الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

الذكرى الستون لمجزرة 17 أكتوبر في باريس.. الحكاية التي لم تُروَ بعد!

المؤرخ الجزائري صادق سلام يروي في استضافة تلفزيونية كيف أثّرت المجزرة في نفوس المهاجرين طيلة ستة عقود

كيوبوست

بالعودة إلى فهرسةِ مراكز الأرشيف، في باريس وضواحيها، فلن يجدَ الزائرُ ما يخص “مظاهرات 17 أكتوبر 1961م”، التي تحل اليوم ذكراها الـ60، إلّا قصاصات من الصحافة فيها بيان مدير أمن باريس، موريس بابون، تتطرّق فقط إلى ثلاثة قتلى من الشرطة، وتتجاهل الضحايا الجزائريين الذين لقيوا حتفهم، وألقيت جثثهم بنهر السين، أثناء قمع الشرطة الفرنسية مظاهرة سلمية، خرجت معترضة على فرض منع التجول بحق الجزائريين وحدهم دون المواطنين الفرنسيين، مع أنهم كانوا حاملين للجنسية الفرنسية، وفقاً للمؤرخ الجزائري صادق سلام الذي استضافه برنامج “محاور” عبر قناة “فرانس 24”.

معطيات الحدث

خلال عملية القمع، كانت المفاوضات تقدّمت بسرعة منذ الخامس من سبتمبر عام 1961م، بين الحكومة الفرنسية والحركة الوطنية الجزائرية، بعد تعطلها نتيجة نيّة فرنسا الاحتفاظ بالصحراء الجزائرية، وبعدما تنازل الجنرال شارل ديغول عن الصحراء، سارت المفاوضات باتجاه وقف القتال، علماً بأن الوفد الجزائري خلال افتتاح المفاوضات في 20 مايو 1961م رفض وقف القتال، قبل أي اتفاقٍ سياسي، الأمر الذي أزعج ديغول؛ لأنه لم يكن يريد أن يخلق أزمة، ويريد أن ينهي الملف الجزائري المعرقل لفرنسا في المجال الدولي.

مظاهرة 17 أكتوبر ، 1961- روجر فيوليت

وأرجع سلام سير المفاوضات وحدوثها بالتزامن مع أعمال القمع، إلى انفصام في السلطة التنفيذية حينها؛ فقد كان رئيس وزراء فرنسا في ذلك الوقت “ميشال ديبري” من دعاة الجزائر الفرنسية، ولم يكن يشاطر ديغول نيته السير نحو استقلال الجزائر.

ونظراً لنيّة ديغول تلك، افترض سلام، أن ديبري وبابون، أرادا الأخذ بالثأر! فجرى تنظيم عملية القمع بشكل سري، وبناء عليه استقال وزير الإعلام والذي كان أقرب المقربين من ديغول، بعد أسبوعٍ واحد من أحداث 17 أكتوبر وعلى أثرها.

شهادات للتوثيق

مع أن الحرب الجزائرية كانت تقترب من نهايتها، فإن قوات الأمن الفرنسية ارتكبت مجزرتها بحق المتظاهرين الذين لم يتم حصر أعدادهم بشكلٍ دقيق، لكن سلام روى، أنه وفقاً لشهادة أرملة إحدى المتظاهرين من ضواحي باريس، والتي كانت قد توجهت لمحامٍ كان مهتما بأرامل ضحايا مجزرة 17 أكتوبر، قال لها وهي تبكي: “أنتم 300، لستِ وحدكِ”.

صادق سلام

وبخصوص اعتماد شهادات الشهود، يؤكد سلام كمؤرخ على أهميتها، فقال: “كان المؤرخ يشعر بالذنب والعجز لأنه كان يعلم خطورة القمع، لكنه لا يمتلك الوثائق الكافية لدراستها، إلا أن المؤرخين الذين كانوا وضعيين (أي الذين لا يؤمنون إلا بما هو مكتوب)، اعترفوا الآن بأهمية التاريخ الشفوي، وشهادات من عاش الأحداث”.

اقرأ أيضًا: بعد إثارته من قبل ماكرون.. الوجود التركي في الجزائر بين الاستعمار والحماية

واستعان سلام بتجربته الشخصية، إذ قال إنه دعي لمحاضراتٍ في الضواحي، والتقى بمناضلين كانوا من منظمي المظاهرة، وفي إحدى الشهادات قال له أحدهم: “جاءنا منع بات من قيادة الثورة في ألمانيا حمل السلاح، كانوا يريدون للمظاهرات أن تكون سلمية”، فيما أفاد آخر أنه كان يجيد السباحة، وعندما رموه بنهر السير استطاع النجاة، وبناء عليه يشير سلام أنه من خلال الشهادات يستطيع المؤرخ أن يعرف أكثر، وأن شهوداً ما زالوا اليوم على قيد الحياة. وحول نقص الوثائق عن المجزرة قال سلام: “الذاكرة هي التي أنقذت التاريخ”.

وسبب هذا التعتيم في رأيه، يعود لمقولة “أول ضحية للحرب هي الحقيقة”، ويقول: “الفاعلون كانوا حريصين على إخفاء الحقيقة، تحديداً لأنها كانت تثير الغضب والاشمئزاز”.

ما بعد الصدمة

أثّرت المجزرة في نفوس المهاجرين، وبهذا الخصوص أكدّ سلام أن المهاجرين شعروا بالرعب حتى بعد الاستقلال، ففي بداية السبعينات، كان العمّال المهاجرون يتكلمون بخجل عن المجزرة، وكانوا عاجزين عن نسيان الأحداث.

وبهذا السياق كتب سلام كتاباً عن أحمد بو منجل، الذي تأثر بموقف حصل معه وهو طفل في المدرسة الابتدائية في فرنسا، عندما كان يحمل الأعلام الفرنسية مع زملائه، فجاءت إحدى الإسبانيات حديثات التجنيس، ونزعت منه العلم وقالت له: “لا يحق لك أن تحمله، أنتَ لستَ منا”!

المهاجرون شعروا بالرعب حتى بعد الاستقلال- وكالة الصحافة الفرنسية/ فرناند باريزوت

ومع أنه كان يشعر أنه فرنسي فلم يكن يتحدث العربية بحسب سلام، فإن هذه الحادثة تسببت بتنامي شعوره الوطني خلال المراهقة، والتزامه بالحركة الوطنية، وكان صاحب دور في تاريخها بحكم خبرته كمحامٍ وقانوني، كما أنه كان من الأعضاء البارزين في الوفد المفاوض.

اقرأ أيضًا: لماذا يتسابق الجزائريون على بلوغ أوروبا بطريقةٍ غير شرعية؟

وعندما جاء إلى باريس ليدرس القانون بعد استقالته من التعليم، أصبح عضوًا باللجنة التي تدعو لعودة الأمير خالد إلى باريس، فقد كان بو منجل معجبًا بانتصارات الأمير الخالد الذي فاز عام 1920م في الانتخابات، حيث هزم جميع القوائم الإدارية التابعة للاحتلال.

كما تطرق سلام لسبب تركيزه على صداقة بو منجل والمفكر الجزائري “مالك بن نبي”، موضحاً أن دراسة سير الزعماء أصبحت أفضل طريقة لإحياء وإثراء التاريخ؛ لأنه ممكن الحصول من خلالهم على معلومات إضافية، معتقداً أن من يريد معرفة الجزائر عليه أن يدرس كل شرائح الحركة الوطنية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة