت مجلة الجيش الوطني الشعبي في عددها 666 الشهر الجاري أن الجيش الجزائري حريص على الابتعاد عن كل الحسابات والحساسيات السياسية، منبهة بنوع من التهديد والوعيد إلى “كون هذه التصرفات المتكررة قد تجاوزت، بتماديها، حدًا لا يمكن السكوت عنه”، ذاكرة أن “المؤسسة العسكرية تحتفظ بحقها كاملًا في اتخاذ الإجراءات القانونية الملائمة ضد هؤلاء”.

على كل حال، لا يتجه منطق الحالة السياسية الجزائرية هذه الأيام، في الغالب الأعم، إلى التمديد، ولا إلى العهدة الخامسة، وإنما إلى احترام الموعد الدستوري للانتخابات الرئاسية. وبالتالي على كل القوى الوطنية التي يمكن أن يخرج من عباءتها الرئيس الجديد التفكير بجدية في مرحلة ما بعد بوتفليقة، بإيجابياتها وسلبياتها، وتدبير المرحلة الانتقالية بكل حكمة وتبصر، حتى لا يضطر الجيش للتفكير في أي سيناريو آخر.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة