الواجهة الرئيسيةدراسات

الذهب .. ملاذ الاستثمار الآمن في الأوقات الصعبة

كيوبوست

للذهب بريقه الذي يخطف الأبصار ويذهب الألباب، والرغبة في اقتناء الذهب هي الغريزة الأكثر عمقًا وتجذرًا في النفس البشرية على مدى التاريخ وفي شتى البقاع. كما أن للذهب جاذبيته لدى المستثمرين والبنوك وصناديق الاستثمار؛ فالذهب يُعد أصلًا استراتيجيًّا من أكثر الأصول سيولةً بعد النقود، وهو من المعادن النادرة، ويتم شراؤه كسلعة فاخرة، كما يتم شراؤه بغرض الاستثمار. ويُنظر إلى الذهب كأصل يُمكن شراؤه بسهولة وتسييله بسهولة، ويمكن الاعتماد عليه لتعظيم القيمة بمرور الزمن. ويلعب الذهب أربعة أدوار أساسية في أية محفظة استثمارية: فهو الملاذ الآمن لحفظ القيمة وقت الاضطرابات المالية والأزمات الاقتصادية، ومصدر للعوائد طويلة الأجل، وأداة لتنويع الاستثمارات منخفضة المخاطر، وهو من الأصول السائلة الخالية من مخاطر الائتمان التي فاقت أداء العملات الورقية، ووسيلة لتعزيز الأداء العام لربحية المحفظة الاستثمارية.

أصبح الذهب أكثر انتشارًا كسلعة استثمارية منذ عام 2001، وقد نما الطلب على الذهب حول العالم بمعدل 15% سنويًّا منذ ذلك الحين؛ وكان الدافع وراء ذلك هو ظهور طرق جديدة لوصوله إلى السوق الاستثمارية المنظمة، مثل صناديق الاستثمار في السلع المتداولة في البورصة المدعومة بالذهب، وكذلك نمو الطبقة الوسطى في آسيا، والتي ترغب في الاحتفاظ بالثروة في الذهب، بالإضافة إلى تجديد التركيز على الإدارة الفعالة للمخاطر في أعقاب الأزمة المالية سنة 2008 في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.

اقرأ أيضًا: هل تنجح بيتكوين في تغيير وجه الاقتصاد العالمي؟

واليوم أصبح الذهب أكثر أهمية من أي وقت مضى للمستثمرين من المؤسسات بعد أن قامت البنوك المركزية في الأسواق المتقدمة بعد الأزمة المالية مباشرةً ولعدة سنوات بتبنِّي سياسات التيسير الكمي، عبر تخفيض أسعار الفائدة وشراء السندات الحكومية.

تعد البنوك المركزية من بين أكبر المستثمرين في العالم في مجال الذهب، ويفوق إجمالي حيازات البنوك المركزية حول العالم أكثر من 30.000 طن، حسب إحصائيات ديسمبر 2018، وتستحوذ 7 دول فقط (الولايات المتحدة الأمريكية، ألمانيا، إيطاليا، فرنسا، روسيا، الصين، سويسرا) على نحو 70% منه.

وتعمل الدول الآن على زيادة احتياطياتها من الذهب بشكل أكبر؛ إذ عادت البنوك المركزية الأخرى إلى الذهب بعد فترات طويلة من الغياب؛ لأغراض تنويع احتياطياتها التي تغذيها المخاوف بشأن عدم اليقين السياسي والاقتصادي العالمي. وتاريخيًّا، كانت دول مثل روسيا وكازاخستان وتركيا من بين المشترين الأكثر ثباتًا، وقامت بعمليات شراء شهرية منتظمة خلال عام 2018، وقد قامت مؤخرًا دول غير نشطة سابقًا في مجال حيازة الذهب؛ من بينها بولندا والمجر والهند، بزيادة حيازاتها من الذهب عبر مشتريات بكميات كبيرة؛ إذ اشترت روسيا نحو 451 طنًّا، واشترت تركيا نحو 153 طنًّا، وكازاخستان نحو 83 طنًّا، والمجر نحو 32 طنًّا، والهند نحو 29 طنًّا، وبولندا نحو 25 طنًّا، خلال عام 2018.

اقرأ أيضًا: إجمالي ثرواتهم يتجاوز 235 مليار دولار .. وأعمارهم أقل من 40 عامًا.

 يصادف هذا العام مرور 75 عامًا على اتفاقية “بريتن وودز“، ففي عام 1944 وقعت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة اتفاقية لإنشاء نظام تسعير صرف العملات للدول المتقدمة اقتصاديًّا في مدينة بريتون وودز بالولايات المتحدة الأمريكية، وافقت بمقتضاها الدول المشاركة على المحافظة على قيمة عملتها مقابل الدولار وسعر محدد من الذهب، وأصبح الدولار الأمريكي عملة الاحتياط منذ تلك اللحظة، والتزمت الولايات المتحدة الأمريكية بضمان تغيير عملتها بوزن معين من الذهب للدول الحائزة للدولار متى اقتضت الحاجة، وتم إنشاء صندوق النقد الدولي؛ لدعم نظام مدفوعات دولي؛ إلا أن الاتفاقية لم تدرك وقتها احتمالية أن تتراكم لدى بعض الدول احتياطات كبيرة من الدولار الأمريكي، وأن الولايات المتحدة الأمريكية قد تجد نفسها في موقف لا يسمح لها بتغطية هذه الاحتياطيات بالذهب، وعندما بدأت ألمانيا الغربية وفرنسا استبدالهما الذهب باحتياطيات الدولار عام 1971، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بالتخلي عن التزاماتها التي قطعتها على نفسها في عام 1944، وأعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، إلغاء التحويل الدولي المباشر من الدولار الأمريكي إلى الذهب، وهو ما سمي “صدمة نيكسون“.

Pictures/Getty

شهدت أسعار الذهب العالمية ارتفاعًا كبيرًا بعد الأزمة المالية العالمية، إذ بدأت في الارتفاع من نحو 750 دولارًا للأوقية في عام 2007 إلى 1200 دولار للأوقية بنهاية 2010، وبلغت ذروتها عند 1875 دولارًا للأوقية في سبتمبر 2011، وظل الذهب محتفظًا بمستوياته السعرية العالية حتى منتصف 2013. وبين عامَي2014  و2016 تراجعت أسعار الذهب إلى مستويات ما بين 1060 و1200 دولار للأوقية. أما خلال السنوات الثلاثة الأخيرة فقد تحسنت أسعاره وتراوحت بين 1150 و1340 دولارًا للأوقية.

خلاصة القول: إن الذهب بمفرده ليس استثمارًا جيدًا للأفراد؛ لأنه أصل غير مولد للدخل الجاري؛ مثل: توزيع الأرباح في حالة الاستثمار في الأسهم، أو توزيع الكوبونات في حال الاستثمار في السندات، أو الفوائد التي تحصل على الودائع البنكية. وكونه ملاذًا آمنًا فهذه العبارة صالحة فقط في أوقات الحروب والاضطرابات الكبرى. كما أن المضاربة على تحركات أسعار الذهب تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة جدًّا؛ إذ إن تحركات أسعار الذهب على المدى القصير محدودة، أضف إلى ذلك أن الاستثمار في الذهب يحتاج إلى سياسة النفس الطويل وعدم الاضطرار إلى البيع، وهي سياسة لا تتوفر لدى كثير من الأفراد وصغار المستثمرين. ورغم ذلك؛ فإن الذهب أبدًا لا يفقد بريقه كوسيلة للتحوُّط والتنويع لكبار المستثمرين والبنوك.

 

حمل تطبيق كيو بوست على هاتفك الآن، من هنا

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات